دمشق علي جمالو لعله مات قبل يوم أمس! مات يوم انشق الحزب الشيوعي السوري. بل مات يوم انفرط عقد الاتحاد السوفياتي. بل يوم اصبحت الشيوعية »فولكلورا« في متاحف الكتب ومذكرات القادة المتقاعدين وهوامش المؤرخين المبشرين بنهاية التاريخ!. من قرية عسال الورد حيث عمل مراقبù فنيù لتعبيد الطرق وسمع لاول مرة بكلمة »شيوعية« الى مقبرة الشيخ خالد النقشبندي في حي ركن الدين عند سفح قاسيون، حيث دفن أمس: مسيرة طويلة من العمل الشاق عنوانها، خالد بكداش!. ولد هذا الرجل في حي ركن الدين في دمشق في العام 1912 لابوين كرديين، تلقى علومه في »مكتب عنبر« مدرسة التجهير الداخلية قبل ان يلتحق بكلية الحقوق السورية التي ستمنعه ظروفه السياسية من الحصول على اجازتها. كان الفتى خالد بكداش قد سمع في »مكتب عنبر« عن »البولشفيك« وروسيا ولينين والفقراء والعمال، وبعد ذلك تعرف على ناصر حدة في قرية عسال الورد ليسمع منه عن فوزي الزعيم وآرائه الشيوعية، وبعدها تعرف على فوزي في دمشق وسمع منه شرحù كافيù عن الحزب الشيوعي الذي اصبح عضوا فيه. على مشارف العام 1931 انهمك خالد بكداش في العمل مع رشاد عيسى وهيكازيو بوياصيان وسيساك تيتاليان اضافة لفوزي الزعيم وناصر حدة في ترتيب المنظمة. وفي حقيقة الامر كانوا هم المنظمة، وكان عليهم اصدار جريدة »المطرقة والمنجل« التي صادرها الفرنسيون واعتقلوا بكداش وعددù من رفاقه. يقول بكداش عن هذه المرحلة: »في هذا البيت المتواضع جرى اول اعتقال للشيوعيين، في هذه الغرفة، كنا خمسة في دمشق، واعتقل الحزب كله، والآن ترون كيف اصبح«. ويضيف: »كان ذلك قبل ستين عاما، كان الرفاق شجعانا في المحكمة التي كان يترأسها فرنسي، هتفوا ضد الاستعمار الفرنسي، طلبوا جلاء الجيوش الاجنبية عن بلادنا... طالبوا بالاستقلال... هذا طريقنا ما زلنا نسير عليه«. (خطاب في دمشق 1990). ومنذ ذلك اليوم جرب خالد بكداش كل انواع السجون والابعاد والاضطهاد وخسارة الرفاق والاصدقاء. في السبعين سنة الماضية كان وحزبه في عين الاعصار، ومنذ اصبح امينا عاما للحزب الشيوعي السوري اللبناني في العام 1937 اتهم بشتى التهم. قيل انه ضد الدين الاسلامي، وضد الوحدة العربية، وضد القيم الشرقية، المحافظة. وانه يريد اشاعة النساء، وزواج الاخ من اخته، وقيل ايضا انه ضد وحدة مصر وسوريا، واكثر ما قيل انه »كردي يكره العروبة«. لكنه عندما وصل الى مقعده تحت قبة »البرلمان السوري« في العام 1954 صار البرلمان »فرجة« للدمشقيين الذين ذهبوا اليه لرؤية هذا الشيوعي وهو يدافع عن حقوق الفقراء والكادحين بصدق وشجاعة. يروي بكداش في اجواء هذه المرحلة، للمؤلف السوري عماد نداف صاحب كتاب »خالد بكداش يتحدث«: »خلال وجودي في البرلمان التقيت مع جمال عبد الناصر، ففي تلك الاثناء ايده حزبنا تأييدù واسعù. لقد ذهبت في عداد الوفد البرلماني الذي زار القاهرة، وقد استقبل عبد الناصر كل حزب لوحده. على هذا الاساس استقبلني في بيته، ودار حديث بيني وبينه ايدت مواقفه ضد الاستعمار، وطلبت ديموقراطية اوسع. كان جمال عبد الناصر يقول انه »يثق بخالدين في الشرق الاوسط خالد محي الدين وخالد بكداش«. ويضيف، لكن خلال الوحدة قاسينا ما قاسيناه!. تخفيت مدة (عدة شهور) وعند اعلان الوحدة، ذهبت سرù الى تشيكوسلوفاكيا، ثم عدت بعد تطمينات من الضباط، ثم تخفيت ثانية بعدما اتهم عبد الناصر الشيوعيين بأنهم عملاء«. ولم يكن حال بكداش بعد الانفصال بأحسن مما كان عليه ايام الوحدة، فقد علق له رئيس هيئة اركان الجيش السوري آنذاك عبد الكريم زهر الدين حبل المشنقة بانتظار ان يأتي من براغ، لكنه ظل يتخفى حتى تسلم البعثيون السلطة في سوريا في العام 1963. ومع وصول التيار العلمي من البعثيين الى السلطة في سوريا في العام 1970 بدأ الحوار جديا بين مختلف التيارات السياسية السورية برعاية مباشرة من الرئيس حافظ الاسد لينبثق عن هذا الحوار تحالف خمسة احزاب مع البعث ومنظمات شعبية ونقابية رديفة له. اطلق عليه اسم »الجبهة الوطنية التقدمية«. وبدءا من هذه المحطة، يمكن القول ان خالد بكداش عرف الاستقرار للمرة الاولى في حياته الحزبية التي مضى عليها يوم ذاك اربعون سنة. يقول بكداش عن تلك المرحلة: »بدأت علاقتنا بالرئيس حافظ الاسد منذ كان وزيرا للدفاع، التقيت معه في بيته، وتحدثنا في امور مختلفة وجدت ان بيننا الكثير من نقاط الالتقاء، ومنذ تلك الايام استمرت تلك العلاقة«. ويضيف »وبدون شك، برهن الرئيس الاسد عمليù على انه وطني ورجل دولة قادر وكفؤ وينبغي ان اقول: ان قيام الجبهة الوطنية التقدمية كان بمبادرة شخصية منه. لقد لقي صعوبات كثيرة في هذا المجال، كانت المشكلة الكبرى اقناع الآخرين بقيام الجبهة، حتى داخل حزب البعث! كان حافظ الاسد رجلا ونحن دائما نردد ان الجبهة الوطنية قامت بمبادرة منه«. قلنا انه عرف الاستقرار، من جهة علاقته بالسلطة ومشاركته فيها، لكن كانت تنتظره احداث اخرى داخل حزبه اقل ما يقال فيها انها دراماتيكية. لقد انقسم حزبه مرات عديدة، ويمكن رسم تشعباته في فترة من الفترات على النحو الآتي: خمسة احزاب شيوعية هي: 1 الحزب الشيوعي السوري (البيت القديم). 2 الحزب الشيوعي السوري (المكتب السياسي جماعة رياض الترك). 3 الحزب الشيوعي السوري (منظمات القاعدة مراد يوسف). 4 اللجنة المؤقتة في سبيل وحدة الحزب الشيوعي السوري (بدر الدين السباعي). 5 حركة اتحاد الشيوعيين في سوريا (يوسف نمر). ثم شهد هذا الحزب/الاحزاب حالات تحول ودمج ذوبان وتعويم غابت اسماء وظهرت اسماء جديدة الى ان اعترفت السلطة في سوريا بحزبين شيوعيين، احدهما بزعامة خالد بكداش والآخر بزعامة يوسف فيصل. والطريف ان خالد بكداش والفيصل يجلسان على طاولة واحدة في اجتماعات الجبهة الوطنية التقدمية. على اساس ان كلا منهما يترأس حزبا مستقلا، ومنذ ذلك التاريخ اصبح للحزبين ممثلان في الحكومة ومجلس الشعب ومجالس المحافظات (المكاتب التنفيذية) وفروع الجبهة التقدمية. *** أمس خرج خالد بكداش من دارته في حي ركن الدين الى المسجد للمرة الاولى... المرة الاخيرة. وخرج معه اعضاء المكتبين السياسيين للحزبين الشيوعيين والاعضاء القدامى والجدد المنشقون او المنضوون تحت لوائه. قالوا له كلاما لم يسمعه. وانتظروا منه اجوبة لن تأتي! كان هذا اجتماعا فريدا للشيوعيين السوريين في ساحة مسجد حمو ليلى في ركن الدين. رحم ا" خالد بكداش!. يوسف فيصل اتصلت »السفير« بحليف خالد بكداش القديم، وخصمه العتيد الامين العام للحزب الشيوعي الموحد يوسف الفيصل. وسألته ماذا يقول اليوم في خالد بكداش، فأجاب: أنا اقول اننا فقدنا رفيقا كبيرù عزيزù لعب دورù مهما جدا في تاريخ سوريا. وقد عملنا عشرات السنين، عشنا سوية. وكنا اخوة ورفاقا. والآن نفتقد هذا الرفيق العزيز. وبصرف النظر عن كل ما يقال عن الخلاف بيننا. اقف خاشعا في ساعة الالم هذه. امام ذكرى رفيقي خالد بكداش. { انتم تقولون، بوحدة الحزب هل عارض خالد بكداش توحيد الحزبين؟ بصرف النظر عن كل شيء، فقد كان يرغب بوحدة العمل والارادة. وان كانت هذه القضية بقيت موضوع خلاف، وفي المرات التي التقيته فيها خلال انفصال الحزبين كنت اجد نقاط التقاء كثيرة جدا. { ولكنكم، لم تلتقوا؟ هناك صعوبات، ومشكلات نشأت فكريù وسياسيù واتمنى ان يكون هذا المصاب الاليم دافعا للتوحيد. { هل تبارك السلطة في سوريا توحدكم؟ السلطة دائمù وابدù مع التوحيد. وعندما كانت تشعر بأن هناك خلافù كان كبار رجال السياسة في البلاد وعلى رأسهم الرئيس حافظ الاسد يعملون لتوحيد الصفوف. { من تعتقد سيخلفه في زعامة حزبه؟ هذه القضية تخص الرفاق هناك، وهم الآن على ابواب المؤتمر، واتمنى ان تحل بأحسن ما يمكن وفي اطار الانسجام والوحدة الكاملة. { هل للدكتور عمار بكداش فرصة في قيادة هذا الجناح؟ هذا الموضوع لا اخوض فيه لانه قضية داخلية تخص الرفاق هناك وعملهم الداخلي. { غاية السؤال الاستفسار فقط. عندهم خلاف شديد حول هذا الموضوع، حول اكثر من حل، ولو بقي رفيقنا الكبير لكان ممكنا ان تحل القضية، ولكن الآن هذه الامكانية زالت. ولا بد من ايجاد حل. ويوجد اكثر من مرشح. { مثلا؟ عبد الوهاب رشواني، والدكتور عمار بكداش والدكتور قدري جميل، هذه هي الاسماء المطروحة، وقد تحل القضية بأمانة عامة. { كيف؟ بأمانة مشتركة. { تقصد قيادة جماعية؟ اعني ثلاثة رفاق يشكلون امانة ويشكلون قيادة. { هل ثمة انشقاق آخر، داخل جناح بكداش بعد رحيله؟ في هذه الظروف اعتقد انهم سيجدون ما يوحدهم، اما في المستقبل فشيء آخر. دانيال نعمة وسألت »السفير« عضو القيادة المركزية للجبهة الوطنية التقدمية، ممثل جناح يوسف الفيصل، دانيال نعمة عن الراحل خالد بكداش فقال: الجبهة الوطنية التقدمية نعته، وأنا واحد من هذه القيادة. { لو تخرج من الطابع الرسمي لتحدثنا عن الرجل الذي يجمعكم به تاريخ مشترك. نعم، يوجد تاريخ مشترك يمتد لاكثر من خمسين عاما، وهذا الرجل من الخالدين سواء اختلفت معه ام اتفقت. نحن اختلفنا حول قضايا فكرية وسياسية وليس حول القيم. لقد عمل مخلصا في سبيل الاشتراكية، في سبيل الوحدة الوطنية في سوريا، في سبيل حقوق العمال والفلاحين والكادحين. { تقولون بوحدة الحزب. هل كان خالد بكداش يعارض هذا الاتجاه؟ هو كان يملك وجهة نظر في كيفية الوحدة. { كيف كان ينظر اليكم؟ انهم يعتبروننا حزبù آخر من احزاب الجبهة. اشتراكي ديموقراطي ربما ليبرالي. ولكنهم يدعونه الحزب الشيوعي الموحد. { من تتوقع ان يخلف خالد بكداش؟ هذا موضوع يتعلق بقيادة حزبه، ومن تنتخبه القواعد يكون امينù عامù. من البديل سألت »السفير« عماد نداف مؤلف كتاب »خالد بكداش« واحد المقربين منه، واحد المطلعين على انقسامات واتجاهات الشيوعيين السوريين: من بديل خالد بكداش؟! فقال: هذا السؤال سألته لخالد بكداش نفسه، وقلت له: هل يرى في الدكتور عمار بكداش، ابنه، بديلا عنه فيما لو وقع الذي وقع، فاجاب من دون تردد انه سيمتنع عن التصويت. سيستنكف!!... قالها ببساطة، وحماسة في الوقت نفسه لانه لا يريد ان يترك انطباعù معينù لدى صفوف الحزب يوحي بتوصية لابنه في قيادة الحزب بعده. والذي حصل فعلا ان قيادة الحزب الشيوعي شكلت أمس شبه قيادة جماعية طارئة بانتظار انعقاد المؤتمر في الايام المقبلة. ولم يلتفت احد الى موضوع الخلافة الذي ترك حسمه على ما يبدو للمؤتمر. وينبغي القول ان وفاة خالد بكداش هي محطة مهمة ليس في تاريخ الحزب الذي يقوده فحسب، وانما في تاريخ الشيوعيين السوريين جميعا... والسؤال المهم الآن، وبعد رحيل خالد بكداش هو ما مصير وحدة هؤلاء الشيوعيين؟! فاذا كان خالد بكداش قد استطاع تحجيم كل الانقسامات التي حصلت منذ المؤتمر الثالث في العام 1969 (رياض الترك) ومن ثم مراد يوسف ويوسف الفيصل... فان مرحلة ما بعد خالد بكداش ينبغي ان تطرح مسألة الوحدة... او ان مزيدا من الانقسامات ستواجه هذه الفصائل. لقطات من التشييع } قدر مراقبون عدد الذين شاركوا في تشييع خالد بكداش بخمسة آلاف شخص تقدمهم كبار المسؤولين. } تقدم الجنازة عشرات الاكاليل وفي المقدمة اكليل باسم الرئيس حافظ الاسد. } حمل اعضاء من الحزب الشيوعي السوري وسادات حمراء علقت عليها الاوسمة التي حصل عليها خالد بكداش من انحاء العالم. } سجي جثمان خالد بكداش في غرفة بسيطة تصدرها العلم السوري، وغطي جسده بغطاء احمر، فيما كان وجهه مكشوفا وتمكن الالوف من القاء نظرة اخيرة عليه. } تقدم المصلين شيخ جامع حمو ليلى وادى الصلاة معه مئات من المواطنين السوريين. } تولت ثلة من قوى الأمن الداخلي السوري تأمين طريق الجنازة الى مقبرة النقشبندي. } اطلق الشيوعيون المشاركون في الجنازة هتافات الولاء لنهج خالد بكداش واستمرار الشيوعية الماركسية اللينينية في سوريا. } حضرت تشييع خالد بكداش فعاليات فلسطينية واردنية ولبنانية جاؤوا خصيصا لهذا الغرض. } قال شيوعيون زاروا خالد بكداش قبيل وفاته بساعات أمس الأول انه كان بصحة مقبولة، وانه املى رسالة حول النقاشات الدائرة في الحزب عشية المؤتمر. } لوحظ وجود الامين العام للحزب الشيوعي الموحد يوسف الفيصل واعضاء المكتب السياسي في الجنازة. وألقى نائب الرئيس السوري محمد زهير مشارقة كلمة باسم الجبهة الوطنية التقدمية أشاد فيها بمزايا الراحل الوطنية وقال »لقد خسر الوطن بفقدك مناضلاً وطنيù صلبù أمضى حياته في الدفاع عن المبادئ التي آمن بها والأفكار التي اعتنقها«.