As Safir Logo
المصدر:

خالد بكداش:آخر الشيوعيين الكلاسيكيين ترك بصماته على تاريخ سوريا المعاصر والحركة الحزبية العربية

المؤلف: UNKNOWN التاريخ: 1995-07-26 رقم العدد:7142

من الصعب كتابة تاريخ سوريا المعاصر، او منطقة المشرق العربي ككل من دون تركيز الانتباه على دور خالد بكداش، الذي تجاوز دوره في مراحل عدة موقعه كزعيم للحزب الشيوعي السوري، وترك بصماته على الحركة الحزبية في سوريا والمنطقة، كونه حتى وفاته امس الاول اقدم زعيم حزبي عربي، وزعيم اول حزب في المشرق العربي. فطوال حوالى نصف قرن كان بكداش الذي ولد في دمشق في العام 1912 من ابرز السياسيين على الساحة السورية، اضافة الى دوره في تكوين تيار عقائدي سياسي اساسي على المستوى العربي ومستوى المشرق العربي تحديدù. ويعتبر بكداش من اكثر الشخصيات السياسية اثارة للجدال، في ما يتعلق بمواقفه السياسية والعقائدية منذ مرحلة الانتداب الفرنسي وبأسلوبه في قيادة الحزب الشيوعي منذ ان اصبح زعيمù له في العام 1934. وعلى الرغم من انه ركز في تاريخه السياسي على الايديولوجية الاممية، وعلى الرابطة الوطنية السورية، الا ان الكثيرين من منتقديه كانوا يصفونه ب »الاقلاوي«، اي الذي ينحو نحو الاقليات. وكانوا يدعمون هذا الانتقاد بالاشارة الى تركيزه على العلاقة مع مختلف فئات الاكراد السوريين، حتى الاقطاعيين منهم، وبالاشارة الى ان الاكراد بمختلف اتجاهاتهم، وقفوا الى جانبه في معاركه الانتخابية والسياسية، ويربطون ذلك بمعارضته للوحدة العربية. اوقف بكداش للمرة الاولى، من جانب سلطات الانتداب الفرنسي في العام 1931 عندما كان يتزعم النواة السورية في الحزب الشيوعي السوري اللبناني (قبل انقسام الحزب بعد الاستقلال الى حزبين) واتهمته سلطات الانتداب انذاك بالقيام بأنشطة تخريبية. وسجن لمدة 14 شهرù. اوقف مرة ثانية في العام 1933، الا انه نجح في الفرار، وغادر البلاد الى الاتحاد السوفياتي حيث درس الماركسية اللينينية ومكث هناك حتى العام 1936، عندما اتاح له فوز الجبهة الشعبية (التي تضم الاشتراكيين والشيوعيين) في فرنسا العودة الى دمشق. وادى ذلك التطور السياسي على الساحة الفرنسية، الى تطور من نوع آخر على صعيد الحركة الوطنية في سوريا ولبنان، اذ ظهر للمرة الاولى انقسام بين طرفيها الشيوعي والقومي العربي. ففي حين اعتبر الشيوعيون بقيادة بكداش ان وصول الجبهة الشعبية الى الحكم في فرنسا فرصة للمهادنة والتعاون ونيل المطالب سلميù، اصر القوميون على اعتبار ان التغيير السياسي في فرنسا لا يغير في طبيعة الصراع بين الدولة المستعمِرة والبلدان المستعمَرة. وزادت حدة الفرقة ما بين الطرفين عندما تبنى بكداش بعد وصوله الى منصب الامين العام للحزب في العام 1938 وبالاخص في فترة الحرب العالمية الثانية مواقف سياسية دعا فيها، الى تأجيل الصراع ضد الانتداب والتركيز على »مكافحة الفاشية والنازية«، و»دعم الاتحاد السوفياتي« و»الصداقة مع فرنسا الديموقراطية«. الا ان بكداش المتصلب في مواقفه الايديولوجية، سعى دائمù الى سلوك سياسي مرن في العلاقة مع باقي اطراف الحركة الوطنية، فعلى سبيل المثال لم يصل الخلاف ما بين التيار الشيوعي والتيار القومي في الحركة الوطنية السورية الى مستوى الصراع المباشر والقتال، كما جرى على الساحة العراقية على سبيل المثال. وعلى الرغم من الاختلافات حافظ بكداش على علاقات شخصية متينة مع غالبية الاطراف الاخرى. واتجه الجانبان الى التحالف والتنسيق مرارù، وبالاخص في المرحلة الاخيرة من فترة الانتداب، حيث شارك الحزب الشيوعي بفعالية في التحركات من اجل الاستقلال. بعد الاستقلال في العام 1943، واجه بكداش مرحلة صعبة، خاصة وان السلطات، اتخذت اجراءات متصلبة لتقييد العمل الحزبي العقائدي وبالاخص نشاط الحزب الشيوعي، وهو ما دفعه الى التحرك لتعزيز علاقاته الخارجية اذ قام بعد الحرب العالمية الثانية بسلسلة زيارات الى كل من موسكو وعواصم اوروبا الغربية. وكانت تلك الزيارات نواة علاقات وثيقة ربطت ما بين بكداش والاحزاب الشيوعية والاشتراكية في المعسكر الاشتراكي واوروبا الغربية، الى حد انه بات الشخصية الشيوعية الاشهر على المستوى العالمي. وساعد بكداش في اقامة هذه العلاقات ان الحزب الشيوعي نجح في فترة اواخر الثلاثينات واوائل الاربعينات في الانتشار بقوة على الساحتين السورية واللبنانية. الا ان هزيمة الجبهة الشعبية في فرنسا في العام 1939، وتوقيع الاتفاق الالماني الفرنسي ومن ثم حظر نشاط الحزب الشيوعي، شكل ما يشبه الانتكاسة للصعود الشيوعي. واستمر نشاط الحزب الشيوعي وبالتالي حركة بكداش ما بين مد وجزر طوال الفترة من العام 1949 حتى العام 1954، بسبب الانقلابات العسكرية المتلاحقة، وقد دفعه ذلك الى مغادرة سوريا مرارù والاقامة فترات طويلة في الاتحاد السوفياتي وبالاخص في العامين 1952 و1953. وفي الفترة نفسها تعرض الحزب الشيوعي، لانتكاسة شعبية قوية، وبالاخص نتيجة قبول بكداش قرار تقسيم فلسطين. وكان هذا الموقف هو المبرر الذي اتخذته السلطات لحظر نشاط الحزب الشيوعي. وكان التبرير الابرز لموقف بكداش من التقسيم يستند، الى وجود قوى سياسية واشتراكية تقدمية بين اليهود الاسرائيليين، يمكن التعاون معها وحتى تغيير صورة اسرائيل. في العام 1954، وبعد وصول هاشم الاتاسي الى السلطة، فاز بكداش في الانتخابات النيابية، عن الاتحاد الوطني، واصبح اول نائب شيوعي في سوريا بعد ان كان فشل مرتين في العامين 1943 و1947. وانتخب عضوù في لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان، وكان ضمن الوفد النيابي الذي زار تشيكوسلوفاكيا في العام 1955، وهي الزيارة التي ساهمت في بناء العلاقات الاولى بين سوريا والمعسكر الاشتراكي. الا ان بكداش باشر في الفترة نفسها مواجهة سياسية من نوع جديد مع التيار القومي، بعد صعود الحركة القومية، في اعقاب ثورة 23 تموز 1952 في مصر. واتخذ منذ البداية مواقف معادية للتيار الناصري، واعتبره تيارù بورجوازيù، يتعارض مع طموحات وتوجهات الطبقات الكادحة. عارض بكداش الوحدة السورية المصرية (في العام 1958) منذ اعلانها، واعتبرها وصاية مصرية على سوريا. وترك سوريا بعد ان منعت فيها جميع الاحزاب، في فترة الوحدة. ومكث في الاتحاد السوفياتي غالبية الفترة ما بين 1958 و1966، لم يزر خلالها سوريا سوى مرتين في العام 1962 (بعد الانفصال الذي حصل في 28 ايلول 1961) وفي العام 1964 (بعد وصول البعث لاول مرة الى السلطة). ومن المفارقات ان بكداش الماركسي الكلاسيكي تحالف ضد الوحدة المصرية السورية، مع ممثلي البورجوازية السورية، وبالاخص خالد العظم ومع اكرم الحوراني، الذي انشق آنذاك عن حزب البعث وعارض الوحدة. وترافقت عودة بكداش الى سوريا مع وصول الجناح اليساري في حزب البعث الى السلطة في العام 1966. وقد ارتبط الحكم في سوريا منذ ذلك الحين بعلاقات بالغة المتانة مع الاتحاد السوفياتي، واتجه حزب البعث الى تبني »الاشتراكية العملية«، او الماركسية. منذ ذلك الحين تضاءل دور بكداش السياسي واقتصر على دعم الحكم القائم. وبصفته زعيم الحزب الشيوعي من دون منازع، احتكر كافة المسؤوليات في الحزب، وذلك على حساب القيادات الوسطية. اصبح بكداش عضوù في الجبهة القومية التقدمية الحاكمة في سوريا بعد وصول الرئيس حافظ الأسد الى الحكم في العام 1970. في العام 1972، انفجرت الازمة داخل الحزب واتهم بكداش بعبادة الشخصية، وادين لمواقفه من مسألتي الوحدة العربية وفلسطين. تلا ذلك انشقاق في الحزب برغم تدخل الحزب الشيوعي السوفياتي الى جانب بكداش. وفي العام 1974 عاد الى صفوف الحزب (الذي بات يوصف بانه جناح بكداش) بعض الذين خرجوا مثل دانيال نعمة وظهير عبد الصمد وابراهيم بكري. ومع ذلك فقد بقي اكثر من نصف اعضاء الحزب خارجه واسسوا حزبù آخر بقيادة رياض الترك. في تشرين الاول 1985، تعرض الحزب لازمة سياسية جديدة، نجمت اساسù عن رفض بكداش لسياسات غورباتشوف و»البيروسترويكا«، وادت الازمة الى انشقاق قاده الامين العام المساعد يوسف الفيصل، الذي خرج ومعه 14 من اعضاء اللجنة المركزية منهم خمسة من اعضاء المكتب السياسي. وبقي جناح بكداش الذي ضم اربعة من اعضاء المكتب السياسي وسبعة من اعضاء اللجنة المركزية. (»السفير«، المركز العربي للمعلومات)

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة