As Safir Logo
المصدر:

مناقشة قانونية للحكم على حامد نصر أبو زيد الردة لا تثبيت ألا بيقين

المؤلف: العوا محمد سليم التاريخ: 1995-07-24 رقم العدد:7140

* لم يثر حكم قضائي في تاريخنا الحديث مثل ما اثاره الحكم الصادر في 14/6/1995 من محكمة استئناف القاهرة دائرة الاحوال الشخصية، في الاستئناف رقم 287 لسنة 111 قضائية، من ردود أفعال محلية وعالمية. * والحكم المعني هو حكم بالتفريق بين الاستاذ الدكتور نصر حامد ابو زيد (استاذ الدراسات الاسلامية في قسم اللغة العربية في كلية الآداب بجامعة القاهرة) والسيدة زوجته الدكتورة ابتهال احمد كمال يونس (استاذ بقسم اللغة الفرنسية بالكلية نفسها). * وقد اصدرت الحكم الدائرة الرابعة عشرة الاستئنافية برئاسة المستشار الدكتور فاروق عبد العليم مرسي وعضوية المستشارين نور الدين يوسف ومحمد عزت الشاذلي. وانتهت هذه الهيئة، بعد استعراض مؤلفات اربعة للدكتور نصر حامد ابو زيد هي: نقد الخطاب الديني، مفهوم النص، اهدار السياق في تأويلات الخطاب الديني، الامام الشافعي وتأسيس الايديولوجية الوسطية، وبعد ان نقلت منها اربعة وثلاثين نصاً ضمَّنت حكمها لفظ تسعة وعشرين منها وأشارت الى خمسة بارقام صفحاتها، انتهت من ذلك كله الى ان الدكتور نصر ابو زيد: 1 كذَّب كتاب الله تعالى بإنكار بعض المخلوقات الثابت بالقرآن خلق الله لها مثل العرش والملائكة والجن والشياطين. 2 سخر من بعض آيات القرآن الكريم مثل الآيات المتعلقة بالشياطين والسحر. 3 كذَّب الآيات الدالة على الجنة والنار ومشاهد القيامة ورماها بأنها اسطورية. 4 كذَّب الآيات القرآنية التي تنص على ان القرآن الكريم كتاب الله وتسبغ افضل الصفات عليه فقال انه نص انساني بشري وفهم بشري للوحي. 5 رد (= نفى دلالة) آيات القرآن القاطعة في عمومية رسالة الرسول صلى الله عليه وسلم للناس كافة وعامة. 6 في مجال آيات التشريع والاحكام ذهب الى عدم الالتزام باحكام الله تعالى الواردة فيهما بعامة لانها ترتبط بفترة تاريخية قديمة. وطالب بأن يتجه العقل الى احلال مفاهيم معاصرة اكثر انسانية وتقدماً وأفضل مما ورد بحرفية النصوص. 7 ردَّ السنة النبوية باعتبارها وحياً من عند الله وأصلاً للتشريع بمقولة ان القصد من القول بذلك هو تأليه النبي صلى الله عليه وسلم؛ وبذلك فهو قد أنكر الآيات الواردة في حجية السنة وفي انها وحي من الله تعالى. * وانتهت المحكمة من ذلك كله الى ان ما اتاه الدكتور نصر حامد ابو زيد ليس خروجاً على كتاب الله تعالى وكفراً به فحسب. ولكنه ايضاً خروج على دستور جمهورية مصر العربية في مادته الثانية التي تنص على ان الاسلام دين الدولة، »فالدولة ليست علمانية ولا ملحدة ولا نصرانية، الدولة مسلمة دينها الاسلام...« ثم استطردت المحكمة في بيان مخالفة ما قاله الدكتور نصر حامد ابو زيد من آراء لنص المادة التاسعة من الدستور ولنص المادة السابعة والأربعين منه، ولنصوص قانون العقوبات، وردَّت في هذا السياق على القول بان هذه الآراء التي ذكرتها المحكمة تدخل في باب البحث العلمي والاجتهاد الفقهي بقوله »هذا دفع ظاهر الفساد«. * هذا هو اجمال الحكم، ادلة ومنطقاً، وهو مثير بغير شك، وباعث لجدل بدأ ولم ينته، ولا نظنه سيصل الى مستقره في وقت قريب. * وهو حكم يستحق التعليق يقيناً، من وجهات متعددة، لكننا نقتصر هنا على مناقشة المسائل القانونية التي يثيرها، او اثارها بالفعل، مؤثرين هدوء المنطق القانوني على حدة الخلاف الفكري والسياسي الذي يصبغ الساحة الاعلامية بألوان شديدة القتامة، ويزحمها بافكار بالغة التعصب من جانب معظم المشاركين في مناقشة الحكم الذي اصبح هو القضية!! تقاليد التعامل مع أحكام القضاء * ولا أهمل في سياق هذا التعليق قواعد سبق ان كتبت عنها (الأهرام 15/12/1992) تتضمن التقاليد واجبة الاتباع في تناول الاحكام القضائية: فالقضاة في ممارسة سلطة القضاء لا يجوز تناولهم بالمدح ولا بالقدح، فهم في تجردهم لإحقاق الحق اغنياء عن الثناء ، ومبرؤون من المذمة. والاحكام لا تُتناول بالتعليق الا اذا اصبحت نهائية غير قابلة لاي طعن، ويعلن عليها اهل الاختصاص في حدود العلم القانوني، ووفق اساليبه، وباستخدام مصطلحاته. ودوافع القاضي، وأسلوب إدارته لعمله القضائي، وعقيدته الدينية او السياسية او الفكرية، وبواعثه واتجاهاته الشخصية، كل ذلك مناطق محرمة ليس لأحد ان يقع فيها او يحوم حولها، والا كان كالراعي يحوم حول الحمى (الارض المملوكة للغير) يوشك ان يقع فيه (اي يعتدي على حرمتها ويهدر حمايتها). واحترام هيبة القضاء (السلطة) والقضاة (الأفراد) ضرورة لا مفر منها لاحترام سيادة القانون ورسوخ ميزان العدالة في ايدي قضاة مطمئنين الى حفظ اقدارهم وصون كرامة محاكمهم بين بني وطنهم: رضُوا بالاحكام التي تصدرها المحاكم ام غضبوا لها. التعريض بالقضاء لا يجوز * ولذلك فانني ارى ان التوفيق لم يحالف كتَّاباً تناولوا المحكمة التي اصدرت الحكم فعرَّضوا بها تصريحاً او تلميحاً، ولم يصادف كتَّاباً وصفوا الحكم بانه »فضيحة العصر« ونفوا عنه الصحة القانونية والشرعية قبل ان تعرف اسبابه ويتاح لاحد الاطلاع على اسانيده.!! وسبقوا الزمن فأفتوا على صفحات الصحف بأن الحكم »منقوص لا محالة« ولم يكن طعن امام محكمة النقض قد رفع اصلاً، فضلاً عن انه لا يجوز لاحد ان يقطع غيباً بما سوف تنتهي اية محكمة اليه في نظر قضية معروضة عليها. * وبعض ما ذكرت، وكثير مما لم اذكر، مما قيل وكتب ونشر عن الحكم والمحكمة، يقع تحت طائلة مخالفة المادة (166) من الدستور التي تحظر التدخل في القضايا او في شؤون العدالة، وتحت حكم المادتين (186) و(187) من قانون العقوبات اللتين تعاقبان كل من اخل بمقام قاض او هيبته او سلطته، وكل من نشر امراً من شأنه التأثير في القضاة الذين يناط بهم الفصل في دعوى مطروحة امام اية جهة من جهات القضاء في البلاد او في رجال القضاء او النيابة او الشهود... او التأثير في الرأي العام لمصلحة طرف في الدعوى او ضده، وتضاعف العقوبة اذا كان النشر بقصد احداث التأثير المذكور. * وقد كان جديراً بالجميع ان يراعوا هذه الاعتبارات في تناولهم لهذه القضية، كما يجب عليهم مراعاتها في تناول اي امر يتصل بالقضاء والقضاة. عن دعوى الحسبة * وأول المسائل التي اثارها الحكم في قضية الدكتور نصر حامد ابو زيد هي مسألة مدى حق الافراد الذين لا تربطهم به ولا بزوجته قرابة او مصاهرة او نسب في اقامة مثل هذه الدعوى. وهو ما يعبِّّر عنه القانونيون بضرورة توافر شرطي الصفة والمصلحة في الدعوى، وهما لازمان لقبولها. وقيل في هذا الشأن بعد صدور الحكم ان المحكمة قبلت الدعوى باعتبارها دعوى حسبة على الرغم من ان دعوى الحسبة قد أُلغيت نصوصها بصدور القانون رقم 462 لسنة 1955 بالغاء المحاكم الشرعية. فما هي الحسبة؟ وهل يعرفها نظامنا القانوني؟ وهل ألغاها القانون رقم 462 لسنة 1955؟ * الحسبة في تعريف محكمة النقض في حكمها في الطعن رقم 20 لسنة 34 قضائية بتاريخ 30 مارس 1966، هي: »فعل ما يحتسب (اي يرجى ثوابه) عند الله وفي اصطلاح الفقهاء هي امر بمعروف اذا ظهر تركه ونهي عن منكر اذا ظهر فعله، وهي من فروض الكفاية« (فروض الكفاية واجبات شرعية على مجموع الامة اذا قام بها البعض سقطت عن الجميع، وإن تركها الكل أثموا جميعاً). * وتستطرد محكمة النقض قائلة »دعوى الحسبة تكون فيما هو حق الله او فيما كان حق الله فيه غالباً كالدعوى بإثبات الطلاق البائن وبالتفريق بين زوجين زواجهما فاسد، وجمهور الفقهاء على عدم تقييدها بشرط الإذن او التفويض من ولَّى الأمر«. * ويكون القيام بفرض الكفاية في الحسبة بتعبير محكمة النقض في حكمها المذكور »بالتقدم الى القاضي بالدعوى والشهادة لديه او باستدعاء الى المحتسب او والي المظالم تبليغ »النيابة العامة««. صور للحسبة في القانون المصري * وفي نصوص القوانين المصرية مواضع تدل على أخذ المشرِّع العصري بفكرة الحسبة أي فكرة جواز رفع دعوى امام القضاء لا تكون لرافعها مصلحة شخصية مباشرة في رفعها. فالباب الرابع من الكتاب الاول من قانون المرافعات عنوانه »تدخّل النيابة العامة« وهو يتضمن المواد من 87 الى 96 وبعضها يوجب على النيابة العامة التدخل في بعض الدعاوى، وبعضها يجيز لها ذلك، دون ان تكون هناك مصلحة مباشرة للدولة تقاضي النيابة للدفاع عنها او حق للدولة تقوم النيابة باقتضائه. والقول بان النيابة العامة هنا تمثل المجتمع كله، صحيح، وهو تطبيق مباشر ظاهر لفكرة الواجب الكفائي الذي لو لم تقم به الجماعة اثمت كلها، واذا قام به بعضها سقط الاثم عن الجميع. * والمادة 250 من قانون المرافعات تجيز للنائب العام ولو لم تكن النيابة خصماً في الدعوى ان يطعن بطريق النقض لمصلحة القانون في الاحكام الإنتهائية أياً كانت المحكمة التي أصدرتها. وتمنع الفقرة الاخيرة من هذه المادة ان يفيد الخصوم من طعن النائب العام. وتفتح المادة 252 من القانون ذاته ميعاد الطعن بالنقض امام النائب العام فلا تقيده بزمن معين. * وليس هذا الا اعمالاً صريحاً وصحيحاً ايضاً لفكرة دعوى الحسبة. فالفرض في هذه الحالة ان النيابة ليست خصماً في الدعوى، وليس لها مصلحة قانونية تجيز لها الطعن في الحكم الصادر فيها. ولكن المصلحة العامة التي تتمثل في صيانة القانون من استقرار الخطأ فيه تطبيقاً او تأويلاً أباحت المحظور، وجعلت طعن النائب العام جائزاً، بل وزادت على ذلك أن لم تقيده بالميعاد المقرر للخصوم الاصليين ذوي المصلحة الشخصية المباشرة في الطعن في الحكم، ومنعت افادتهم برغم ثبوت مصلحتهم من طعن النائب العام. * وتمثيل النيابة العامة في دعاوى الاحوال الشخصية واجب بحكم المادة 871 من قانون المرافعات، وهي تبدي رأيها بمذكرة في مسائل القانون المعروضة على المحكمة، ويبطل الحكم الذي لا يتضمن بيان حضور النيابة وابداء رأيها في الدعوى. ويجوز للنيابة الطعن في الأحكام الصادرة في قضايا بطلان الزواج بموجب المادة 901 من قانون المرافعات. ويجوز لها الطعن بالنقض في القرارات الصادرة في مواد الحجر والغيبة والمساعدة القضائية وسلب الولاية او وقفها او الحد منها او ردها واستمرار الولاية او الوصاية والحساب، بمقتضى نص المادة 1025 من قانون المرافعات. * وقبل انشاء نيابة عامة للاحوال الشخصية كانت تختص بمسائل الولاية على المال المجالس الحسبية وفقاً للمرسوم بالقانون الصادر في 13/10/1925. ثم سُمِّيت نيابة الاحوال الشخصية المختصة بالولاية على المال بالنيابة الحسبية، ولا يزال هذا هو اسمها الشائع بين الناس. والمحاكم الشرعية عرفت دعوى الحسبة * ففي احكام المحاكم الشرعية قبل الغائها ان الحسبة »خاصة بالدعاوى القضائية وبالخصومات في حقوق الله تعالى التي يطلب من القاضي الفصل فيها بحكم قضائي في دعوى وخصومة شرعية يكون المحتسب فيها مدَّعياً وشاهداً بما يدَّعيه« (المحكمة العليا الشرعية في حكمها الصادر بجلسة 29/5/1948 منشور بمجلة المحاماة الشرعية السنة 20 العدد 1 3 ص53). * واستقر القضاء الشرعي على أن دعوى التفريق »تُسمع من أي انسان« ويكون المدَّعي فيها مدعياً وشاهداً بما يدعيه. وعلى ان المدعي في دعوى الحسبة لا يطلب حقاً لنفسه. (المستشار أنور العمروسي، اصول المرافعات الشرعية، ط 1979 ص 94 وما بعدها). * فالحسبة دعوى يعرفها النظام القانوني المصري، وتقر محكمة النقض جواز الادعاء بها في مسائل الزواج (كما في حكمها السابق ذكره الصادر في 30/3/1966) وفي مسائل الولاية على المال (كما في حكمها في الطعن رقم 2051 لسنة 51 قضائية الصادر في 30/6/1983). هل أُلغيت دعوى الحسبة؟ * فهل أُلغيت هذه الدعوى بصدور القانون رقم 462 لسنة 1955؟ إن الجواب بالنفي هو وحده الصحيح، فحكماً النقض المشار اليهما كلاهما صادر بعد صدور القانون المذكور. وكلاهما استند في اجازة دعوى الحسبة الى نص المادة 280 من لائحة ترتيب المحاكم الشرعية التي توجب صدور الاحكام، عند عدم وجود نص خاص في المسألة المعروضة على القضاء »وفقاً لأرجح الاقوال من مذهب أبي حنيفة«، وهو ذات السند الذي اتخذه ركيزة لقضائه حكم محكمة الإستئناف في قضية الدكتور نصر حامد ابو زيد. * فالذين ذهبوا الى التنديد بالحكم لانه قال بصحة دعوى الحسبة، والذين زعموا ان النصوص المنظِّمة لها قد أُلغيت تجاوزوا ما قررته محكمة النقض، واستقرت احكامها عليه، من قبول دعوى الحسبة على النحو الذي قبلها به حكم محكمة الاستئناف في قضية الدكتور نصر حامد ابو زيد ترجيحاً للمصلحة العامة المتمثلة في وجوب احترام أحكام الشرع على القاعدة الجزئية التي توجب ان يكون لرافع الدعوى مصلحة شخصية مباشرة فيها. * والذين طالبوا باصدار تشريع يمنع دعوى الحسبة لم يتنبَّهوا الى وجود عشرات النصوص في التشريع المصري، كنصوص قانون المرافعات التي اسلفنا ذكرها، لا قوام لها الا بالاخذ بنظرية الحسبة، والغاؤها هدم لجانب كامل من جوانب نظامنا القانوني، فضلاً عن تعارضه مع نص المادة الثانية من الدستور التي لو صدر قانون مخالف لمبادئ الشريعة في ظلِّها لكان مدموغاً بعدم الدستورية على نحو ما استقرت عليه أحكام المحكمة الدستورية العليا. حرية العقيدة والحكم بالردة * والمسألة الثانية بالغة الاهمية التي يثيرها الحكم بالتفريق للردة الصادر في قضية الدكتور نصر حامد ابو زيد، وهي مسألة مدى تعارض الاحكام التشريعية الخاصة بالردة والمرتدين مع حرية العقيدة المقررة شرعاً، والمنصوص عليها في الدستور والتي يحميها القانون. * لقد إتهم الحكم الصادر بالتفريق بين الدكتور نصر حامد ابو زيد وزوجته بانه يعيد عهد محاكم التفتيش، وبانه يتجاوز القواعد الشرعية المقررة انه لا إكراه في الدين وهي مستمدة من نصوص صريحة من القرآن الكريم نفسه، وبأنه محاكمة للضمائر، وشق عن القلوب وكلاهما غير جائز لا في الشريعة الإسلامية ولا في القانون المصري. * والحقيقة ان مسألة الردة مسألة مغايرة لحرية العقيدة والحق فيها وعدم جواز الإكراه عليها. * فحرية العقيدة تعني حق كل انسان في اعتناق ما شاء من الافكار والمعتقدات ولو خالفت معتقدات الجماعة التي يعيش فيها او ينتمي اليها، او يعتقد صحتها غالبية اعضائها. وسواء أوافقت بعد ذلك معتقدات أقلية منها أم شذت حتى عن معتقدات الأقلية. وهذا الحق مكفول في شريعة الإسلام ولا يجوز لأحد ان ينقِّب عن عقيدة أحد، او حتى يسأله عنها ولو أفضت به هذه العقيدة الى مخالفة الاسلام ما دام اساسها فكراَ شغل عقل صاحبها، وملك عليه قلبه، فأدار وجه النظر فيه مع نفسه، ثم استقر فيه على أمر مخالف لما يعتقده المسلمون وأبقى هذا الامر في وجدانه، لم يدعُ الناس الى اعتقاده، ولم يعالنهم بمخالفة دين الاسلام الذي يدينون به. * وكل ذلك لا يتحقق به شيء مما يبيح تدخل الآخرين في شأن صاحبه ولا يجوز بسببه رفع امره الى القضاء بطريق الحسبة او بغيره من الطرق. * ولكن الإعلان عن الرأي، والدعوة إليه، ومحاولة صرف الناس عن الدين بالشبهات التي تقوم في نفس صاحبه وقد لا تكون قائمة عند سواه وإذاعة هذه الشبهات واشاعتها بين الناس، ودعوتهم الى تبنِّيها، وتصويرها كما لو كانت حقائق (علمية) تصادم حقائق (الدين) او عقائد تنافس عقيدة الاسلام، ومعارضة شرائعه جملة او إنكار صحة بعضها مهما بدا جزئياً، كل اولئك وبعضه تتحقق به حالة متميزة عن حقيقة الاعتقاد ومغايرة لها: هي التعبير المعلن عن العقيدة الخاصة المخالفة لعقيدة الإسلام، وهو ما يتحقق به بعد توافر شروط أخرى وصف الردة. (راجع دراستنا عن الموضوع في اخبار الأدب، عدد 15/8/1993). * وقد عبرت عن ذلك كله محكمة النقض في ايجاز بليغ فقالت ان حكم الردة في شأن التفريق بين الزوجين: »محافظة على حقوق الله وصيانة لها من العبث وهي لا تتصل بحرية العقيدة ولكن بما رتبه الفقهاء عليها اي على التعبير عن العقيدة من آثار« (نقض 30/3/1966). * ولذلك فقد قال الحكم الصادر بالتفريق بين الدكتور نصر ابو زيد وزوجته ان التصدي للردة اذا عرضت على القضاء »لا تعد محاربة لحرية الاعتقاد وانما حماية للاعتقاد من هذه الاهواء الفاسدة العابثة. اما الاعتقاد فيتعلق بديانة الانسان اي بسريرته مع خالقه سبحانه وتعالى وليس للمحاكم ان تتدخل فيه او تفتش عنه« (ص6 من الحكم). * فالحكم انما اقام قضاءه على ما ظهر للمحكمة ان الدكتور نصر ابو زيد يقوله ويعلنه ويكتبه وينشره ويدرسه لطلابه، وقدمه في حوافظ مستنداته امامها من مؤلفاته، وأقربه في مذكراته، من اقوال اعتبرتها المحكمة موجبة لثبوت الردة الظاهرة. ولم تنقب المحكمة عن عقيدة خاصة، ولا فتشت في سريرة، ولا شقت قلب احد. ورميها بذلك كله ظلم لها، وتحميل لحكمها فوق ما يحتمل وذم لقضائها بما ليس فيه. الردة لا تثبت الا بيقين * واذا كان الكلام الظاهر يحتمل وجهاً واحداً من الوجوه التي لا يكفر صاحبها بها فإنه يجب حمل الكلام على هذا الوجه وعدم القضاء بالكفر. هكذا قال الحكم، وقوله صحيح، فالتعامل في القضية كلها لم يجر مع عقيدة وانما جرى مع التعبير المادي الخارجي عنها. وقد عبر الدكتور نصر ابو زيد كما سيأتي عن تأويله لبعض كلامه بما يحتمل وجوهاً غير التي رأتها المحكمة فيه، وهذا امر يجدد المناقضة ويفتح باباً لموقف آخر غير الذي انتهى الحكم اليه. * لكنه لا يعني ان الحكم حاكم شيئاً في قلب الدكتور نصر، انما هو حاكم كلاماً منسوباً اليه لم ينكره ولم يقدم للمحكمة تفسيراً له. * وهكذا يتبين وجه الحق في مسألة حرية العقيدة ومخالفة الحكم لها. حدود حرية التعبير * فهل يظل مقبولاً ان تناقش المحاكم وتحاسب على التعبير عن العقيدة في ظل الدستور المصري الذي يقرر حرية التعبير؟ * ان نص المادة 47 من الدستور الذي يكفل حرية الرأي والتعبير عنها يقيد هذا التعبير بالتزام حدود القانون. فهي ليست حرية مطلقة من القيود بل هي مقيدة فوق قيود اعتبارات النظام العام والآداب بقيد عدم تجاوز حدود القانون. فإذا وقع تجاوز في التعبير عن الرأي بأن خالف مقتضيات النظام العام والآداب، او خالف القانون، فإن الحماية المقررة في المادة 47 من الدستور تنحسر عن هذا التعبير، وتحق المساءلة القضائية عنه مدنياً او جنائياً حسب الاحوال. * واذا كان الحكم قد رأى في تعبير الدكتور نصر ابو زيد عن آرائه مجاوزة لحدود القانون، فإنه في حدود هذا الذي رآه لا يكون محل انتقاد او مستوجباً لطعن، ما دام قضاؤه بذلك واستخلاصه له قد بني على اسباب سائغة في العقل لها من اوراق الدعوى ما يؤيدها.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة