لا يمكن الكتابة عن النصوص الشعرية التي جمعها الصديق جنان جاسم حلاوي، في «تابع الطيران وحدك» (109 صفحات من القطع الوسط(، قبل التوقف لحظةة عند تلك المساحة «الفارغة» التي خلفتها هجرته الاخيرة من بيروت الى السويد، بعد مسلسل طويل من المعاناة والقلق والارق، من الخوف والتعب، ومن المدن التي لا تنتهي. مسلسل طويل من الوجع، بدأ مع التشرد الاول، خلال الحرب العراقية ـ الايرانية، هو ابن البصرة حيث ولد العام 1956، ويكاد لا ينتهي عند السويد، ولعل هذه الاخيرة اصبحت نوعاً من اطار جغرافي ثابت، لا بد ان يقطع مسيرة الهجرات المتلاحقة. غير ان التساؤل يظل يثير مخاوف ما حول معنى الهجرات الاخرى، في النفس والذات والزمان. فهل نجح الشاعر والقاص العراقي جنان جاسم حلاوي، في ايجاد «الاداة» التي اوقفت مرحلة الضياع «المكاني»، كي يغرق طويلاً في المتاهات الزمنية؟ هل صحيح ان قدر الشاعر يكمن في غربته الدائمة، كي يكتشف الصور الاكثر تجسيداً للآفاق الواسعة، وللاحتمالات الممكنة، ولكل هذا الجنون الاجمل؟ هل قدره الا يعرف امتكانة او هدوءاً، لان ما يعتمل داخله اعنف من مواجهة الخارج، وما يضج في ذاته اقوى من حصار الآخرين له؟ من البصرة الى السويد (حيث يعيش حالياً مع عائلته): انها الطريق الطويلة ، حيث «نواهد المتاهة الجبلية تترعنا بريح ثلجية قاسية» (ص40)، الطريق الصعبة والقاسية، الحادة كنصل السيف، ليقول عنها انها «رحلة طويلة تمساحية/ تجرجرنا اضعف الاضواء،/ وتنين يغسل ما تبقي/...» (ص78)، المثقلة بالذكريات والآلام (تبدو المجموعة كلها مشحونة بهذه الذكريات والآلام). تلك الطريق المشبعة بالحنين ايضاً، يتدفق الى ذاكرته، فيعيد صوغه بكل الحب والدفء، في نص اراده خلاصاً فعلياً (هل اقول نوعاً من المطهر الاقسى) من الجحيم اليومي. وعلى امل ما؟ ربما فهو يكتب ان «غداً تذوب الثلوج، ويأتي الربيع وتزهر الارض ورداً اسود» (ص64). اذاً، لم يكن املاً، بل محاولة اكتشاف الحجم المأساوي لارض لا يراها الشاعر الا خصوبة خراب وموت. نص ولقاء اذاً، هي مساحة فارغة. لكن حلاوي عرف كيف يعطيها ابعاد التواصل الفعلي، وفاعلية اللغة في انكسار حدة المدي، وفي تجدد اللقاء. ذلك ان العلاقة بشخص، تنبثق عادة من واقع التلاقي اليومي. كان ذلك زمن الموت في بيروت الحروب. وكان جنان جاسم حلاوي ينشر كتاباته في «النهار»، من صيدا (غرفة اسفل المدينة، التي تحولت الى شعار ملتصق بخصوصيته الحياتية والشعرية) الى بيروت، ومن الماضي المخضب بالدم والالم، الى نص مشرع على القول واللامحدود. كان يكتب، وكنا نقرأ، فهو كان في النص يجد حريته القصوى، وفي اليومي يفرق حتى الثمالة. هكذا هو: قامة تدخل المقهى في ولوجها العالم المختلف، ونص يريدك منه رغم الدهاليز التي يرميك فيها، كالمتاهات وسط العتمة، ونور ما من النص يضيء دربك في تفاعلاته وانفعالاته. ثم اللقاء فصل معنى القراءة، وجعل منها حاجة الى الاستمرار. مع جنان جاسم حلاوي، يجيء النص اليك حاملاً تفاصيله «الحلوة»، رغم مرارة المعاناة وفرق التجارب، ورغم التمازة «الجمالي» بين اللامعقوول والواقع، بين السحر والحقيقة، بين الهلوسات وعوالم الجن والالغاز. يقول حلاوي ان «الساحرة الجالسة قربي، الحائرة/ والحمقاء/ وهبتني ايقونة واضحة الوجوم، ولعبة/ التحول» (ص19)، كأن التفاصيل انعكاس الذات في وحدتها وانفلاشها في مشاعرك. كأنه عبر الكتابة، يصل الى اللحظة المرجوة. كأنه عبر اليومي، يكسر حدة الجنون الذي لاحقه من صحراء الجثث، حيث «بخار البارود النتن، عفن اللحم. والدم، الاعياء، الضيق، الاختناق، هلوسات/ الجنود، تفرغ انسانيتنا، تسيل ارواحاً/ وحشية البريق، رخوة الاطراف، نرتجف/ ليكون الخلاص هاجساً، وعذاب البقاء/، يمرمر (...)» (ص17)، الى تخوم الجحيم، قبل ان يجد بعضاً من يفتض كل هذا (ربما) حيث هو اليوم. او على الاقل، في الظاهر المكاني، حيث تبدت مشاعره في نصوصه، عن حجم القلق المستمر فيه، او كأنه ما عاد يريد شيئاً من كل هذه النصوص. ها هو، في صقيع القطب الشمالي (او كما يسميه: جنوب القطب الشمالي، تأكيداً على عشقه المختلف للجنوب، من جنوب العراق، الى جنوب لبنان...) لا يكتف بالعودة الى نصوص قديمة كي ينشرها في كتاب، فيتركنا معلقين بين وهم الحياة وفراغ المعنى اليومي، بين الذاكرة والحاضر، بل، وهو يكتب جزءاً من حكاياته، يزداد غرقاً في المكان الاكثر انغماساً في هلوساته، وتلافيف عقله ووجدانه: انها صيدا، حيث الغرفة التي صارت رمزاً لحضوره فينا، وحيث كافيتيريا الديماسي والاوقات الطويلة، وساحة النجمة حين المطر يلف «حولها» يصحبنا ليلاً ليشرب العرق معنا،/ مصلوباً على/ جدار بحر زخرفته النفايات» (ص102). لم يغب جنان جاسم حلاوي عن عالمه اللبناني، كأن هذا الوطن كاد يتحول الى بديل ما يشفي بعض الظمأ الى المكان الاول بمدينتيه اللتين احبهما (صيدا وبيروت)، بتفاصيل حروبه الضيقة، بيومياته المتناقضة حد القساوة والبشاعة. ها هو يرسل الينا تحيات حبه وحنينه. وها نحن نتصفح حكاياته بفرح استعادة التواصل، ونقرأ «خبرياته» المصوغة بقالب ساخر من شدة المرارة، وناقم من قسوة الحزن، كأننا لا نزال معاً، في الشارع والمقهى، في اي مكان، نحكي ولا نمل، او نصمت طويلاً خلف الزجاج، كل منا في مداه المدمر.
السمة الخاصة يأتي «تابع الطيران وحدك»، بنصوصه الشعرية (ست عشرة قصيدة)، ليسجل امتداداً لبوهيمية الشاعر الذي اصدر سابقاً اربع مجموعات قصصية ورواية واحدة، محافظاً على سمته الخاصة، التي ميزت البنية الدرامية، من خلال التمسك بانعكاس معنى التمازج غير الطبيعي بين المعقول/ المقبول في الوعي اليومي، وبين اللامعقول/ الخارج عن الانسياب في اللحظة النهمة لاكتشاف صيرورة الحكاية. هنا، لا يختلف النص الشعري كثيراً عن قصصه، من حيث صدى الخرافات والمعتقدات التي اقتحمت الذاكرة الشعبية، كمحاولة لمواجهة القوى الغيبية والمجهول، ومن حيث البراعةة في التفنن التصويري، وهو يرسم مساراته من خلال الامعان في التفصيلات التي لا تتضح الا بعد التوحد الاقصى مع النص. ولكن، اذا كان كل هذا الوصف يسم نصوصه النثرية في بلورة حضورها الفني، فانها هنا تتخذ شكلاً آخر للتعبير عن قساوة ضحاها، عبر الذاكرة والذكريات. «يبذران الارض، رجل وزوجته/ السماء سجادة مقلوبة/ التخوم، الاقاصي، الاقاليم/ كل الهباء المزروع لاستمرار الضحك، لدوام الآلام، لالعاب غير مجدية» (ص52)، او مثلاً: «الجمر المتكوكب عقيقاً، يترقد فاقداً/ وظيفته/ للفجر سطوة، تسلب النار قوة روحها» (ص90).، محاولة قراءة النص الشعري لجنان جاسم حلاوي دفعتني الى كتابة شيء من العلاقة بين هذا النص وبين ذلك ان الكتابة احياناً تظل مقصرة عن الوصول الى غاياتها، خصوصاً اذا كانت تسعى الى اكتشاف مفاتيح النص الشعري. جنان جاسم حلاوي قدم لنا وجهه الشعري هنا، وما علينا الا ان نقرأ ما اراد التعبير عنه. نديم جرجوره