As Safir Logo
المصدر:

أمرأة متحررة للعرض(راجعته عناية جابر)

المؤلف: الرحبي ميّة التاريخ: 1995-06-24 رقم العدد:7114

»امرأة متحررة للعرض« مجموعة قصصية للدكتورة مية الرحبي، صادرة حديثاً عن »دار الاهالي«، دمشق، تعرض في حيثياتها، يوميات خاوية، ضاجة بالوحدة والصمت، حيال الخواء تغدو الروح متبصرة، كما تغدو الاشياء مضخمة وأوفر عندما تشتد الحاجة اليها وتلح، الجلبة البسيطة تصبح موسيقى، والزائر يستحيل فرحاً طال انتظاره، والذكريات زاد وحيد في محاولة عقيمة لاستعادة عالم مليء بالشباب والاسرة والصحبة الجيدة. (عبر، احتضار، ارملة، لحظة وداع، يوم في حياة استاذة جامعية، قصة حب، مفاجأة، امرأة متحررة للعرض، انتظار،...) مجموعة عناوين اخرى، تشير في الغالب، الى مناخ عجز انساني، ازاء التخلي التام الذي يعانيه كائن بشري، لما تبدأ لاجدواه، بحسب المعايير المجتمعية البالية، وينحسر عمره عن جملة خسارات يداريها وحيداً منفرداً، الا من حنينه الى ايام ولّت. احببت اكثر، انتظار، لما حفلت به من وصف مرهف ليوم اخير في حياة ضرير »ابا ياسين« الذي زخرت ايامه الاولى، وسنين شبابه، بأسرة هانئة وزوجة محبة، كان »أبا ياسين« استبدلها بعينيه الكفيفتين، ورأى الحياة رضية من خلالها، لما بذلته المرأة في سبيل الا يهوي تحت وطأة العمى، وأضغاثه القاسية. ثمة قلم، بالغ الحنو، ثاقب الرؤية في وصفه حال الضرير، الذي انفض عنه الابناء، اثر وفاة الزوجة، تاركة الرجل الى مصيره الطافح بالبؤس، منتهياً الى موت مأساوي على اريكته الاثيرة، وحيداً يعاني عاهته وتخلي الجميع عنه، حاضناً صندوق ذكرياته، الحاوي صوراً قديمة، كان الضرير يتعرف اليها ويفرق بين كل منها، باللمس، لما يمرر اصابعه النحيلة على اطرها المختلفة. مجموعة اولى للكاتبة الرحبي، شأنها شأن المجموعات الاولى، ترتد الى مصادر، وان بدت غير مرئية. ولكن ما يميز مجموعة الرحبي، انها تجيء من حيث يجب ان تأتي، اي ان مصدرها هم تعبيري خالص، بعيداً عن الشكلية والتشكيلية في آن، اذ ان المحاولة غير المرهونة بنسق، في بحثها البديهي عنه، تكتنفها حال من العفوية، طازجة ومنعشة ورحبة، تنجيها من الوقوع في مطب التهويم الادبي، او في مطب الادعاء. عفوية متناهية، تلك سمة اساس في »امرأة متحررة للعرض«، عنوان يمتد طويلاً ورحباً على كامل الصفحات وروحها. كما ان القصص تأتي كتل تعبير، وليست بنى تعبير. من هنا، عدم طرحها هموم اللغة، ولا هموم اقامة متون لغوية تستقيم على بحث، بعيداً عن هدأة بال او هدأة اسلوب او ما يقع في باب الروية حكماً. اللغة، هي ما يقال، وما يكتب، ونحن، حيال المجموعة، امام نموذج في طريقه الى بغيته، التي قد يصلها، او يلتف عليها. اذ ان التجربة مقترنة تماماً بالمعيش، لما ان ما نقرأه هو ما عاشته وعانته السيدة الكاتبة على ما يبدو، وما نراه خلف الكتابة، هو خميرة هذه التجربة، التي تبحث عن متنفسها في منطق الازمة، من خلال ابراز منطوق غير واضح المعالم، وغير متهيب في حال وجوده. عفوية وتلقائية، تشكلان عتبة على روح مقهورة، لا تأسن في قهرها، بل تحاول ان تتعداه في كتابة تتمرأى الكاتبة فيها نفسها، وتنشر كوامنها التواقة الى الحياة الحقة، شغفها بالحياة وحريتها، وشغفها بقهر الموت، الواقف عند العتبة نفسها. »فتحت المذياع، اغنية راقصة، وقفت امام المرآة وبدأت ترقص، اهتز جسدها اهتزازات رافضة لكل هالات الوقار الصباحية. كانت الموسيقى تتسارع وجسدها يرقص تمرده ورفضه، سال عرقها، لهثت. توقفت الموسيقى، استلقت على سريرها، قهقهت، ليت زميلها يراها كيف ترقص وتضحك لجن جنونه. تأملت وجهها في المرآة، عكست المرآة وجهاً جليدياً، منحته السنون قناعاً حديدياً، يقف حائلاً دون اية عاطفة تغامر بالطفو من العمق الى السطح، مدت يدها الى الدرج وأخرجت ادوات زينة، خطت بيد غير خبيرة الكحل فوق عينيها، حمرت خديها والشفتين، تأملت المرآة، طالعها وجه غريب يحدق بها ببلاهة، انفجرت ضاحكة« (ص24). ننتظر ونواكب، مجموعة اخرى، لكي نقرأ تحولاً او توجهاً، يقع في سياق، ذي بداية ومرتجى. مع ذلك ننحاز من دون رضى، الى مجموعة الرحبي التي تعد كتابتها، بالقفز فوق هذا الالتباس. عناية جابر

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة