يشعر المستغرق في الخطاب السياسي والديني والفكري لرئيس المجلس الاسلامي الشيعي الاعلى الشيخ محمد مهدي شمس الدين انه امام رجل دولة »معمم«، بمقدار ما هو امام رجل دين. والاهم من كل ذلك، ان الشيخ ليس رجل اي دولة، انه رجل الدولة المدنية التي تنأى بالدين عن النظام السياسي، وهو طرح أثار من حوله جدلا لعله مستمد من هوية صاحب المشروع قبل ان يكون مستمدù من مضمون المشروع بحد ذاته، على ان هذا الجدل، ربما تجاوز في بعض الاحيان سقفه المفترض: »لقد عوقبت وشتمت وصيح بي نتيجة موقفي«.. واذا كان ليس مألوفù، في المطلق، ان يروج »عالم« لنظرية سياسية لا دينية، فان هذا »اللامألوف« يغدو صارخù في لبنان، حيث يسود مناخ طائفي »حار« وحيث تسقط المسافة بين الزمني وغير الزمني. من هنا تأتي خصوصية موقف الشيخ شمس الدين، علمù بانه يحرص على »ترسيم« الحدود بدقة بين دولته المدنية، وبين الطروحات التي تقع على يمينها او يسارها، منعù لاي التباس او اجتزاء، فمناداته بمؤسسات حكم »مجردة«، خارج المؤثرات الدينية، لا تعني محاكاة العلمانية بأي شكل من الاشكال، كما ان تمسكه بمجتمع اهلي متدين مع رفض قانون مدني للاحوال الشخصية لا يعني مسايرة الطائفية. ان الدولة المدنية كما يراها شمس الدين تقوم على مجتمعين: واحد سياسي لا دين له ويضم مؤسسات الحكم وأجهزته التي يجب ان تكون مشرعة امام الجميع بمعزل عن انتماءاتهم، وثان اهلي يجب ان يصوب تنوعه الطائفي والسياسي والفكري ويتمسك بشعائره الدينية تمسكù صارمù.. هي معادلة ترتكز اذù على فك الارتباط بين المجتمعين للحؤول دون طغيان احدهما على الآخر وصولا الى افضل تنظيم ممكن لآلية الدولة، نظامù وشعبù، ولذلك ينتفي في نظره مبرر القول بفصل الدين عن الدولة، لان الدولة تعمل اصلا في حقل، والدين في حقل آخر. هذا الطرح ليس سياسيù فقط، ذلك انه يستند في تكوينه الى معايير فقهية ايضù، الامر الذي يشدد عليه الشيخ، مستشهدù في معرض اثبات صحته، بدولة الاسلام في مراحلها الاولى، حيث كان المسلمون واليهود يتولون ادارة شؤونهم، كل على طريقته، بينما احتفظ الرسول بالسلطة العليا. ويبلغ الشيخ بموقفه مداه الاقصى حين يهاجم مشاريع الدولة الدينية، سواء لدى بعض المسلمين او بعض المسيحيين، معتبرù ان التطرق هنا يغذي التطرف هناك: »ان اي مشروع طائفي هو مشروع تقسيمي، حتى ولو اتى به نبي«. لقد بدت مواقف الشيخ شمس الدين، على كثير من الشفافية والجرأة، مساء أمس الاول، خلال الحوار المفتوح الذي استضافته اليه ندوة الحوار الدائم لساحل المتن الجنوبي، في حضور النائبين باسم السبع وعصام نعمان، محمد السماك، وحشد من الشخصيات الفكرية والاكاديمية. ولذلك، كان سهلا على الحضور مقاومة الحر.. ولكن مقاومة الوقت، الذي مر سريعù، لم تكن بالسهولة ذاتها، خصوصù وان الحوار تميز بالتشويق كما بالصراحة، فابتعد عن الدبلوماسية »المملة« وعن »الاستعراضية« المضرة. لماذا طرح الشيخ مشروعه، وردù على اية إشكالية؟ سؤال مفتاح، كان لا بد له من الاجابة عليه، في مستهل كلامه، كتوطئة ضرورية لولوج التفاصيل: يقول شمس الدين ان قضية تنظيم المجتمع وادارته هي قضية البشر منذ القدم، قبل الثقافة والاقتصاد، ونحن لسنا بدعù من البشر في هذا المجال، ولكن المشكلة اصبحت أكثر تعقيدù مع الصحوة الاسلامية التي طرحت في مجتمع متنوع كلبنان مشروعù سياسيù، قابلتها اصولية مسيحية، حملت ايضù مشروعù سياسيù. اذù، جاءت هذه المشاريع لتغذي اشكالية سياسية تتجلى أبرز مظاهرها في عقدة توزيع السلطة على اساس ديني، في مجتمع طائفي ومتنوع، يطفو على سطح دولة غير دينية بالمعنى القانوني للكلمة، وعن ذلك يقول الشيخ: من الناحية النظرية فان الدولة اللبنانية علمانية بالمفهوم التجريدي الفلسفي، فشرعية سلطاتها مستمدة من مؤسسات وضعية وشرعية القوانين مستمدة ايضù من ترتيب وضعي.. اما من حيث توزيع السلطة والممارسة فانني لا اعرف دولة دينية اكثر من لبنان! وهو لن يجد بالتأكيد صعوبة في اقناع الحاضرين بوجهة نظره: »ان المذهب والدين هما الوسيط بين الفرد والدولة، ولهما ان يحددا دوره وحجمه على الصعيد السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وبعد الحرب الاهلية غدت الامور اصعب وبات الوصول الى الوطن يتطلب اولا المرور بأقنية عدة: القوة الطاغية في التنظيم الفلاني ثم التنظيم بحد ذاته، فالمذهب والطائفة.. ان هذه الاعتبارات تدخل في صياغة سلطة تتمتع بها نخبة لا شأن لها بالدين ولكنها تصل اليها باسمه«. ولا ينحصر الخطر على الدولة بمشاريع الجمهوريات الدينية بل ان أقسى ما يواجهه النظام حاليا يتأتى من رجاله ونخبته وطبقته التي تتولى شؤونه بعد اتفاق الطائف، يرى شمس الدين، وهذا يعني ان الانسداد بلغ ذروته مما يفترض طرح البديل من دون مواربة. والحل برأي الشيخ، يكمن في دولة مدنية، تكون لها مؤسسات ذات طابع غير ديني، ويمكن أن يؤدي وظيفتها أي شخص كان، وينطبق ذلك على الرئاسات الثلاث، والجيش والادارة والقضاء وكل ما يتعلق بتسيير شؤون الدولة، يوازي هذا المجتمع السياسي مجتمع أهلي متدين يحتضن ثقافات أبنائه وتنوعهم، ويلتزم أدق الشعائر الدينية بحرارة وصدق. وتجنبا لأي سوء تفاهم أو أو فهم يسارع شمس الدين الى التأكيد بأنه يعارض قيام دولة علمانية، بالمفهوم السائد في الغرب، لانتفاء مبرراتها، مشددا على عدم القبول بدولة غير مبالية بالدين. وإذ يحذر الشيخ من المشاريع التقسيمية التي يرفعها بعض المسلمين والمسيحيين تحت شعار الجمهورية الاسلامية والمجتمع المسيحي، متحدثا عن توافق غير مكتوب بين المتطرفين هنا وهناك، أساسه أن يغذي الواحد خطاب الآخر، فإنه يدعو في الوقت ذاته الى سحب مشروع إلغاء الطائفية السياسية من التداول حتى إشعار آخر، لأن المناخ ليس ملائما بعد، »والاكتفاء بعقلنة الطائفية أو ترشيدها«. ينهي الشيخ مداخلته المرتجلة فاسحا المجال أمام أسئلة الحضور، فيطرح السائل الأول موضوع العلمنة مجددا، داعيا ضيف الحوار الى تحديد أدق لموقفه منها. يجيب شمس الدين مستعينا ببعض التاريخ، فيوضح ان العلمنة بصيغتها الماركسية أو الحالية الأكثر تهذيبا، هي نتاج الأزمة التي واجهها العالم الأوروبي المسيحي، »ولكن لا المسيحية المشرقية ولا الاسلام واجها الأزمة ذاتها، المشكلة في لبنان ليست ناتجة عن الاسلام أو المسيحية، وإنما هي ناشئة من توليد شرعية سلطة مدنية على أساس ديني..«. ويسأل الضيف عن دور النخبة المثقفة في المساهمة في اخراج لبنان من الواقع الطائفي المتفاقم، فيأتي الجواب رؤوفا بحال وإمكانيات هذه النخبة: لا أستطيع أن أتهم المثقفين بالتقصير، إن هؤلاء يبدون في أحيان عدة مغلوبين على أمرهم أمام سطوة »الشيء« السياسي.. ولذا فإنني لا أميل الى »تأثيم« هذه النخبة. ويطلب النائب عصام نعمان الكلام، فيلاحظ ان اللبنانيين يتصرفون كشعب واحد حيال قضايا الخبز والحرية والاقتصاد والعمل ولكنهم حيال القضايا الأخرى كالأحوال الشخصية والاستلهام الثقافي، والمسائل المصيرية، يختلفون، ويتأثرون بأديان ومذاهب، والسؤال كيف يمكننا أن نوجد ذلك النظام السياسي الذي يمكن اللبنانيين من أن يعبروا عن أنفسهم كشعب. ويضيف نعمان: أعتقد ان ذلك يتحقق من خلال قانون الانتخاب ولكن ليس أي قانون محذرا من أن الانتخابات على أساس النظام الأكثري ستقود الى كارثة، فإذا نالت مثلا إحدى اللوائح 51$ من الأصوات ونالت منافستها 49$، ماذا سيكون مصير اللائحة الثانية ونحن في بلد متنوع، وعليه، فنحن بحاجة الى نظام نسبي يحترم عدالة التمثيل ويضمن الاختيار على أساس البرامج بحيث يكون الاختيار سياسيا لا طائفيا. يرد شمس الدين على المداخلة بالقول إنه ليس اختصاصيا في مثل هذه الأمور، موضحا ان هناك مجموعة من الاختصاصيين تعكف على وضع مشروع معين بهذا الصدد، إلا أنه وفي مطلق الأحوال ينبه الى أن أي خطأ في إدارة العملية الانتخابية سيأتي بمجموعة من المتطرفين والمغلقين الى مجلس النواب ومنه الى أجهزة الدولة الأخرى. ثم تدور من جديد عجلة الأسئلة، ويقارب أحد السائلين مسألة الغطاء الفقهي لمشروع الدولة المدنية، فيبادر الشيخ الى الاجابة فورا وكأنه كان في انتظار هذا السؤال: »انني أطرح مشروعي ليس باعتباري سياسيا وإنما فقهيا.. وهنا أفرق بين المجتمعات الاسلامية الخالصة وتلك المتنوعة ففي الأولى أوافق على إقامة دولة دينية انطلاقا من ولاية الأمة على نفسها! لأنني لا ألتزم بالولاية العامة للفقيه وأرى أن الأمة هي الولية على نفسها، أما في المجتمع المتنوع الذي ليست فيه أغلبيات ساحقة وإنما توازنات كمية أو نوعية، فلا أرى، وعلى أساس فقهي، مشروعية إقامة دولة دينية، إذا كان ذلك سيؤدي الى تصديع وحدة المجتمع«. وماذا عن موقف شمس الدين من قانون الأحوال الشخصية والزواج المدني؟ »أؤكد ان قانونا مدنيا للأحوال الشخصية غير مؤات لمحبذيه بالدرجة الأولى، وهو لا يساعد في تمتين أواصر الوحدة الوطنية« قال في رده، ثم أضاف: أنصح بصرف النظر عن القانون المدني، ليس فقط استنادا الى الاعتبار الديني الواضح في هذا المجال، وإنما بمعزل، حتى عن هذا الاعتبار. مسألة ساخنة أخرى طرحها سؤال حول رأي رئيس المجلس الاسلامي الشيعي الأعلى في انتساب علماء دين الى أحزاب وتنظيمات سياسية فكان الجواب حازما وحاسما: »يحرم على أي عالم أو رجل دين الانضواء في أي حزب لأنه عندئذ سيسخر خطابه الديني للمشروع الخاص في حين ان الخطاب الديني أكثر اتساعا وشمولية وبحجم الكون.. انني لا أقول ان المنتمين إلى أحزاب هم خارجون على الشرع.. في حال اعتبروا انهم يخاطبون دائرتهم السياسية فقط«. ويستحضر شمس الدين في هذا السياق فتوى سبق للإمام الخميني أن أصدرها وقال فيها بحرمة انتماء رجل الدين الى الحزب الحاكم في إيران، وذلك غداة انتصار الثورة. عماد مرمل