تسارعت امس مسألة فرار نصف اسرة الرئيس العراقي صدام حسين الى الاردن، اذ أُعلن ان عسكريين اميركيين بدأوا لقاءات مع ابرز الفارين الفريق حسين كامل المجيد، فيما دخلت اسرائيل على الخط بالاشارة الى انها لن تتساهل ازاء اي »اعتداء عراقي« على الاردن، وكشفت عمان سقف قرارها منح اللجوء السياسي للفارين بالقول انه يصب في اتجاه »احداث تغيير في العراق من شأنه وضع حد لمعاناة هذا الشعب الذي تحمل الكثير بسبب قيادته«. ومن شأن المواقف الثلاثة، الاردني والاميركي والاسرائيلي، ان تفضي وفقù للتطورات الاخيرة، الى خطة ل»خنق« العراق عبر اغلاق منفذه الوحيد الى العالم الخارجي (الحدود البرية مع الاردن) وسد الفجوة الكردية التي تنفذ منها بغداد الى الحدود الشمالية، وقد تكون الذريعة اي رد فعل من قبل العراق، بدأت واشنطن بالترويج له عبر تحذيرها من تحركات عسكرية عراقية غير عادية، وهو ما نفته بغداد. وفيما لم تتضح بعد الأبعاد الحقيقية لحدث الانشقاق الذي وفر »صيدù مهمù للمعلومات« عن الاوضاع الداخلية الدقيقة لنظام صدام، بدت بغداد في موقف محرج للغاية ازاء خيبة معنوية، وعائلية، بهذا الحجم، فاختارت تقليل شأن المنشقين باعتبارهم خونة وأشبه بيهوذا لكن من دون ضرر كالذي احدثته خيانة هذا الاخير. وحاولت بغداد اظهار ان لا تأثير داخليù للانشقاق برغم تقارير للمعارضة العراقية تحدثت عن بدء السلطات العراقية حملة على مؤيدي صهري صدام حسين، الفريق اول حسين كامل المجيد وشقيقه المقدم صدام كامل المجيد، وسط حالة »من الفوضى والارتباك انتشرت بين افراد الجيش والشعب، وخاصة في العاصمة بغداد«. فقد ذكر مصدر اردني مسؤول ان عمان »مع اية تطورات يمكن ان تساعد الشعب العراقي على الخروج من مأزقه«. وقال هذا المصدر ان قرار الاردن استقبال »الرجل الثاني في العراق« يصب في هذا الاتجاه، اذ ان »الشعب العراقي عانى بما فيه الكفاية وآن الاوان لإحداث تغيير في العراق.. الذي تحمل الكثير بسبب قيادته«. وقللت مصادر اردنية رسمية من احتمال قيام بغداد بردة فعل انتقامية عنيفة ضد الاردن. وقال مصدر ان »الرئيس العراقي يعرف متى يمكن الانحناء امام العاصفة«. بل ان هذا المصدر رأى فرصة لصدام للاستفادة من »هذه الازمة من اجل اعادة تنظيم قيادته بإبعاد افراد من عائلته وهو اجراء لا يمكن الا ان يجد شعبية في العراق«. وفيما تركزت الانظار على حساب حجم خسارة بغداد، سارعت عمان الى استغلال التطور لتكسب من جهة علاقاتها مع الخليجيين. فقد ذكرت صحيفة »الدستور« الاردنية امس ان وزير الخارجية عبد الكريم الكباريتي سيتوجه الى السعودية في الايام القليلة المقبلة حاملا رسالة خطية من الملك حسين الى نظيره السعودي الملك فهد، تتعلق »بالتطورات الايجابية الاخيرة التي حدثت على العلاقات بين عمان والرياض والعمل على تصفية تركة حرب الخليج«. وكان الفريق اول حسين كامل وشقيقه العقيد صدام وزوجتاهما رغدا ورنا (ابنتا الرئيس العراقي) واولادهم اضافة الى ابن عمه الرائد عز الدين محمد حسن وافراد عائلاتهم وبعض مرافقيهم (نحو 30 بالاجمال) فروا من العراق يوم الثلاثاء الماضي. الى ذلك، وصف مسؤول اردني رفيع المستوى اللقاء الذي تم بين الملك حسين وابن صدام حسين، عدي امس الاول، ورفض فيه الملك اعادة المنشقين، بأنه »كان مهذبù لكن خيم عليه التوتر«. وقال المسؤول الذي طلب عدم نشر اسمه: »في الاجتماع القصير مع الملك حسين قال عدي ومرافقوه انهم جاؤوا في مهمة محددة هي العودة الى بغداد مع جميع العراقيين الذين لجأوا الى الاردن«. اضاف المسؤول »وعندما رفض الملك حسين هذا الطلب قائلا انها رغبتهم بالبقاء هنا، اصروا بشدة على العودة مع ابنتي صدام«. ووصف المسؤول الاجتماع، الذي استغرق عشر دقائق، بأنه كان مهذبù لكن خيم عليه التوتر. وحضر هذا الاجتماع كبار مسؤولي القصر وعدي وعلي حسن المجيد مستشار صدام والسفير العراقي لدى الاردن نوري الويس. وقال مسؤول اخر ان الضيوف »كانوا في غاية الدبلوماسية في عرض قضيتهم«. اضاف المسؤول »وبعد عرض قضيتهم وسماع الرد تناولوا بوجه خاص مسألة ابنتي صدام قائلين انهما ربما لم تغادرا البلاد برغبتهما لكنهما اجبرتا على ذلك بواسطة زوجيهما«. وقال مسؤولون آخرون ان عدي طلب رؤية شقيقتيه، لكنهما رفضا لقاءه. واشنطن تتصل بالمنشقين واكد مصدر دبلوماسي غربي في عمان ان عسكريين اميركيين رفيعي المستوى وصلوا الى العاصمة الاردنية امس، وعقدوا »لقاءً غير رسمي« مع الفريق حسين كامل. وقال المصدر ان العسكريين الاميركيين وحسين كامل »ما زالوا في مرحلة المفاوضات الاولية ازاء المعلومات التي يمكن ان يكشف عنها حول برنامج التسلح العراقي، خاصة الجرثومي والكيميائي«. وأشار الى ان »المباحثات لم تبدأ بعد، ومن المقرر ان تعقد خلال الساعات الاربع والعشرين المقبلة«. واكد المصدر ان »لقاءات عدة ستعقد بين الجانبين في عمان، اذ ان الولايات المتحدة مهتمة جدù بالمعلومات التي يمكن ان يقدمها« حسين كامل. ولعل واشنطن مهتمة بالقدر نفسه بمعرفة مدى الصراع داخل الحلقة الضيقة المحيطة بالرئيس العراقي. وقال مسؤول في السلفارة الاميركية في عمان، اشترط السرية، ان »الحكومة الاميركية مهتمة بحقيقة انهم انشقوا، وهو ما نراه خطوة رئيسية.. الاكثر اهمية منذ حرب الخليج«. وكانت مصادر في واشنطن قد اعتبرت امس الاول ان ابرز ما يقلق الحكومة العراقية، هو حصول الاميركيين على معلومات من المنشقين. وقات المصادر ان الهدف الاساس لزيارة عدي الى الاردن كان اقناع الملك حسين بمنع الاميركيين من لقاء المنشقين. موقف اسرائيلي واكد خبير اسرائيلي بارز امس ان اسرائيل لن تتساهل ازاء اي »اعتداء عراقي على الاردن«. وقال رئيس قسم تاريخ الشرق الاوسط في جامعة حيفا اماتزيا بارام ان اسرائيل لن تتساهل مع هجوم كهذا وسنكون على الصعيد العسكري على اهبة الاستعداد كي لا يرتكب صدام حسين حماقة كهذه«. اضاف بارام ان »هذا الفرار يشكل الضربة الاقسى للنظام العراقي منذ حرب الخليج في العام 1991 ولا نستطيع ان نعرف ما اذا كانت ضربة قاتلة«. واعتبر ان النخبة في العراق استخلصت العبرة انه سيكون من المستحيل رفع الحظر الذي تفرضه الأمم المتحدة على العراق ما دام صدام حسين في منصبه. واضاف ان حسين كامل »يستطيع ان يعطي معلومات من مصادرها الرئيسية عن برنامج الاسلحة العراقي وهذا الامر قد يسهل رفع الحظر عن بغداد«. واوضح بارام ان الرئيس العراقي لن يقطع الجسور مع الاردن على الرغم من الازمة لانه »بحاجة للملك حسين والملك بحاجة لصدام«. واعتبرت صحيفة »هآرتس« الاسرائيلية امس ان فرار حسين كامل سيعزز اكثر موقف عدي. موقف بغداد اتهم صدام حسين مساء امس صهره حسين كامل بأنه »سرق بضعة ملايين من الدولارات من الشعب العراقي«. وقال الرئيس العراقي في رسالة موجهة الى الشعب بث نصها التلفزيون ونشرتها وكالة الانباء العراقية: »لقد خان حسين كامل وهو القريب منا، ولكن لن يكون في تأثيره كما كان تأثير يهوذا«. واتهم الوزير السابق بأنه »سرق بضعة ملايين من دولارات ثروة الشعب« عن طريق الشركات الوهمية. وكانت هذه الشركات قد ظهرت في مطلع السنة الحالية في العراق حيث جمعت الاموال من الافراد واعدة بإعطائهم فوائد تصل الى 25 في المئة، وقد حظرتها الدولة بعد شهور قليلة من ظهورها لكن بعد ان ادت الى افلاس عدد كبير من المدخرين. اضاف الرئيس العراقي »لن يكون السارقون لشعبهم والخائنون غير طريدي مرتسم ظلالهم على الارض وخيالهم المريض (...) ومنظمة الانتربول عندما يعمل القانون على سياق معانيه التي تأسس من اجلها بعد ان يكون قد تحرر من تأثيرات ونفوذ هوى المتسلطين عليه«. وقال ان الاولى بالفريق حسين كامل »لو اراد ان يظهر جانبù مما وقع فيه ان يموت ولا يحيا حياة الذل«. واكد انه من حق الشعب ان يعرف الحقيقة ولكنه اكد من جهة اخرى انه لا يعرف الاسباب الدقيقة لخيانة حسين كامل. واشار الى ان بعض اسباب الخيانة »الغيرة والحسد والقلق والخيال المريض وبعضها سببه غرور فارغ قاتل لئيم« مضيفا »ولكننا نجد ان العوامل المشتركة التي يكون بعدها الانحدار هي اهتزاز الشخصية وعدم توازنها عندما يطعنها الطمع ويتمكن منها الغرور«. وختم الرئيس العراقي قائلا ان حسين كامل »سيجد بعد حين ان اوامر الاجانب او ذيولهم الخائبة عندما يصدرونها اليه انما يصدرونها له ليطيع ويقولون له ليقبل بلا نقاش او حق رفض (...) وقد يتذكر عند ذلك بعد ان لا يكون ما يتذكره ذا فائدة كيف كنا نعامله ونتعامل معه«. وقبل بث كلمة صدام، كان نائب رئيس الوزراء طارق عزيز قد اعلن ان حسين كامل اصبح »خائنù فقد وزنه كليù« وان »اي تأويلات تربط بين هروبه وبين الاوضاع في البلاد هي مجرد اوهام او استنتاجات خاطئة لا وزن لها«. وقال عزيز: »اذا كان اقرباء للرئيس و اعضاء في الحزب (الحاكم) يقدمون خدمات جيدة للبلاد فإنهم موضع تقدير واحترام. أما عندما ينحرف احدهم او يخون بلاده كما فعل حسين كامل، فإنه يفقد وزنه كليù، ولا يغير ذلك شيئù في اوضاع البلاد«. أضاف ان »من السخف ان قائدا مثل الرئىس صدام حسين يستمد قوته في قيادة البلاد من شخص كهذا«. واشار عزيز الى ان فرار حسين كامل الذي كان يتولى »المسؤولية الادارية لبرنامج التصنيع العسكري« لن يؤثر على العلاقات بين بغداد واللجنة الدولية الخاصة المكلفة بنزع الاسلحة العراقية. وقال: »كنت وما ازال امثل القيادة السياسية في ادارة هذه العلاقة«. ايكوس وكان رئيس هذه اللجنة الدولية رالف ايكوس قد وصف فرار حسين كامل بأنه تطور »مهم للغاية« بسبب ما له من تأثير »مهم« على القرارات العسكرية في بغداد. وقال ايكوس في مؤتمر صحافي عقده امس الاول في نيويورك، ان حسين كامل »شخصية مهمة للغاية بتأثيره المهم على برامج اسلحة الدمار الشامل« في العراق. من جهة اخرى، سخر طارق عزيز من »الهلوسة الاميركية حول احتمالات تهديد العراق للاردن بسبب هروب حسين كامل اليه« وقال ان »هذا مجرد هراء« نافيا ان تكون هناك اية تحركات عسكرية غير عادية في العراق، مثلما اعلنت واشنطن امس الاول. وفي اطار محاولة التقليل من شأن حدث الانشقاق، وبالتالي التقليل من مضاعفاته على العلاقات مع الاردن، ذكرت وكالة الأنباء العراقية امس ان صدام بعث برقية تهنئة الى الملك حسين بمناسبة »عيد الجلوس« على العرش. المعارضة العراقية اكد رئيس الاستخبارات العراقية السابق اللواء الركن وفيق السامرائي، الذي انضم الى المعارضة قبل ثمانية شهور ان حالة من البلبلة والارتباك تلف بغداد. وقال السامرائي: »ان المعلومات التي وصلتنا من داخل العراق تشير الى ان الوضع غير طبيعي وان حالة من الفوضى والارتباك انتشرت بين افراد الجيش والشعب وخاصة في العاصمة بغداد«.. واشار الى وجود جو من »الشك وعدم الثقة بين صدام وعائلته وأتباعه، وهذا يخلق الكثير من المتاعب للنظام«. وحث السامرائي الفصائل العراقية المعارضة والدول الإقليمية ودول العالم الاخرى على تشجيع هروب اعضاء السلطة والجيش العراقي والتأكيد أنهم لن يحاكموا لأن ذلك سيؤدي الى ازدياد عدد الفارين. وقال: »انا اعتقد ان العد التنازلي لسقوط صدام بدأ يسير بسرعة اكبر وانه سوف يسقط اذا لم يحصل على دعم خارجي يمكنه من التقاط انفاسه«. اضاف »انا لا اعني بقولي هذا ان النظام سيسقط غدا او الاسبوع المقبل. ان ما اعنيه هو ان هذه التطورات تفتح المجال امام اسقاط النظام«. ولدى سؤاله حول امكانية ايجاد القيادة التي يمكن ان تتسلم الحكم اذا جرى قلب النظام في ظل رؤية بعض المحللين الذين يخشون حصول فراغ في السلطة، قال السامرائي: »انا اعتقد انه في الوقت المناسب ستظهر قيادة واقعية لكي تحكم البلد. وفي الوقت الحاضر، المهم ألا تتعامل المنطقة بما حصل من زاوية سلبية«. وكان السامرائي المقيم في دمشق، قد اعلن امس الاول انه اتصل هاتفيا بحسين كامل الذي ابلغه بأنه يريد الاجتماع بجماعات المعارضة ل»الاتفاق على قلب النظام في بغداد«. وقال السامرائي ان قرارا لم يتخذ بعد من قبل زعماء المعارضة بشأن الاجتماع مع حسين كامل. وذكر مسؤولون اردنيون اشترطوا عدم الكشف عن اسمائهم، ان حسين كامل كان »يجري اتصالات مكثفة مع جماعات معارضة« موجودة في دول عدة. من جهة اخرى، اكد ممثل »المجلس الاعلى للمقاومة الاسلامية في العراق« في لندن حامد البياتي ان »حملة اعتقالات تجري حاليا ضد مؤيدي الرجلين حسين وصدام كامل اللذين فرا من العراق«. ومن دون ذكر ارقام او تفاصيل، قال البياتي: »حدثت بعض المواجهات ووقعت حوادث اطلاق نار عدة خلال هذه الحملة«. ولم يرد تأكيد لهذا الكلام من جهة اخرى. وعزا البياتي انشقاق حسين كامل وشقيقه الى صراع على السلطة داخل اسرة صدام حسين، بعد ان بدأت المتاعب بقيام عدي وشقيقه قصي بالاستيلاء على مراكز مهمة عدة في السلطة، واخذا »بتصفية جميع مراكز السلطة التي تدعم تقليديا والدهما مثل اخوته غير الاشقاء، وطبان وبرزان وسبعاوي الحسن وابناء عمومته وزوجي ابنتيه«. وقال البياتي ان الصراع اتخذ مسارا نحو الأسوأ في وقت سابق هذا العام واشترك المعسكران في محاولات لقتل اعضاء من الجانب الآخر وعزل صدام حسين اخاه غير الشقيق وابن عمه من مناصب حكومية. اضاف ان اقارب برزان الحسن اصابوا عدي بجروح في الرقبة والمعدة في محاولة اغتيال في آذار الماضي، ونجا وطبان الحسن الذي كان وزيرا للداخلية من محاولة لاغتياله في ايار الماضي رتب لها عدي وعزل صدام حسين وطبان من منصب وزير الداخلية في ذلك الشهر. (رويتر، ا ف ب، ا ب)