As Safir Logo
المصدر:

مقدمة لحوار مع العلامة السيد محمد حسين فضل ألله مستقبل المقاومة وخصوصية الحركة الأسلامية في لبنان(صورة)

المؤلف: داغر كارول التاريخ: 1995-06-19 رقم العدد:7109

عندما كتب صاموئيل هونتنغتون بحثه حول »صدام الحضارات« (1993)، معتبرا ان صراع الغرب في عالم ما بعد الحرب الباردة انما هو أساسا صراع مع الاسلام وان »حدود عالم الإسلام هي حدود دامية«، ترك تحليله هذا بصمات متينة في ذهنية المجتمع الغربي، الأوروبي والأميركي، من طبقات حاكمة ومثقفين جامعيين. وثمة إسلام عنفوي، رجعي، جائر، نشأ في أرض مصر والجزائر وتطعم بعضه بنفحات سعودية، يثبت تلك النظرية، بيد أنه يفتك بروح وثقافة الإسلام قبل ان يصطدم بالغرب. ان مفردات »الموجة الأصولية« و»التحرك الإسلامي« باتت مرادفة، في المصطلح العام والإعلامي، للإرهاب والجهل والظلم والتخلف، بفعل ممارسات تتنافى ورسالة الإسلام من قبل بعض المجموعات الطامحة للسلطة. وقد باتت هي تتصدر صفحات الصحف ونشرات الأخبار المتلفزة في العالم كله، فتثبت في الأذهان، الغربية كما الشرقية، كالنموذج المعبر عن طبيعة الإسلام وأهدافه. ويأتي ذلك في زمن المساومات والتسويات التي تعيشها المنطقة، زمن السلم العربي الاسرائيلي الذي تعيشه الأنظمة العربية بينما يتآكلها العنف من الداخل أو يهدد بالانتشار في كيانها. فأين هو الإسلام الحقيقي؟ ما هي معاني وأبعاد ما يسمى بالأصولية الإسلامية؟ أين تقع المعادلة الدولية الجديدة، من »النظام العالمي الجديد« من تسوية السلام في الشرق الأوسط؟ ما هي علاقتها مع الأنظمة العربية والإسلامية »التقليدية«؟ ما هي مواقفها من كل من أميركا واسرائيل في ظل التحولات المقبلة على العالم العربي والإسلامي؟ وأين تندرج مواقفها من سوريا وايران والمملكة العربية السعودية، وهي دول لها تأثيرها المباشر على الحركة الإسلامية؟ بماذا تتميز الحركة الإسلامية في لبنان عن سائر الحركات الإسلامية في العالم العربي؟ ما هو مستقبل المقاومة في الجنوب اللبناني، وقد أضحت تلك المقاومة من أبرز سمات الوعي الإسلامي في لبنان؟ أين يقع موضوع المشاركة في الحكم والدخول في اللعبة البرلمانية وقبول النظام ككل، في الاستراتيجية الاسلامية؟ أسئلة متشعبة تلج الى صميم القلق الذي يراود نهاية القرن العشرين في فراغ عقائدي عالمي وفوضى دولية ومزاحمات إقتصادية تجعل التكهن بالمستقبل صعبا. أسئلة يجيب عليها العلامة السيد محمد حسين فضل الله برحابة صدر وسعة تحليل وبعد النظرة التي يتميز بها والتي تفتح الباب للإسلام الآخر، ولعله الإسلام الحقيقي، إسلام التسامح والتحاور والثراء الإنساني والعقل والفقه. »إسلام اللاعنف«، كما يصر على تأكيده هو، »إلا متى اضطر للدفاع عن النفس«. ومع السيد فضل الله يرتدي الإسلام ثوب »البراغماتية« والواقعية ليضمن إسلاما مشبعا بالإحتكاك مع الآخر وجدلية الحوار والتعاطي السياسي مع النظام والتفاعل مع أرضيته. وإن ارتكاز الحركة الإسلامية على البعد التجريبي يكشف ان ليس هناك حركة إسلامية واحدة بل حركات، تتفاوت بينها درجات نضوجها، والبعض (الأكثرية؟) لم تبلغ »الرشد السياسي« حسب قول العلامة فضل الله، وقد دخلت تلك المفردات القاموس الإسلامي اللبناني. فالتجربة الجزائرية تدل كم ان »الحركات الإسلامية تختلف بدرجة وعيها وتمثلها للإسلام«، على حد قوله. ولعل أبرز ما أحرزته الحركة الإسلامية في لبنان من خلال تجربتها هو أنها باتت مؤهلة لأن تلعب دورا رائدا، على الصعيد الإقليمي، كنموذج يحتذى به لصالح تطور المجتمع الإسلامي وتحسين صورة الإسلام المشوهة في الغرب، وخاصة أن مشروعيتها تنهل من معين المقاومة في الجنوب ضد الإحتلال الإسرائيلي فتكسبها شعورا بالاعتزاز والتفوق، وهي وضعت المعركة في إطارها الصحيح بدل ان تنقلب ضد الداخل، في حركة تدميرية تنزف المجتمع وتقضي على روح الإسلام فيها. هذا ما يؤكده السيد فضل الله عندما يعتبر »ان التجربة الجديدة التي تعيشها المقاومة الإسلامية، سواء في لبنان أو في فلسطين، تصلح لأن تكون نموذجا لمثل هذه التوترات الحركية المستقبلية، باعتبار اننا نلاحظ أن المقاومة الإسلامية في لبنان كفت عن أن تقف في مواجهة النظام اللبناني ووجهت كل قوتها نحو إسرائيل«. وهو حريص على أن يذكر بأن »الهزائم العربية امام اسرائيل وسقوط فلسطين في يد اليهود هي العمق الفكري للحركة الإسلامية«. »فالمسألة الفلسطينية بكل خطوطها الترسانية وبكل مواقع الإحساس فيها وبكل الظروف التي واكبتها، هي أساس الحركة الإسلامية«. لذا، فعلى الحركة الإسلامية ألا تضيع نفسها في متاهات الصراع الداخلي، وعليه، فإن »البراغماتية« أدت بها في لبنان الى ان تتفهم طبيعة النظام اللبناني وتنوع مجتمعه الطائفي والثقافي وأن تقتحم ساحة الحوار الديني والسياسي والحزبي والمؤسساتي، فتراها كأنها باتت احدى مكونات هذا النظام الذي درست تفاصيله بدقة. إن هذا التحول الذي تمليه على الحركة فردية الواقع الوطني قد تؤدي بها الى نوع من »الإسلامية الوطنية«، اذا جاز التعبير، »فليس معنى كوننا إسلاميين ان نتنكر لوجودنا الوطني«، كما يقول السيد فضل الله: »فنحن نقول ان كل حركة إسلامية يجب ان تعيش مشاكل وطنها (...) فالإسلام عملي عندما يحاول ان يهتم بشؤون أتباعه الوطنية، ولكننا لا نعتبر الوطن سجنا نسجن طموحاتنا او حركتنا فيه«. وهذا التبدل الحاصل في المصطلح الإسلامي انما يعكس تبدلا آخر على الصعيد الإقليمي، وهو ما ظهر في خطاب المرشد الروحي الإيراني خامنئي من إنكفاء عن سياسة تصدير الثورة الإسلامية. يعلق السيد فضل الله على ذلك قائلا: »إن هذه الكلمة (تصدير الثورة) هي مصطلح عربي ولم تكن مصطلحا إسلاميا«. ولعل التحول الكبير الذي فرضته البراغماتية والواقعية على الحركات الإسلامية هو الذي يؤدي اليوم الى التقبل الضمني لواقع التسوية مع إسرائيل، خاصة بعد الإعلان عن تقدم في مسيرة المفاوضات السورية الإسرائيلية ويؤدي هذا التقبل القسري الى الإعتراف بتحقيق أهداف المقاومة مع انسحاب القوات الإسرائيلية من جنوب لبنان »فإن مسألة سقوط مبررات الحرب في الجنوب عندما يتحرر الجنوب هو أمر طبيعي بعد الانسحاب الاسرائيلي«، يقول السيد فضل الله، وهو يعتبر ان هذا السلام ليس سوى »هدنة واقعية تفرضها الظروف«. وهو يبعد شبح الصدام المسلح بين عناصر »حزب الله« والدولة اللبنانية، عبر الجيش، من أجل سحب السلاح، »فالدولة أعقل من أن تصطدم بالمقاومة، خصوصا في ظروفها الإقليمية«، كما أن المقاومة تملك رشدا سياسيا يجعلها لا تغامر بالإصطدام بالدولة«. لكنه يعتبر ان »إلحاح الإسرائيليين لحماية عملائهم في المنطقة الحدودية والإصرار على ان يدخلوا في صفوف الجيش وداخل التركيبة اللبنانية سوف يعقد الحل«. وهو لا يتصور ان مسألة المفاوضات اللبنانية الاسرائيلية سهلة حيث ان »الجنوب والبقاع الغربي سوف لن يكونا جزءا لبنانيا حرا«. »فقد تكون هناك انسحابات ولكن المسألة هي انه قد لا يسمح للجيش اللبناني بأن يتواجد في المنطقة الحدودية بكثافة كبيرة، وقد لا يسمح لسلاح الجو اللبناني بأن يأخذ حريته عندما يريد ان يطير فوق الجنوب او حتى للطائرات المدنية«. ويعتبر السيد فضل الله انه لن يحدث تطبيع كبير بين سوريا واسرائيل من خلال عملية توقيع الصلح وان »لبنان سوف يكون أقل انفتاحا من الدول الأخرى في هذا المجال«. وعن مصير العلاقات السورية الإيرانية يقول العلامة فضل الله انه في حال تم توقيع صلح بين سوريا واسرائيل، فإن »ايران تقدر لسوريا وضعها العربي والضغوط التي تفرض عليها والتي تجعلها تتحرك في بعض الحالات بما قد لا تريده«. وبطبيعة الحال، فإن التفاهم العميق بين القيادة السورية والقيادة الإيرانية يمنع تحول هذا الإختلاف بالمواقع الى صدام يتخذ لون الصراع السياسي«. أما في ما يتعلق بأميركا، »فإننا نزعم ان اميركا الشرق أوسطية هي ليست أميركا بل هي اسرائيل اذ ان »اميركا التي تنحني لإسرائيل بهذه الطريقة لا يمكن ان تكون أميركية في الشرق الأوسط«. ويعتبر السيد فضل الله ان الولايات المتحدة »أخطأت في فهم الثورة الإسلامية في ايران«، وهذا ما يفسر تخليها عن نظام الشاه، ظنا منها »ان ثورة مشايخ ورجال دين يمكن احتواءها«. وإذ يؤكد ان موقع ايران أصعب من أن تعزل، ويتكلم عن المحور الروسي الإيراني الحالي، خاصة بعد ان »أصيبت روسيا بالخيبة من الوعود الأميركية والأوروبية في تحسين اقتصادها وفي إبقاء موقعها في مواقع القوة«، يتكلم السيد فضل الله عن »الواقع العالمي الجديد«، ومفاده حماية مصالح الغرب،رافضا تسميته »بالنظام العالمي الجديد«. عندما يستقبلك العلامة السيد محمد حسين فضل الله في بيته في الضاحية الجنوبية، وهو جالس في مقعده بهيبة ورصانة، يتفحصك بعينين ثاقبتين لا تخلوان من الدهاء وهو يرحب بك بأرقى كلمات الضيافة، وسرعان ما يكتشف زائره ان العلامة، سيد الحديث كما هو سيد المكان. وقد خولته تجربته الشخصية، من لبنان الى العراق الى ايران، وانفتاح أفقه الفقهي والديني والسياسي على العالم العربي الممتد من لبنان حتى الخليج مرورا بسوريا وايران، ان يمارس سلطة اقليمية وليس فقط لبنانية، فيطل على العالم الإسلامي اليوم كوجه إصلاحي مميز وكشخصية إسلامية نيرة، قادرة على ان تضفي »القماش النوعي« لحركة إسلامية باتت معالمها مشوهة ومرعبة في كثير من الأحيان، في مختلف الأقطار العربية، بفعل العنف الذي تلجأ اليه، الجسدي والمعنوي. وهو، اذ يفند بلهجته الخاصة وبقدرته الجدلية الفائقة، الأفكار المسبقة المنتشرة حول »الأصولي«، يرفض هذه التسمية ويعتبرها »مصطلحا غربيا لا ينطبق على خط الحركة الإسلامية في واقعها، ولاسيما في لبنان«، لأن المصطلح هذا يتسم بالعنف وإلغاء الآخر و»الإسلام لا يلغي الآخر«. وقد درجت العادة على ان يطلق على السيد فضل الله لقب »المرشد الروحي لحزب الله«، إلا أنه يربط نفسه بالحركة الإسلامية الأشمل، نظرا لآفاقه الإقليمية. واذ تدخل معه في الحديث المستفيض الذي تنشره »السفير« على حلقتين، ابتداء من الغد يلقي العلامة الضوء على زوايا ومنطق التيار الإسلامي ومستقبله في المنطقة وعلاقته مع الأنظمة القائمة في العالم العربي ومع إسرائيل في عهد التسوية فإلى الغد.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة