As Safir Logo
المصدر:

...والله زمان يا سلاحي:قالت الراديو(صورة)

المؤلف: هواري زهير التاريخ: 1995-08-22 رقم العدد:7165

شاع نبأ شراء ابي جهاز راديو، تقاطر جيراننا للتهنئة وسماعه. كان ابي مشغولا في استكمال عدة تشغيلة، صعد الى السطح وهو يحمل الشريط اللاقط وثبته بعصوين، ثم نزل. ازاح من الغَلَقَة القديمة المحفورة في الحائط الترابي كتب السير: عنترة بن شداد، الزير سالم، حمزة البهلوان وتغريبة بني هلال، ووضع الراديو وبطاريته التي تشبه بطارية سيارة اليوم. ثم وصل الاشرطة... شخص الجمع، رجال بثيابهم الداكنة، بكوفياتهم الحمراء، البيضاء، السوداء وجدي بشرواله، بينما وقفت جدتي وأمي بين الجمع تنتظران المعجزة. بعد قليل ضغط أبي على الزر فأضاء النور الاخضر... ثم بدأ صوت ضجيج اجش يصل، تلاه صوت المذيع... انفرجت الأسارير وأخذت الوجوه تتطلع الى بعضها بعضù تعبيرù عن الحيرة. لم يكن ذلك الجهاز هو الاول في قريتنا. كان قد سبقه عدد لا يتجاوز اصابع اليد، وقبلا الغرامافون الذي وضعه من حمله تحت شجرة التوت، بعد ان نقله من ايطاليا مباشرة الى المنصورة... وذهل الناس وهم يشاهدون بوقه ويسمعون الصوت. عندما ارتفع صوت المذيع، اصغى الجميع، وراج تلك الايام التعبير »قالت الراديو« و»قالت لندن«، وكأن ما تقوله ليس سوى الكلام المنزل. كان ذلك مطلع الستينيات. حتى الآن لا اعرف كيف استطاع ابي شراء ذلك الراديو. هل موسم زراعي مميز ام بيع مواش. كان ابي اعجز عن شراء الآلة، التي انحصرت فقط في بعض بيوتات مالكي مئات الدونمات، وكان عليه ان ينفق ماله هذا اذا حصل عليه على »قطيع القرود« الذين هم اخوتي وأنا، والتعبير كانت تستعمله امي كلما اعيتها الحيلة عن غسل اكداس ثيابنا وطبخ طعامنا وضبط تصرفاتنا وتربيتنا كما ترغب وتشتهي. الاكيد ان سوسة الراديو غزت رأس ابي منذ عدوان السويس والزلزال، اي في اواسط الخمسينيات، واذا كان الاول لا اذكره، فان الثاني الذي حدث عام 1957 اجبرنا كما سوانا من اهالي القرية على مغادرة بيوت الطين خوفا من ان ننطمر تحتها. كان جارنا جورج يملك آنذاك راديو... اخذ الرجال يتسقطون اخبار الزلزال، ولم يطمئن احدهم للرجوع بالعائلة الى البيت الا اذا »قالت الراديو«، ولما »قالت لندن« ان هناك تخوفا من مزيد من الزلازل، اقمنا عشرة ايام اضافية في العراء، لا ندخل الى البيت الا بسرعة خاطفة ولاحضار ما لا نستطيع اخراجه منه. تعطل بعدها راديو جارنا، وقرر اصلاحه، لذا طلب من »ابو سامي« ان ينقله معه الى زحلة بشاحنته التي لا يملك احد في القرية »ماكنة« سواها... لكنه عاد من دون ان يعثر على »المصلح« الارمني المطلوب. بات الحي فارغا من راديو، فاعتزم ابي ان يملأ الفراغ. وضع ابي الراديو في مكان عال لا تصل إليه ايدينا، وكانت الاوامر صريحة وصارمة تنص على عقاب كل من تسول له نفسه التطاول الى مكانه... الا ان ما اذكره ان وصوله ادى الى نشوب حرب »داحس وغبراء« كلامية بين ابي وامي. تقول له انه »يبعزق« المال الذي يتوجب انفاقه على اكساء واطعام »القرود« وتعليمهم وإصلاح البيت وأبي يصفها بأنها رجعية ورافضة للتطور ومعرفة ما يجري حولنا... سكتت امي على مضض، ربما لانها ضمنت ان وجود راديو في بيتنا سيدفع ابي الى ان »يلفي« اليه خلاف العادة التي درج عليها منذ ان حل الراديو في القرية. كان »برنامج السماع« الذي وضعه ابي واضحا لا لبس فيه ولا ابهام: اخبار لندن، مضافة ابو محمود من الاذاعة الاردنية، وقبلها اغان لمطربة تغني باللهجة البدوية اسمها سلوى الحداد. سلوى الحداد بدأت الغناء البدوي قبل سميرة توفيق بسنوات واكتسبت شهرة واسعة، وكان اكثر من يسوق لها الدعاية جارنا الياس الحداد، الذي كان كل ما لعب بالقمار وربح، جاء الى عندنا محملا بالبسكويت والراحة والفستق. كان يأتي ليسمع ابنة عمه، يسمعها ويعلق انه سيذهب إلى الاردن ليتعرف عليها ويتزوج منها... اذاعة صوت العرب تأتي هادرة. احمد سعيد يأتي صوته مدويا بعد الأخبار، وكانت الغرفة الترابية تضج بصوته، ومعه تهتز الرؤوس علامة الموافقة. وتعليقات تعليقات بعد كل اخبار... تعليقات وأسماء تمر: قاسم او نوري العراق، كزبري سوريا، سعود الرجعية، مؤامرة الانفصال... الاستعمار، الصهيونية، الامبريالية، الاشتراكية، الوحدة، التأميم، السويس، التنمية، التخلف، اتحاد قوى الشعب العامل، التصنيع... نهرو، شو ان لاي، سوكارنو، تيتو، كاسترو، خروتشوف، لومومبا، فلسطين، مصر، الكونغو، الجزائر، كوبا، اندونيسيا، الصين، الهند، الاتحاد السوفياتي و... وا" زمان يا سلاحي اشتقت لك في كفاحي... لم تدخل الاغاني برنامج السماع، لكنها اقتحمته اقتحاما من دون مشيئة الوالد، البرنامج يتضمن نشرات الاخبار بالاصل، وأضيف اليه »المضافة«، وكان الرجال ينتظرون ان تدق ساعة بيغ بن، او يأتي المارش العسكري من صوت العرب من القاهرة قبل النشرة او خطاب سيادة الرئيس. لم يكن مسموحا لنا بحضور هذه البرامج التي يحظر على من هم في اعمارنا سماعها. عندما يجتمع الرجال في المساء، يدير ابي الراديو، بعد ان ينظر الى المنبه الموضوع على الرف، اما نحن فكنا ننحشر في المطبخ حيث الموقد والضوء الشحيح... كانت اصوات خافته تصل الينا، وكنا نتلصص على الرجال من شق الباب وهم صامتون او يعلقون على الموقف... لم يكن منعنا لانا ما زلنا صغارا، بل لان العادة درجت على هذا النحو، وكنت اعجب كيف تتسع تلك العلبة السحرية لهؤلاء الناس جميعا وهم يغنون، يتحدثون، يخطبون، خلافا لما نحن عليه محشورين في المطبخ تدمع عيوننا من الدخان وضوء الفانوس، بينما الرجال ينعمون الى جانب »الصوبيا« بالدفء النظيف وشغف السماع. كان ثمن البطارية 14 ليرة، وكان المبلغ كبيرù، خصوصا خلال الشتاء عندما يستحيل على ابي ان يفلح بالاجرة على فدانه... لذلك حافظ ابي على برنامج السماع وأضاف اليه عبد الباسط والآذان في شهر رمضان فقط... احدهم، ولا ادري من يكون قال ان الكهرباء تشغل الراديو وتضيء البيت ايضا، وكان هذا ايضا يدخل في باب اللامعقول... لذلك عمد جارنا صابر بعدها بسنوات الى قلب الآية من خلال محاولة تشغيل الراديو على ضوء القنديل ولم ينجح... عندما جاءتنا الكهرباء مع موجة التحديث الشهابية التي شملت ارياف الاطراف، بات الراديو القديم ببطاريته الغالية مثار تذمر الوالد، لكن امي وقفت له بالمرصاد كل ما المح او صرح، لكن الكيل طفح عندما اندلعت حرب الخامس من حزيران، فنهض باكرù صباح يوم خميس، موعد السوق الاسبوعي في جب جنين وقاد البقرة »الصبحاء« وهناك باعها، ومنها الى زحلة مباشرة حيث اشترى راديو على الكهرباء... جر »الصبحاء« صباحا وعاد يحمل كرتونة ظهرا. كان فرحا بما اشترى، لكن امي اخذت تؤنبه »هل سيرضع الاولاد من ازرار الراديو ام من الاخبار التي تسمعها!!«. كان للراديو جهاز للاسطوانات ايضا... لم تستمر امي على هجومها، اذ سرعان ما استسلمت للامر الواقع، واستحالة اعادة البقرة الصبحاء الى البيت بعد ان باعها ابي لمن لا يعرفه الا ا"... كل ما فعلته تعبيرù عن الاحتجاج هو مقاطعتها للجهاز وحتى اليوم... امي تتحدث عن مآثر »الصبحا« وابي يردد سيئاتها، والبلاغات العسكرية بالانتصارات تنجلي عن ذهول الهزيمة وصوت عبد الناصر الشاحب معلنا الاستقالة... نخرج من البيت، يخرج الناس من بيوتهم، يعثرون على صورة للرئيس ويتظاهرون في طرق القرية. في بيتنا راديو... هاه... الكل متحلقون... قالت الراديو... ابي لا يعرف ان يدير الابرة سوى على محطات ثلاث: صوت العرب، لندن وعمان... اخبار... اخبار واغان تتردد في بيتنا، ونحن صغار نسترق السمع الى الاناشيد: بلاد العرب أوطاني... من الشام لبغدان. ومن نجد الى يمن... الى مصر فتطوان... وا" زمان يا سلاحي... اشتقت لك في كفاحي... واسئلة عن كيفية الدخول الى تلك العلبة الموضوعة في غَلَقَة بيتنا الترابي... دخول الناس والقضايا والمدن والحروب التي نراها مدوية فوق رؤوسنا ونحن لا نعلم عنها شيئا. قالت امي ان الاولاد بحاجة الى حليب »الصبحا«، قال ابي انها الحرب... كبرنا على حليب الهزائم قالت الراديو: وا" زمان يا سلاحي... قلنا: كل شيء للوطن... كل شيء للقضية... زهير هواري

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة