على درب يلتوي بين مخابز الاقدار وبيادر الرحمة ولا يسلكه سوى القاصد، اتخذ ذلك الرجل الذي يشغل بالي وعنه دائماً احدث، مجلساً له على حجر. قصدته البارحة اسامره وأسامر فضولي، وأقطف من كرمه تيناً لدفاتري وعنباً للدواة. وصلت اليه والشمس تغيب، والعصافير تمر به تلقي تحياتها وتذهب. قلت وأنا على بعد مرمى نفس منه: »سلام يا عمي الشيخ«، فالتفت بوجه يبارك سمرته مائة لون ولون وقال: »سلام يا فتى ارحل«، فقلت: »جئت اسرح شعرك وأدهن بالعطر مكاناً يفترض ان تنبت عليه لحية وأسألك سؤالاً، فقال اجلس ولا تزعج الطيور. جلست انظر الى وجه لامع كنحاس قديم، وشعره منسدل موفور البياض، وبعد ان شملني حزنه المنبعث من عينيه، تشاغلت بالعطر وسألته: »من انت يا سيدي؟« فقال: »انا انت«. فقلت: »لكنك تكبرني بدهر ونيف من السنين. فلم يجب الا بتعابير ملأت ملامحه وكادت تبوح بالسر. ثم قطعت في الصمت اشواطاً وقلت له: »انك تشبه النساك في الصوامع، بحق سرك من اين انت؟؟ فقال بصوت اوله حشرجة: جئت من سماء عليا احمل رسالة للارض. هبطت مع رحمة ملاك وعناية آخر. كانت رسالتي كتلك المزامير الحبيبة التي ينطرح القاها في الاذن شجياً مباركاً، وكل جوهر الرسالة رحمة. فقلت له: »انك مبشر من السماء، فهل في السماء رحمة؟؟« فقال: »اجل، وهل لديك شك!؟. وتابع يقول: كانت رسالتي تحتاج لسيدة. سيدة تحل طلاسمها، على ان تكون ملكة لا تنحني، وعلى ان اجدها قبل نشر الرسالة حتى لو بحثت في كل اصقاع الارض، لكني وقعت في الخواء عوض الوقوع في الخابية.. ولكن يا سيدي، الم يرشدك مرسلك؟! تجاهل سؤالي وتابع الحديث... في ذاك اليوم الشتائي المشمس، هبطت على سطح بيت في قرية لا اعرف اسمها، وكان أهل ذاك البيت يسمعون السماء بكاءهم حتى انهم ابكوا ملائكتي الحافظة، وكان يوم هبوطي على سطحهم يوم احد، وفي الارض يعتبرونه يوماً للترويح عن النفس. في ذاك الاحد، كان الشجر يبكي، وحرارة الشمس تتجاهل الشتاء، كأنها نفس حار من عمق صدر الارض... عجباً كان ذاك اليوم! فمن شدة ما رأيت من اهوال ولشدة ما سمعت من اقوال ظننت بأني وقعت في موقع خطأ، وخلت اني على سطح معبد في ارض لا يعرفون الله فيها. لم يمض وقت كثير حتى سمعت تراتيل محمدية، ورأيت اربع كباراً واجمين يلبسون الاسود وعلى صدورهم صلبان ذهبية. قلت في نفسي عظم شأن هذا المعبد؛ كأن كل من ادان بدين يصلي فيه.. لكني سرقت كلمة من هنا ونظرة من هناك فأدركت اني على سطح بيت طيب كطيب المعابد، وكل الحشد في وداع سيدته السيدة. لم ادر كم مضى من الوقت وأنا مختبئ اختلس النظر، الى ان خرجت النسوة يحملن صورة السيدة وينثرون الطيب والنحيب. هالني الحدث فأوقعت اسفاري وتركت الرسالة تذهب في الهواء هباء... لقد كانوا يشيعون السيدة ضالتي.. صورتها كانت تضج بالحياة؛ ليلية الشعر تصبغه الرحمة، ناصعة الجبين فيه بعض من نبوة، خضراء العينين وفيهما كل الحلم.. لها بسمة لو كانت خارج الصورة لحلت كل طلاسم رسالتي. لقد ثُكلت وامتلأت حزناً وشعرت بأني انقسم الى اثنين، وبقيت على السطح هناك، بعين واحدة وشفة واحدة، وكذلك رئة واحدة ويد... اما الباقي فقد ذهب في موكب السيدة وفي النعش معها. وحين خرج الناس كلهم وراء النعش كان نصفي يشيع نصفي. بعد مراسم الدفن، رفعت عن الارض الورقة الاخيرة من رسالتي، كانت الريح قد اوصلتها قبلي الى هناك، ووجدتها محلولة الطلاسم، مكتوب عليها: »ابق للابد في الارض وابك ما شئت عليها، فكل الملكات بعدها تنحني«. الهذا يا سيدي انت هنا.. لما لا تعود الى السماء؟! فقال: »انا قد خارت قواي، وما من قوة تستطيع ان تدني السماء لي لاصلها، وأعتقد ان الله يحل مشكلة ما على حسابي. كم انت رهيب يا سيد، وكم يحتاج كلامك للشرح ولكن هل استطيع ان اقدم لك العزاء؟ فقال: »بل لك مني الف عزاء«. قمت لاصافحه وأنصرف، فوجدت يمناي تصافح يسراي وما من شيخ يشهد. حسين ياسين حاريصي