As Safir Logo
المصدر:

عرض.مسرحيتان عن الحرب في لندن:من الأحساس بالذنب ألى الوقوع في الخوف(صورة)

المؤلف: الخوري ميخائيل التاريخ: 1995-06-30 رقم العدد:7120

عرف ثيرنس انه لا ضرورة للتشدق بكلمة الوطنية: هو يعلم ان الحرب العالمية الثانية كانت بالنسبة اليه حرباً وطنية في الاساس. وذلك نعرفه حالياً بعد ان اخذ المؤرخون ينقبون في خفايا المحفوظات في »هوايت هول«، ليتبين لهم ان تشرشل كان يواجه بعض المعارضة من حزبه في البداية، لكنها اخذت تتلاشى شيئاً فشيئاً اذ ادركت البلاد انه لا بد من الانتصار في الحرب التي تخوضها؛ كذلك كانت لها فكرة واضحة عن سبب هذه الضرورة. الشوفينية والوطنية الظاهر في الوقت الحاضر ان »الوطنية« باتت غير مألوفة، وكأنها باتت تلتبس مع الشوفينية، او المغالاة في المشاعر القومية والعجرفة الساذجة. انها لم تعد تعتبر قضية حياة او موت. الوقت يمر، والحرب العالمية الثانية التي انتهت منذ نصف قرن، تشكل لنا العصر الذي نعيش فيه حالياً، مع ان قلة من قادة العالم في الآونة الحاضرة عرفوا الخدمة الفعلية فيها. السير ادوارد هيث واللورد كالاهان هما آخر رئيسي وزارة بريطانية خاضاها؛ الحرب الفيتنامية قضت بالنسبة للكثيرين من الناس على فكرة الحرب بالذات، لانها كانت، من ناحية رديئة من حيث الفكرة، ولانها، من ناحية اخرى، انتهت الى الفشل. ثم ان الانخراط في الجيش لم يعد في الوقت الحاضر مهمة وطنية، او مهنة، في وقت ندرت فيه المهن. وها هي مسرحية »ابناؤنا« الآسرة، لجوناثان لويس، في مسرح »الدونمار« تتناول العسكري في العصر الحالي. الواقع في اعتقادي ان جوناثان لويس، وعمره 31 سنة، لا بد له من ان يقدر مسرحية »الممر الباهر الانوار« لثيرنس لانه يدرك انها ترفض ان تكون صرخة حادة، ولانه، على ما يرجح، يعترف بان ثيرنس لا يتظاهر. »ابناؤنا« موضوعة في مستشفى عسكري سنة 1984؛ اشخاصها جندي مرشح لرتبة ضابط وخمسة جنود عاديين؛ وأقوى ما يجمع بينهم بغضهم للضباط. اما في مسرحية »الممر الباهر الانوار« فنجد العلاقة بين المراتب العسكرية سهلة مقبولة. لا احقاد اجتماعية هنا، بل محض حدود اجتماعية فاصلة، يسلم بها الجميع بهدوء. الرقيب ميلر (بول رايدر) يحب الضابط الطيار غراهام (غاي لانكستر) ويحترمه لانه يثق به طياراً قائداً؛ ويرد غراهام اليه هذه التحية بمثلها لانه يرى في ميلر جندياً شجاعاً مثابراً على العمل. الذنب لعل ثيرنس يبالغ في تزويق صورة هذه العلاقات، لكنها صحيحة واقعية؛ هو يقدم لنا صورة واضحة، جريئة للضابط الشاب المعذب باحساسه بالذنب لشعوره بالخوف والجبن، ولذعره المكتوم لاحتمال افتقاره الى القوة المعنوية. الرقيب ميلر لا يتنبه الى ما يحس به غراهام من مذلة، اما نحن فاننا نرى ذلك، وهو لذلك يستحق التقدير الادبي لانه لا يتكتم عن شيء في نفسه. وهنا يقدم لانكستر انجازاً يثير المشاعر آسراً، ومعذباً كذلك، ويعرض النضج والمهارة في تمثيل دور انسان هو في الوقت ذاته غير ناضج وغير ماهر، وراء ثرثرة غراهام الرقيقة من ابن الطبقة الوسطى، نفس مذعورة لانها تشد بقوة وبألم نحو البلوغ والرشد. المسرحية وانتاج اندروهاي لها يذكراننا بصغر سن الشبان الذين انقذوا هذه البلاد؛ هذا هو غراهام يجازف بحياته: على انه كذلك يخضع لامتحان استحقاق الحياة. ثم ان هنالك شيئاً لا يعرفه غراهام، وهو ان زوجته الشابة بتريشيا (برباره ويلشير) التي يكاد لا يعرفها حق المعرفة كانت قد اقامت علاقة بين الفينة والاخرى بنجم بريطاني في هوليوود، عمره 45 سنة: اسمه بيتر كايل (نيكي هنسون) الذي عاد اليها يذكرها بحبهما القديم، ويدعوها الى العودة اليه. حبكة قلقة الى حد، غير انها ترسم لنا احساساً مؤلماً بالمواجهة بين رجل خبر العالم، مخلص، لكنه اناني، وامرأة شابة بدأت لتوها تتعرف الى المشاعر الحقيقية والى سبب ايلامها احياناً. »ما معنى الواجب في كل حال؟« هكذا يسألها بيتر. هنا لب المسألة، قلب المسرحية. بذلك يعني تيرنس ان الانسان يعرف واجبه اثناء قيامه به: كذلك هو يعرف ما معنى الحياة بان يعيش حياته. هنا يصرخ احدهم: »عليكم ان تكسبوا هذه الحرب بأية طريقة«؛ ويأتي الجواب: »رباه، كيف؟« المسألة هنا هي ان الواجب والوطنية مفهومان واضحان، راسخان بعمق في كل انسان؛ ان التنصل العابث هنا لا يضير. وللمسرحية نهاية سعيدة، الى حد ما، قدمها انجازان رائعان مشرقان، احدهما قام به تيري تبلين النبيل البولوني الذي يحارب مع سلاح الطيران الملكي،. والثاني عرضته امندا هاريس بصفتها زوجته الانكليزية المحبة من الطبقة الوسطى الدنيا، ولو انها لم تكن تفهمه تمام الفهم. اما مسرحية جوناثان لويس فيمكن ان تكون جرت على كوكب آخر. اول ما يحدث عند وصول الشاب المرشح لرتبة ضابط الى جناحه في المستشفى هو عرض الواقع في اطار الحدود الاجتماعية. هنا رجل (سين جيلدر) ضحية من ألسر؛ وهناك (لويد اوين) ضحية قذيفة ارهابية في لندن؛ واثنان (بيري فنويك وجايك وود) مصابان بجراح بليغة في حرب المالاوين؛ اولهما اصيب نتيجة خطأ مباشر ارتكبه ضابط غير كفء؛ ميك (ايان دن) في المستشفى لاجراء عملية جراحية عادية له. جميعهم اشداء، لكنهم معرضون للخطر؛ مصابون متألمون ومضرورن كذلك؛ قساة غير انهم رقيقو الاحاسيس؛ تواقون الى ممارسة الجنس، عدوانيون، مرتابون. تلك هي المجموعة التي يجب على الشاب المرشح لرتبة ضابط، وهو من الطبقة الوسطى (مارشتون بلوم)، ان يندمج فيها. والرابط الجامع بين هؤلاء هو الحقد والشك؛ والمسرحية ليست ضد الحرب؛ هي مسرحية تتناول ما يحدث بعدها؛ تتناول كيفية معاملة القوات المسلحة للمصابين معنوياً، لذوي الجروح النفسية، هي صورة بشعة. وليس من الصدفة ان لا يحضر اي ممرضة، او طبيب، او معالج نفساني، جوناثان يكتب عن الارواح المهملة. »افعلوا ذلك«. يقول احدهم حين تحاول المجموعة ان تخدع السلطات. »الكل كواحد، وواحد في سبيل الكل«. هنا نجد ان روح الجيش السابقة من تبادل التعاون والاعتماد قد تحولت الى معركة خبيثة بين ذوي الدهاء والفطنة، والتضامن هنا ليس في وجه العدو بل في وجه السلطات. »انت لا تقوم بذلك من اجل الملكة والبلاد«. يقول احدهم بصوت اشبه بالنباح. »انت تفعل ذلك من اجل اخوانك«. ولعل الكاتب يتمنى لو ان كبار المسؤولين في وزارة الدفاع يشاهدون هذه المسرحية. هي ليست، في الواقع، مضادة للجيش انما ينبغي لها ان تكون تحذيراً قوياً بخصوص مسؤولية الامة الادبية حيال جرحاها، والمذعورين، والمحرومين الذين دافعوا عنها بأرواحهم. ان القول بان الوطنية لم تكن حافزهم لا مجال له هنا. باري، احد ضحايا حرب المالاوين يقول: »لا شيء انطلق منه، لا شيء«. كيف يشعر المرء حين يحارب الناس من اجل بلادهم لان بلادهم لا تستطيع، بكل بساطة، ان تقدم لهم اي شيء آخر يفعلونه على وجه افضل؟ هل المسؤولية نحوهم حين يصابون بالاذى، او بالذعر، تزيد ام تنقص؟ وكأن هذه المسرحية تعالج رواسب حرب؟ حقاً ان حبكة مسرحية جوناثان تدور حول قضية تافهة، لكن ذلك في الواقع غير هام. المسرحية هذه ليست مسرحية »حبكة« بقدر ما هي لوحة حية معروضة بمهارة وبقسوة يمكن للمشاهد ان »يقرأ« فيها مثلما »يقرأ« الحكايات في الرسوم القديمة أو ما يعرف بالقوى التي »تقولب« له عالمه. اعتقد ان جوناثان يريد ان يقول ان الناس لا يشعرون بالولاء، واحدهم نحو الآخر، حين يشعرون ان الملكة والبلاد غير مخلصين لهم. وكلمة »الوطنية« لا ذكر لها في مسرحية »ابناؤنا« ايضاً، لكن المشاهد يدرك في نهاية هذه المسرحية الموجعة، المثيرة، العابثة ولو بصورة لاذعة ورهيبة، ان ذلك مرده الى سبب آخر أشد غموضاً وخطورة. اعداد: ميخائيل الخوري عن »الصنداي تايمز«

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة