باسمه تعالى الى جريدة »السفير« الموقرة/ الأخ المحترم جهاد الزين.. أجد نفسي مضطراً للرد على جملة من المغالطات التي أثارها الشيخ عبد الكريم شمس الدين، والتي تأتي في سياق حملة على ما يبدو موجهة ضد طريقة الاحتفال بذكرى عاشوراء، ان من حيث الشكل، او من حيث المضمون. مع تعرض الكاتب بنحو ما لمسألة ارتباط اتباع اهل البيت بأئمتهم »ع« وعقيدتهم فيهم. اما عن عاشوراء، فيكفي جواباً الرجوع الى الروايات الواردة عن ائمة اهل البيت »ع« التي ترشد الى ضرورة احياء هذه الذكرى الفاجعة المرتكبة بحق الاسلام والقرآن، والتي كان الهدف منها اطفاء نور الله في ارضه من خلال سفك دماء اهل القرآن وصنوه ومفسريه وعالمي اسباب نزوله وكيفياته. فهذا مما لا نقاش فيه كما يقول كاتب المقالة، بل هو اشد حرصاً على اقامة هذه المجالس، وان كنت لا اجد تفسيراً معقولاً ومقبولاً للصيغة التي جمع فيها فضيلته بين الحرص المدعي وبين هجومه الخارج عن المألوف على عاشوراء الحسين »ع«. اول ما يلفت النظر في المقالة المذكورة هو محاولة الايهام بان هذه الذكرى الفاجعة وكأنها مخصصة للصبية بدليل قوله ضمن جملة معترضة منذ صباي لما فيها من اخبار البطولات والشهادة والقتل التي تدخل قلوب هؤلاء الصبية الذين لم يصلوا الى مرحلة النضج الفكري والعقلي، ويستفاد هذا المعنى من تعقيبه بقوله ولكنني في هذه الايام بعد ان كبرت وعقلت وآتاني الله سبحانه من لدنه علماً . هل يليق صدور هذا الكلام من شخص يدعي الانتساب الى اهل البيت »ع« ويدعي بأنه اوتي علماً من الله؟ وهل طريق الحسين »ع« هي غير طريق الله سبحانه؟ الم تكن ثورة الحسين »ع« من اجل دين الله ورسالته؟ الم يكن شعار الثورة (الاصلاح في امة جدي رسول الله »ص«)؟. ثم يتعرض الكاتب لعلاقة الشيعة بأئمتهم »ع« فيصور هذه العلاقة على انها واصلة الى حد الوله او التأليه، وان ارتباط الشيعة بأئمتهم »ع« اشد وأقوى من علاقتهم برب العالمين عز وجل، وهذا الكلام مغالطة واضحة وبعيد عن واقع القضية بالكلية، لان اعتقاد الشيعة في الائمة »ع« هو فرع ايمانهم بالله سبحانه، وليس من المعقول ان يكون الاعتقاد بالفرع اشد من الاعتقاد بالاصل الذي كل شيء هالك الا وجهه، ولا شك ان هذا الاتهام صادر عن اشتباه كبير لدى كاتب المقالة ولا يناسب ان يقع منه، الا ان يكون قد طرأ عليه في المسألة الاعتقادية ما جعله يذهب بعيداً في هذه المغالطة الواضحة. وباختصار فان عقيدة الشيعة في أئمتهم »ع« انهم عباد مكرمون مقربون الى الله سبحانه، كانوا اشد الناس تمسكاً باسلامهم ودينهم ودافعوا عنه ودفعوا ثمن حمايتهم لهذه العقيدة ارواحهم ودماءهم ولم يبخلوا على الله بشيء في سبيل ذلك، ولهذا احببناهم واقتفينا آثارهم وتلمسنا خطاهم في الدفاع عن الاسلام، وصرنا نحمل شعارات الحسين »ع«، ليعلم كل الناس اننا في هذا الخط الجهادي المشرف الذي ينتمي الى عاشوراء واهل البيت »ع«، لا على قاعدة التأليه، بل على قاعدة التوحيد لله عز وجل والاقتداء بالنبي »ص« وأهل بيته الذين يعترف الكاتب بأنهم الثقل الاصغر الملازم للثقل الاكبر وهو القرآن الكريم »دستور الامة ومنهاجها« وهما معاً »الوصية الاهم« لرسول الله »ص« وأهل بيته الذين يعترف الكاتب بأنهم الثقل الاصغر الملازم للثقل الاكبر وهو القرآن الكريم »دستور الامة ومنهاجها« وهما معاً »الوصية الاهم« لرسول الله »ص« الذي لا ينطق عن الهوى او التعصب. ثم يتعرض الكاتب لشكل اقامة عاشوراء وتحديداً »اللطميات« فيدعي خلوها من اي ذكر لله سبحانه، بينما الحقيقة هي غير ذلك اذ ان هذه اللطميات تتضمن الكثير من المعارف والمفاهيم الاسلامية المستفادة جميعها من كتاب الله وسنة نبيه »ص« وأقوال الأئمة »ع«، ولا ادري هنا ماذا يقصد الكاتب من عدم وجود ذكر لله فيها، وهي المليئة بذلك الكم من مفاهيم الاسلام ، الا ان يدعي ان البراءة من اعداء الله المتضمنة في تلك اللطميات ليست من الذكر ولا من الارتباط بالله بشيء، وهذا يعني ان الكاتب يريدنا ان نجلس في الزوايا والتكايا نسبح الله وكأننا لسنا جزءاً من هذا العالم ولسنا مكلفين بالجهاد الذي هو اسمى وأرفع مصاديق الذكر الالهي والذي يشكل السياج الحامي والواقي لعبادتنا وتوسلاتنا الى الله العلي القدير. ثم نقف مع الكاتب وقفة استغراب وهي ان كل انواع البلاء النازلة بنا لاننا ارتبطنا بأهل البيت »ع« وتركنا الارتباط بالله عز وجل، فوكلنا الى انفسنا وإليهم، وهذا هو السبب عنده في كل ما نعاني ونقاسي ونتألم؟ فهل الارتباط بأهل البيت »ع« هو السبب حقيقة؟ او هو الاستسلام والتخاذل والجبن وعمالة الانظمة واعلام الدول الاستكبارية والنهب المتواصل لثروات المسلمين، وتعسف وظلم الحكام المدعين الانتماء الى الاسلام وهو منهم براء، والارتماء في احضان كل من اميركا واسرائيل، والحرص على الدنيا والتشبث بها وتفضيلها على الآخرة وعلى الجهاد في سبيله؟ اشتباه كبير وقع فيه كاتب المقالة، فقوتنا وقدرتنا واستقامتنا انما جاءت من الايمان بالله عز وجل، والاقتداء بنهج النبي »ص« والائمة »ع« الذين بتضحياتهم زرعوا فينا الارادة والعزيمة والصبر في مواجهة اعداء الله، اليست المقاومة الاسلامية اليوم هي مخرز في عين اسرائيل وأميركا؟ أليست هي التي تثير روحية الجهاد والاستشهاد في عالمنا الاسلامي اليوم؟ اليست هي التي اجبرت العدو الاسرائيلي على الاحجام عن قصف مدننا وقرانا وأهلنا ومزروعاتنا حتى لا تنهال عليه وعلى مستوطناته صواريخ المقاومين باسم الاسلام والقرآن واهل البيت »ع«؟ لا، ايها الكاتب المدعي، فالارتباط بأهل البيت »ع« اولئك الصفوة المختارة من عباد الله ليس هو السبب في هزائمنا، بل التخلي عنهم والارتباط بالعقائد والمذاهب الفكرية الوضعية وغيرها هو الذي هزمنا وأسقطنا، ونحن بالتمسك بالله على طريقة اهل البيت »ع« نعيد المسار الى وضعه الصحيح لنبرهن للامة خطأ ما ذهبت اليه وأدى الى كل المآسي التي نعيشها في عالمنا الاسلامي اليوم وعلى رأسها مأساة القدس. وأخيراً نصل الى تهجمه غير المبرر على قراء العزاء، وكأن ذلك محاولة لاسقاط تأثيرهم الروحي والمعنوي على الجماهير الاسلامية التي تجتمع تحت منابر اولئك الذين يستدرون الدمع من عيون سامعيهم على المصاب الجلل الواقع بالنبي »ص« وأهل بيته »ع« عبر قتل الحسين »ع« وسبي زينب »ع« ونساء اهل بيت العصمة والطهارة. ان هذا التهجم لن يكون قادراً على ايقاف مسيرة العزاء على الحسين »ع«، فلطالما حاول الطغاة والظالمون عبر العصور فلم يفلحوا، وذهبوا الى متاحف التاريخ نماذج سيئة شريرة، وبقي الحسين »ع« مستمراً من خلال عاشورائه يزرع القوى والوعي والصبر في نفوس المجاهدين، وها هو اليوم اكبر من كل الذين حاربوه، وأقوى من كل الذين قتلوه، ولن يفلح المنافقون والمرجفون واللاهثون وراء نعيم الدنيا ومغانمها ان يعيدوا الامور الى الوراء. وأخيراً ليس لنا الا ان نسأل الله العلي القدير ان يهدينا جميعاً سواء السبيل، انه نعم المولى ونعم النصير والحمد لله رب العالمين. الشيخ محمد توفيق المقداد