As Safir Logo
المصدر:

الفترة الحرجة."مقاتل من الصحراء"أم جنرال من ورق؟حيرة أمير يبحث عن دور

المؤلف: الريس رياض نجيب التاريخ: 1995-07-24 رقم العدد:7140

رياض نجيب الريّس < يصف الأمير خالد بن سلطان، القائد السابق للقوات المشتركة ومسرح العمليات في حرب الخليج الثانية، نفسه بأنه: «قائد عسكري متقاعد وكاتب ناشئ»(1). وهو وصف لا يخلو من الدقة لأمير يبحث عن دور سياسي في ظل أوضاع بلاده الحالية. هذا ما أكده الكتاب الذي أصدره هذا الشهر (تموز 1995) بعنوان «مقاتل من الصحراء»(ü) بالإنكليزية أولاً ثم بالعربية، والذي وعدتنا جريدته الغراء بأنه سيصدر قريبا بالصينية واليابانية الى جانب الفرنسية والإسبانية والروسية، فضلاً عن لغة الأوردو وغيرها من لغات الشعوب التي حاربت جيوشها في عداد قوات التحالف الدولي الذي تمّ تشكيله في صيف 1990، بعد غزو العراق للكويت، والتي بلغت 37 دولة ـ ما عدا السهو والخطأ. والأمير بالفعل عسكري متقاعد، منذ أن قبل عمه الملك فهد استقالته في 24 أيلول 1991، (وهي كلمة مهذبة للطرد) وسماها الأمير خالد طلبا لإحالته الى التقاعد، اثر خلاف بينهما عندما رفض الملك طلب ابن أخيه تعيينه رئيسا لأركان القوات المسلحة السعودية، وهو منصب يحتله عادة مواطن سعودي من خارج الأسرة المالكة. ويقول خالد انه بعد انتهاء الحرب، التي تولى فيها أعلى المسؤوليات، «كان من غير المقبول ان أعود الى موقعي القديم في المؤسسة العسكرية، بعد أن كنت أتولى أضخم المسؤوليات، فأصبح مرة أخرى، تحت قيادة ضباط كانوا هم أنفسهم بالأمس القريب تحت قيادتي ويأتمرون بأوامري»(2). لكن العارفين بالأمور السعودية يقولون ان ليس هذا هو السبب الحقيقي لخلاف الملك مع ابن أخيه. والأمير بالفعل كاتب ناشئ أيضا، لأنه لم يسبق له أن مارس الكتابة من قبل، لذلك أوكل مهمة تأليف الكتاب الى الكاتب الانكليزي باتريك سيل. والأمير خالد زميل صحافي جديد أيضا، لأنه صاحب جريدة «الحياة» ومجلة «الوسط» الصادرتين في لندن منذ حوالى سبع سنوات. أما باتريك سيل فهو صحافي «مستعرب» عمل في الشرق الأوسط مراسلا لصحيفة «الأوبزرفر» البريطانية في الستينيات وعاش في لبنان سنوات طويلة، واختص بالشؤون السورية. وقد بنى سمعته في كتابه الأول «الصراع على سورية»، وعزز هذه السمعة في كتابه الثاني «سورية الأسد: الصراع على الشرق الأوسط». وسقطت هذه السمعة في كتابه الثالث «أبو نضال: بندقية للإيجار». ولست في صدد تقييم سمعة باتريك سيل الذي يعتبره البريطانيون من الخبراء في شؤون الشرق الأوسط، ولا التحدث عن كتبه. وإنما أنا في صدد التساؤل مع زميله الإنكليزي الآخر مؤلف كتاب «ويلات أمة» عن الحرب الأهلية اللبنانية، روبرت فيسك مراسل جريدة «الإنديبندنت» اللندنية في الشرق الأوسط والمقيم في بيروت طوال سنوات الحرب والى الآن: «كيف تورط باتريك سيل في كتابة هذا الكتاب المريع»(3)؟ كما أن من المجحف في حق باتريك سيل ان أحد الكتّاب السعوديين اعتبر ان خالد بن سلطان هو الذي كتب الكتاب وباتريك سيل هو الذي ترجمه الى اللغة الإنكليزية(4). إن من حق أي شخص أن يستعين بشخص آخر لمساعدته في إعداد كتاب ما (وخاصة إذا كان الأمير خالد كاتبا ناشئا). وهناك تقاليد عريقة في هذا الموضوع، يلجأ إليها الكثير من السياسيين في العالم، لولا أن هذا الكتاب يختلف عن غيره بكونه كتابا يفتقد الى مواصفات الكتب السياسية التحليلية أو التاريخية البحثية، التي بنى باتريك سيل احترافه المهني على أساسها. فلا هو كتاب مذكرات ولا هو سيرة شخصية بالمعنى المتعارف عليه، ولا هو تاريخ لآل سعود ولا هو كتاب عن حرب الخليج ولا هو تحليل لأزمة المنطقة ولا هو كتاب عسكري. هو مجرد كتاب «شخصاني» لأمير يبحث عن دور البطل في حرب، هو نفسه يشكك في نجاحها وجدواها. والجدير بالذكر أن باتريك سيل ينوي إعداد كتاب عن الرئيس رفيق الحريري، لأنه «تابع بإعجاب محاولات الحريري البطولية لوضع لبنان مجددا على طريق الاستقرار والازدهار» (...) هذا إذا سمحت ظروف الرئيس الحريري بإعطائه الوقت اللازم لإجراء المقابلات الضرورية. مع العلم بأن إعداد الكتاب سيستغرق على الأقل سنتين(5). لعل الكاتب الإنكليزي قد استهوته فكرة تأليف كتب للأغنياء، فاستبدل بندقية أبو نضال بقلم للإيجار. <<< لعل السبب المباشر لهذا الكتاب، هو الرد على جملة اعتراضية واحدة وردت في كتاب الجنرال نورمان شوارتزكوف: «لا يحتاج الأمر الى بطل» الصادر في العام 1992، يقول فيها إن الأمير خالد بن سلطان لم يكن قائدا لمسرح العمليات لكفاءته العسكرية، بل لأنه من الأسرة المالكة السعودية، مخوّل بتوقيع الشيكات، مما اضطر الأمير لأن يصرف حوالى ثلاث سنوات (مع باتريك سيل بالطبع) ليرد في كتاب من 492 صفحة من الحجم الكبير: «لقد ظنوا أنني كنت هناك من أجل التوقيع على الشيكات فقط»(6). ولأن بعض الظن إثم فإن الأمير ـ المؤلف يفنّد في سياق كتابه، كيف أوقف عملية تلاعب مالية قامت بها وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) لحمل المملكة على دفع فاتورة بقيمة 9،1 مليار دولار، بدلاً من 760 مليونا. وحسب الأرقام التي يقدمها الأمير خالد في كتابه، فقد دفعت السعودية 10 مليارات دولار لتعزيز وجود قوات التحالف على أراضيها، و14 مليار دولار للخزانة الأميركية، و5،3 مليارات دولار لخزائن دول أخرى كان لها قوات، ومليارات لا تحصى (لا يقدم بها أرقاما) لقاء إطعام وتموين ووقود ومواصلات للجيوش التي جاءت لتدافع عن المملكة ضد صدام حسين. صحيح أن الأمير خالد ينفي أن مهمة الكتاب تنحصر في هذا الرد، إلا أن معظم الكتاب مكرس لتصحيح ما يعتبره الأخير أخطاء ارتكبها الجنرال الأميركي شوارتزكوف، الذي يصفه بأنه من «النوع السريع الضجر» و«المتعجل» و«الحذر إلى حد المبالغة» و«صاحب الفكر الملتبس»، وغيرها من النعوت التي لا ترضي غرور أي جنرال وخاصة إذا كان أميركيا. إلا أنه يعود ليؤكد في حديث له أنه أعطى شوارتزكوف في الكتاب «حقه وزيادة كقائد موهوب قدير». وأن مهمة الكتاب الأساسية «إبراز الدور السعودي في الحرب». يقول: «صحيح أن أميركا قدمت نصف مليون جندي، وما كنا لنستطيع الفوز من دونها. إلا أن الصحيح أيضا أنها ما كانت لتستطيع تحرير الكويت من دوننا»(7). والكتاب ينضح بالتواضع. ومن نماذج هذا «التواضع» قول للأمير إنه «تعذب» كثيرا وشعر «بالوحدة» عندما كان ينام في غرفة في قبو وزارة الدفاع السعودية في الرياض أثناء فترة الحرب، وانه «تأثر عندما قارنه ديبلوماسيون صينيون بهنري كيسنجر وزير الخارجية الأميركية الأسبق أثناء زيارته السرية الى الصين في العام 1986 لشراء صواريخ أرض ـ أرض من طراز «رياح الشرق» لبلاده، بعد أن رفضت الولايات المتحدة تزويدها بصواريخ مماثلة، وكيف نُصح بأن يتنكر على طريقة كيسنجر لتفادي الاستخبارات الغربية في هونغ كونغ. وكيف اعتبر أن دوره هو في «لحم التحالف معا»، وكم شعر بالمقارنة بين موقفه وموقف تشرشل عندما اصطدم الأمير بوزير الدفاع الفرنسي جان بيار شوفينمان عند بداية الحرب، هذا الموقف استهواه لكونه يتسم بـ«الحزم والمرونة» وهما كلمتان شغف بهما الأمير مرة والى الأبد كما يبدو. وكيف احتج عندما رأى أن كرسي شوارتزكوف في غرفة العمليات أكبر من كرسيه، فأمر بكرسي مماثل وأصر على أن يزوره شوارتزكوف في مكتبه لا العكس، حتى لا يُفهم أن الجنرال الأميركي هو الذي يدير العمليات. كذلك أمر بعدد من الحراس الشخصيين مساوٍ للذين كانوا يرافقون شوارتزكوف. وكيف أنه لم يركع (كما هي التقاليد) عندما منحته الملكة اليزابيت وساما، وكيف يتباهى بأنه نال أرفع أوسمة من معظم دول التحالف، «ضربت الرقم القياسي في عددها بالنسبة الى عسكري عربي». ولا ينسى خالد بن سلطان أن يذكّر شوارتزكوف بأنه أمير ليؤكد تعاليه عليه عندما سأله الجنرال الأميركي: «إنني لا أعرف كيف أتعامل معك، كأمير أم كجنرال؟» فيرد الأمير خالد: «ادعني أميرا وجنرالا في الوقت نفسه». ولفت نظري في هذا الكتاب أمر اعتبرت أن له مدلولات سياسية مهمة. إذ يقول الأمير خالد في الفصل العشرين عن معركة الخفجي، انه نظم قوات خليجية لصد الهجوم العراقي، قوامها قوات سعودية وقطرية (من بينها جنود مرتزقة باكستانيون)، في أربع مجموعات قتال سُميت ثلاث منها بأسماء الخلفاء الراشدين ـ أبو بكر وعمر وعثمان ـ والرابعة باسم طارق بن زياد. وتساءلت لماذا لم تسم المجموعة الرابعة باسم الإمام علي؟ أم أن السعودية لا تعترف بعلي بن أبي طالب كرابع الخلفاء الراشدين، أو أنها خافت أن تنجح كتيبة علي حيث تفشل الكتائب الثلاث الأخرى، فيهلل لها الشيعة في المنطقة الشرقية مثلا ويعتبرون انتصارها انتصارا لهم، فيختل شيء من التوازن السياسي في المملكة؟ وبالفعل، كما يقول الكتاب، أسندت الى مجموعة طارق بن زياد في معركة الخفجي مهمة الدفاع عن ساحل الخليج، من رأس مشعاب شمالا، حتى رأس السفانية جنوبا، وكان دورها أساسيا وحاسما في صد الهجوم العراقي. وشعرت بحكمة الأمير إذ غض النظر عن أن يسميها كتيبة يزيد بن معاوية! <<< من الأمور الأخرى اللافتة للنظر في هذا الكتاب، أن ريع حقوق النشر تعود الى «صندوق أطفال البوسنة». وهذا هدف نبيل بحد ذاته. وهنا يحق لأي عربي أن يتساءل لماذا لم يهد الأمير ـ المؤلف ريع كتابه الى أطفال العراق، الذين قُتل أهاليهم في حرب كان هو قائدها، غالبيتهم جياع ومرضى في بلد محاصر نتيجة لـ«عاصفة الصحراء»، التي أبلى فيها الأمير، حسب كتابه، البلاء الحسن؟ ألم يكن من الأليق لو أن ريع هذا الكتاب، وما أنفق على الإعلان والدعاية والعلاقات العامة والترجمة، قد أعطي لهؤلاء الأطفال، مما كان يكفي لسد جزء من حاجاتهم؟ أوَليس لو تم هذا الأمر لكان أكثر انسجاما مع آراء الأمير ـ المؤلف حول العراق التي جاءت في الكتاب، وما بعده من لقاءات ومحاضرات؟ أم أن هذا يشكل خرقا لوحدة الصف بين آل سعود المتمسكين بلسان مليكهم، بحصار العراق شعبا وحكومة، أو يناقض المبادئ التي ذكرها في كتابه عن ضرورة الالتزام برأي كبير العائلة؟ أم لعل تحفّظ الأمير ـ المؤلف من إهداء ريع الكتاب الى أطفال العراق (أو ربما الى أطفال الصومال أو فلسطين أو السودان) يعود الى حذره من أن يُساء فهم هذا الأمر من قبل الأميركيين والبريطانيين تحديدا، وأن عواطفه الحقيقية كانت ضد الحرب مع العراق، ولو كان قائد القوات المشتركة التي أعدت لهذه الحرب. وبالتالي تضعف من صدقيته تجاه الغرب، الذي يحتاج إليه الى جانبه في دعم أي طموحات في اتجاه السلطة يمكن أن تكون له في المستقبل؟ ألم يقل إن الحرب كانت ضد صدام حسين ولم تكن ضد الشعب العراقي، وإنه يتمنى أن «يلعب أحفادي يوما ما مع أحفاد العراقيين ويعيشون وإياهم بوئام وسلام»؟ لماذا لا يكون ريع هذا الكتاب بشكل هدايا وألعاب الى الأحفاد العراقيين ليلعبوا مع أحفاده السعوديين من غير موقع العوز والذل؟(8). أم أن الأخير خالد في خطوته هذه يريد أن يعوّض عن تقصير بلاده تجاه البوسنة، بلدا وشعبا وأطفالا ونساء ورجالا؟ لأن الكثير من المسلمين يتساءلون اليوم عن حقيقة دور السعودية في أكبر مجزرة يتعرض لها المسلمون في أوروبا منذ قيام الأمبراطورية العثمانية وحتى سقوطها. وماذا قدمت السعودية للبوسنة وأين المساعدات التي أعطتها من مال وغذاء ودواء وسلاح؟ لماذا لم تعلن «الجهاد» ضد الصرب المعتدين كما أعلنته ضد السوفيات الملحدين في أفغانستان؟ أم أن مسلمي أفغانستان هم مسلمون «درجة أولى» ومسلمي البوسنة درجة ثانية؟ أو أن التصريحات المؤيدة للبوسنيين والشاجبة للصربيين من المنابر الإسلامية والعربية والدولية المتعددة لا تكفي وحدها، فجاء الأمير خالد ليسد العجز السعودي بريع كتابه؟ ليس المهم الإجابة عن هذه الأسئلة بالذات. المهم طرحها. <<< ويبدو أن موضوع البوسنة مستأثر باهتمامات الأمير ـ المؤلف الى درجة أنه انتقد في محاضرة له(9) «التردد الكبير» الذي تبديه الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا ودول أخرى في حلف الأطلسي في عدم الزج بقوات لها على الأرض البوسنية، لأنه لا توجد مصلحة قومية أميركية (أو غربية) مهددة في النزاع البوسني، مما قيّد مهمات قوات الأطلسي. وهذا ما جعله يتساءل: «كيف يمكن لنا أن نتأكد من الدعم الغربي عندما نواجه تهديدا في المرة المقبلة؟ (...) مع العلم بأننا، بلا جدال، نتوقع الحصول على مساعدة أميركية مرة أخرى إذا كان هناك خطر حقيقي يهدد النفط (...) ولكن كيف سيكون الأمر إذا لم تكن هناك مصالح أميركية حيوية معرضة للخطر؟ ماذا سيكون الموقف حينها؟». إن عدم الثقة الذي يبديه خالد بن سلطان تجاه مواقف الولايات المتحدة و«المزاج المتغير» الذي تعيشه واشنطن في هذه المرحلة يؤكد نوعا من التراجع الأميركي أو «الانطواء» عن مشاكل العالم. مما يدفعه الى القول بضرورة رفع الكفاءة القتالية «لقواتنا المسلحة»، مع التحذير من الاكتفاء بشراء الأسلحة المتطورة، لأن التجربة في الشرق الأوسط «تعلّمنا أن الأسلحة المتطورة لا تعدو أكثر من لعب أطفال باهظة الثمن ما لم يجرِ استيعابها ضمن تكتيكات قواتها وتدريبها». ومن الواضح أن موقف الأمير خالد من هذا الموضوع، هو مغاير تماما لموقف بلاده من اقتناء السلاح وتكديسه بأثمان باهظة من الولايات المتحدة، دون أن يكون لدى السعودية القدرة على استيعابه، ولا القدرة على شرائه ودفع ثمنه اليوم كما كانت في الماضي. وهو بالتحديد يختط سياسة مختلفة تماما عن السياسة التي تتبعها وزارة الدفاع السعودية، التي يتولاها والده الأمير سلطان. إذا كانت حرب الخليج الثانية، هي «أم المعارك» بالنسبة الى صدام حسين، فهي «أبو النصر» بالنسبة الى خالد بن سلطان، حسب تعبير جريدة «الفايننشال تايمز» اللندنية، التي عادت وأكدت أن لهذا النصر آباء كثيرين. وليس مهماً الاختلاف الآن على شرعية أبوة هذا النصر أو عدم شرعيته، أو على أمومة معارك وهزائم صدام التاريخية الكثيرة. المهم أن للأمير ـ المؤلف مجموعة آراء طرحها في كتابه وفي محاضراته تشكك في هذا النصر وتخالف الخط العام للسياسة السعودية المعلنة، مما يزيد الالتباس حول موقعه ودوره. فهو يقول: «إذا كنا مخلصين علينا أن نعترف بأن الحرب لم تكن دوما على ما وصفت به من النجاح المطلق، ولم تفتتح نظاما عالميا جديدا يسوده السلام والتوافق الشامل (...) وإذا لم نتعلم من أخطائنا فإن الصراع المقبل قد يكون أكثر إيلاما من الماضي». ويعتبر الأمير خالد ان الحرب فشلت في تحقيق أهدافها عندما اقتصرت محادثات صفوان بين جانب التحالف والجانب العراقي الممثل في جنرالين، على تبادل الأسرى وفصل القوات، «بينما كان علينا الإصرار على تمثيل عراقي أرفع (سياسي على مستوى أفراد مجلس قيادة الثورة العراقية) وان يوقع العراق على وثيقة استسلام (...) ربما كان هذا جنّبنا بعض المشكلات التي ما زلنا نواجهها، وربما أدى الى إسقاط نظام صدام». كذلك فشلت الحرب، باعترافه، عندما لم يستطع التحالف التصدي لصواريخ «سكود» العراقية (42 صاروخا على إسرائيل، 3 صواريخ على البحرين، صاروخ واحد على السعودية) «مما اضطر التحالف الى تخصيص 30 في المئة من قواته الجوية لإسقاطها، وأعاق بذلك الحملة الجوية وسبب توترا في العلاقة بين واشنطن والرياض». كذلك فشلت الحرب عندما «رفضت القوات الأميركية المحمولة جواً قطع الطرق الرئيسية شمال البصرة وحصر العراقيين المنسحبين هناك» لأسباب لم توضحها واشنطن حتى الآن. «حتى في المرحلة النهائية من الحرب كنا نخشى أن يتمكن صدام من قلب الميزان ضدنا»(10). هذا هو كلام «أبو النصر» في «أم المعارك». <<< صحيح أن الحرب قد برهنت حسب قول الأمير ـ المؤلف «اننا (اي السعوديين) الحلفاء الأهم لكم (أي الولايات المتحدة) في الشرق الأوسط»(11)، إلا أنه يشكك في ما إذا كانت الولايات المتحدة ستقود تحالفا جديدا في حرب محتملة قادمة دفاعا عن السعودية. الأمر الآخر المثير للجدل هو التباين بين موقف خالد بن سلطان من جهة والموقف الأميركي ـ السعودي الرسمي من جهة ثانية، في موضوع سياسة «الاحتواء المزدوج» لكل من العراق وإيران. فالأمير خالد ينتقد هذه السياسة ويقول: «لا يمكن تصور إمكان عزل بلدين كبيرين ومهمين مثل العراق وإيران إلى الأبد. قد لا نستسيغ سلوكهما، ولكن لا يمكن أن نضعهما في حجر سياسي». واقترح عوضا عن «الاحتواء المزدوج» اتباع سياسة «التفاعل المزدوج» (دون أن يوضح ماذا يعني ذلك) الى أن يحين الوقت المناسب لاتباع سياسة «إعادة تأهيل مزدوجة». واعتبر ان سياسة الاحتواء تؤثر بشكل مباشر في الدول الخليجية. لأن هذه السياسة قد تدفع في رأيه البلدين الى تقاربهما ووقوع كل منهما في أحضان الآخر، «وهذا خطر أكبر مما تشكله كل دولة منهما بمفردها»(12). ومن المؤشرات المهمة في كتابه تفسيره لمعنى الصداقة العربية ـ الغربية التي قال عنها: «ان صداقتنا وتحالفنا مع الغرب لا يعنيان أننا نوافق على كل خطوة يقوم بها (...) ونحن في العالم العربي مهذبون الى درجة قصوى في بعض الأحيان ولا نعبر عما نشعر به فعلاً نحو بعض السياسات الغربية. وإذا ترددنا في قول لا ازاء سياسة ما، فهذا لا يعني أننا نقول نعم (...) وفي النهاية لا أحد يسدي الى الآخر أي معروف، بل الجميع يدافعون عن مصالحهم المشتركة»(13). أما بالنسبة إلى إسرائيل، فقد اعتبرت صحيفة «جويش كرونيكل» الناطقة باسم الجالية اليهودية في بريطانيا، ان آراء خالد بن سلطان «مؤشر على أن السعودية ملتزمة الى آخر الحدود بالسلام». إذ يقول إن «الغالبية الكبرى من العرب مستعدة الآن لسلم شريف مع إسرائيل (...) إلا أن تلك الغالبية لا تقبل أن تكون إسرائيل اللاعب المهيمن في المنطقة». وأكد أنه «لن يكون هناك أمن دائم لإسرائيل على حساب أمن جيرانها العرب (...) وخاصة أنه بامتلاكها لأسلحة نووية وبالدعم الأميركي تسعى الى فرض تسوية على الفلسطينيين والعرب»(14). وفي آراء الأمير ـ المؤلف حول الصراع العربي ـ الإسرائيلي ما يوحي بأنه ملتزم بالخط السعودي الرسمي، لا يريد أن يحيد عنه في هذه المرحلة على الأقل، قبل أن يعيد تقييم دوره في الصراع على السلطة التي يريد أن يبقى في منأى عنها الآن. <<< مَن هو خالد بن سلطان؟ هل هو رجل يبحث عن دور في مملكة ينافسه فيه، باعترافه في الكتاب، خمسة آلاف شخص من الأسرة المالكة، لا مكان فيها لأمير عسكري التربية والنشأة، ليبرالي السمعة، تقدمي المواقف، جريء الطرح، غير ملتزم بالسياسة السعودية المعلنة، يملك صحفا ومطبوعات تحمل هامشا عريضا من حرية التنظير وتعدد الاتجاهات، ويملك مالاً وفيراً يضمن لهذه الصحف الاستمرار؟ هل الابن الأكبر للأمير سلطان بن عبد العزيز النائب الثاني لرئيس مجلس الوزارة ووزير الدفاع والطيران والمفتش العام، هو «زعيم المعارضة» الذي يهيئ من داخل أبناء آل سعود، ليقود التغيير المطروح للحكم السعودي قبل نهاية القرن العشرين؟ أم هو الوجه الآخر لأبيه الأمير سلطان، يستقوي الأب بالابن وبالعكس، ويتوزعان الأدوار بينهما (ومع الابن الآخر الأمير بندر بن سلطان السفير في واشنطن) في الصراع على السلطة داخل المملكة ما بعد عهد الملك فهد؟ أم أنه رجل أفقده المنصب الكبير الذي تولاه في حرب الخليج الثانية، «توازنه السعودي»، فأخذ يغرّد خارج سربه التقليدي، لما أيقن بعد إقالته أن لا مكان له بين تيارات «الأمراء الشباب» الموزعين بين آل الفيصل (سعود وزير الخارجية، وتركي رئيس المخابرات، وخالد أمير أبها)، وآل فهد (محمد أمير المنطقة الشرقية، وفيصل رئيس رعاية الشباب وسعود نائب رئيس المخابرات وبالطبع عبد العزيز المستشار الملكي)؟ أسئلة لا أحد يملك أجوبة دقيقة عنها، إلا أن الأمير خالد نفسه يقدم أوراق اعتماده السعودية بقوله في كتابه ان من «أهم مصادر قوة آل سعود النظر إليهم كحماة للفضائل العربية (...) وإذا كان لي أن أذكر مبدأ واحدا يوحد هذه العائلة الكبيرة فهو الاحترام. يحترم كل فرد منها مَن يكبره سناً، ولو كان فارق السن بضعة أشهر أو أسابيع. ويعني هذا في الواقع ان هناك خطأ يمليه الاحترام، لا يمكن تعديه عند حدوث خلاف في وجهات النظر بين اثنين من أفراد العائلة»، إلى أن يقول: «إذا حدثت لنا متاعب (آل سعود) في المستقبل فسيكون مردها، بلا ريب، الى الخلافات داخل العائلة». ويضيف في معرض عرضه للخصائص التي يستمد آل سعود قوتهم منها: «تخصيص بعض المناصب الحكومية المهمة لذوي الكفاءة من أفراد العائلة (...) والالتزام بحل الخلافات في نطاق العائلة (وتقديم مصلحة العائلة على مصلحة أي فرد فيها (...) وتطبيق أحكام الشريعة الإسلامية على أفراد العائلة بالأسلوب نفسه الذي يطبق على المجتمع السعودي كافة». ويخلص الأمير الى القول: «إن الإخلال بأي من هذه المبادئ سيؤدي الى تهديد كيان العائلة وتقويض دعائم الحكم وتفريق أواصر الدولة». ويذكّر الشعب السعودي بأنه «لولا اهتمام آل سعود بخدمة مواطنيهم، بما يملكونه من معين لا ينضب من الخبرة والموهبة، ولولا تماسك العائلة وتآزرها، لانقسمت البلاد بعضها على البعض الآخر كما كانت الحال قبل أن يوحدها الملك عبد العزيز»(15). إذاً لا غبار إطلاقا على فهم الأمير خالد لدور آل سعود واعتداده بامتيازاتهم وإيمانه بضرورتها وتأكيده أنهم الضمانة لعدم انقسام المملكة. في الوقت نفسه اعترافه باحتمال وجود هذه الأخطاء، لو اختلت هرمية السن ولو دبّت الخلافات داخل العائلة أو تقدمت مصلحة الفرد منهم عليها. أو لم تطبَّق أحكام الإسلام عليهم كما تطبَّق على باقي الشعب. فالرجل يعي كل هذه الأمور، ويصارح الناس بها ويعلنها مكتوبة. فأوراق اعتماده الملكية لا تشوبها شائبة سوى علنيتها. وهذه العلنية هي موضع الشكوك في مملكة يلفها الصمت عادة وتعمل على قضاء حاجاتها (وخلافاتها) بالكتمان. <<<

يقول الناشر على دفة غلاف الكتاب انه «أهم وثيقة تخرج من أرض المملكة العربية السعودية». وتقول صحيفة «الفايننشال تايمز» ان الأمير خالد هو أول فرد في العائلة المالكة السعودية يكتب كتابا. عند الشق الأول يذكرنا روبرت فيسك بأن هناك كتابا عظيما خرج قبل 1400 سنة من أرض الحجاز (قبل أن تصبح سعودية) غيَّر العالم وهدى البشرية. وعند الشق الثاني يذكّرنا الخبير الاستراتيجي الأميركي والأستاذ المساعد في دراسات الأمن القومي في جامعة جورج تاون في واشنطن، أنتوني كوردسمان، انه كتاب لأمير سعودي «يتكلم نيابة عن العالم العربي»(16). ربما كنا نحتاج الى تذكير في أمور عدة، ولكن لم نكن نحتاج إلى هذا القدر من التبجح. فعلى الكاتب الناشئ أن يتعلم بعض التواضع. ويقول أحد كتّاب السعودية إن «الأمير خالد بن سلطان لا يحب المديح والإطراء ولا يرتاح إلى مَن ينافقه أو يجامله، بل عوَّدنا دائما على الصراحة وإبداء الرأي، بل والانتقاد»(17). إذا كان ذلك صحيحا أتمنى على الأمير ـ المؤلف أن يتذكر المثل الإنكليزي القائل: «أكثر ما ربحه العلم هو الكتب التي خسر بها طابعوها»، لذا فعليه أن يحسب خسارته بعدد المادحين له، لا عدد المنتقدين لكتابه. فهو يعرف كعسكري أن على قائد الجيش أن يرى ما أمامه وما وراءه في وقت واحد. فأمامه العلم ووراءه الخسارة. عندئذ قد يصح قول الإمام علي: «اختر أن تكون مغلوباً وأنت منصف، ولا تختر أن تكون غالباً وأنت ظالم». ولا نريده أن يكون ظالماً لأن الكتب هي قلوب الناس في أيدي الناس! هوامش (ü) أعتمد في هذه المقالة على النسخة الإنكليزية من كتاب «مقاتل من الصحراء» (الناشر هاربر كولينز ـ 492 صفحة ـ 25 جنيها استرلينيا ـ لندن 1995) وما نشر منه من مقتطفات بالعربية في جريدة «الحياة» ـ لندن، بين 19 أيار و8 تموز 1995. (1) محاضرة في مركز الدراسات الاستراتجية والدولية في واشنطن ـ «الحياة» لندن ـ 24/5/1995. (2) الحلقة 15 ـ «بعد العاصفة: استراحة المقاتل» ـ «الحياة»، لندن ـ 3/7/1995. الفصل 23 من الكتاب. (3) راجع مقالة روبرت فيسك ـ «الأنديبندنت»، لندن ـ 24/6/1995. (4) راجع مقالة عبد الله الجفري ـ «نقطة حوار»، «الحياة»، لندن 12/6/1995. (5) راجع «المستقبل» نشرة سياسية تصدر عن شركة الصحافة العربية المتحدة ـ بيروت ـ العدد رقم: 2 ـ 30/6/1995. (6) راجع جريدة «الشرق الأوسط»، لندن ـ 14/5/1995. (7) حديث مع رئيس تحرير «الحياة»، لندن ـ 19/6/1995. (8) محاضرة في المعهد الملكي للشؤون الدولية في لندن حول أمن الخليج ـ «الحياة» ـ لندن 18/5/1995. (9) خطاب خلال غداء أقامته شركة «أوكسيدنتال» للنفط في لوس انجلس ـ «الحياة» ـ 11/6/1995. (10) محاضرة في كلية الحرب التابعة للجيش الأميركي في كارلايل في ولاية بنسلفانيا ـ «الحياة»، لندن ـ 2/6/1995. (11) المصدر نفسه. (12) المصدر نفسه. (13) المصدر نفسه. (14) محاضرة في المعهد الكندي للشؤون الدولية في تورونتو في كندا ـ «الحياة»، لندن ـ 14/6/1995. (15) راجع عرض وترجمة هذا الفصل في «الحياة» ـ لندن، 8/7/1995. (16) راجع مقالة أنتوني هـ. كوردسمان مترجمة في جريدة «الحياة»، لندن ـ 4/7/1995. (17) راجع مقالة عرفان نظام الدين «من الحياة» ـ «الحياة»، لندن ـ 23/5/1995. ينشر في هذا المقال باتفاق خاص، في وقت واحد، في: «السفير» بيروت، «الدستور» عمّان، «القدس» لندن. حقوق النشر محفوظة لرياض نجيب الريّس

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة