يتفحص ابو ابراهيم زبائنه بدقة بالغة، فهو، حسب اعترافه، قادر على »تصنيف طبقتهم الاجتماعية (ويقصد الاقتصادية) من نظرة واحدة ثاقبة ومعمقة«، وبناء عليه يحدد صديقنا سعر فاكهته وخضاره ونوعيتها وربما قراره بالبيع ام لا... »فبعضهم لا يبدو عليهم هيئة النعمة والثراء ولذلك لا أتعب قلبي في مساومتهم«. ويركن ابو ابراهيم »عربته« المزدانة »بطيبات« الفواكه النادرة منها والمألوفة، في زاوية من زوايا شارع الشهيد رشيد كرامي اختارها بعناية، آخذا بعين الاعتبار شكل الابنية وفخامتها وجمال هندستها، ونوعية السيارات وحداثتها، وهو وبرغم القرار بمنع العربات المتنقلة لم يزل يجد وسيلة مضمونة لتدبير رزقه »فأنا احضر صباحا باكرا جدا ولا اتحرك من مكاني حتى ساعة متأخرة من المساء«. وابو ابراهيم المستأنس بجيرته للميسورين من المواطنين، يستذكر بنفور تجربته منذ ثلاث سنوات في سوق خضار منطقة برج المر »تنذكر وما تنعاد... عشرون من باعة الفاكهة والخضار بالقرب منك وكل واحد يكسر السعر لكي يبيع اكثر منك... كانت ايام قهر وخسارة... حتى الناس هناك تساوم كثيرا وام العائلة بتطلّع الروح قبل ما تشتري بالالف ليرة!«. طبعا لن يفكر ابو ابراهيم بطريقة مختلفة فأنت، ومن زيارتك له، ستتأكد فورا، ومن خلال اسعاره، حجم الارباح التي يتقاضاها على شرف الشارع وسمعته، فقد تجد ما بين 2000 و3000 ليرة كفرق عن المحلات العادية في المناطق الشعبية على الاقل، ومع ذلك لديه تبريره ونظريته في الامر، »بضاعتي باب اول، كما ان زبائني لا يشتكون لأنهم يهتمون بالحصول على الافضل دائما، ولذا فهم يفضلونني على افخم اي »سوبرماركت« موجودة في المنطقة، وانا لا اخفي بأني اربح والحمد لله ما يمكّنني من تربية اولادي الثلاثة مع مصاريفهم«. } سناء عبد الواحد نموذج عن زبائن صديقنا، فهي وبرغم انها تسكن في عين المريسة، فإنها تستغل زيارتها لأهلها في المنطقة لشراء فاكهتها من جارها القديم، »في حيّنا سوق للخضار ولكنه مزدحم كثيرا، ولا اخفي عليك ان بضاعته لا تعجبني كثيرا، رغم ان اسعاره اقل من اسعار ابو ابراهيم.. فقد حصل مرة ان سألت عن سعر الجنارك تحت (اي في عين المريسة) فإذا بها ارخص ب 2500 ليرة عن سعر ابو ابراهيم... ولكنني معتادة عليه وعلى فاكهته.. انه يحسن معاملتنا...«. حي السلّم وهناك عميقا في حي السلم تصطف العربات على جانبي الطرق الضيقة، تتعالى الاصوات معلنة »تكسير الاسعار«، تتهافت السيدات ويتم البيع غالبا بما يشبه الجملة »ابو محمد، اعطني 5 كيلو كرز.. نقيهم مليح وعجل شوي رح يرجع ابو عباس والاولاد من الشغل«. وكيلو الكرز كما غيره من السلع يقل سعره في حي السلم والمناطق الشعبية الاخرى على الاقل ما بين 1000 و1500 ليرة عن المناطق الميسورة، »صحيح الحبة صغيرة شوي بس والله متل السكر وكله كرز بالنهاية ويحتوي على كل المكونات المغذية ايضا...«. } وام محمد التي تتصرف وفق هذه »الايديولوجية«، لا تهتم لحجم حبة الفاكهة او لونها، »صاحب العيلة بيشيل وبيمشي، اذا بدي اشتري كيلو تفاح »باب اول« يعني احمر وكبير ب 3000 ليرة بيطلع لي 4 حبات وانا عندي ستة اولاد... شو التفاحة الصغيرة ما بتسوى؟«. } أما جانيت مبارك وبرغم انها تسكن في سن الفيل فإنها تتسوق من النبعة، »الاسعار ملطفة هون شوي لأن المنطقة شعبية.. وانا اعتمدت هذه الطريقة بعدما اشتريت بالصدفة من هناك ورأيت الفارق الكبير، خصوصا في غياب مراقبة الاسعار والتسعيرة الموحدة للسلع والبضائع...«. } وتعترف ام علي (صاحبة محل خضار وفاكهة في النبعة) بأنها لا تشتري البضاعة الممتازة، »لأنني ان فعلت فلن ابيع لأكثر من زبون او اثنين على الاكثر، فالغالبية هنا تركض وراء السعر المنخفض، وأود القول انه وحتى هذه النوعية الموجودة عندي، يتم بيعها في امكنة اخرى، مثلا على اوتوستراد جل الديب والضبية بأسعار أغلى مرة او مرتين عنّا، فالباعة هناك يستغلون موقع الطريق وحركة السير الكثيفة عليه ليحققوا الارباح الكبيرة«. وتستشهد ام علي بإبن جارتها الذي »يبسط« خضاره في الضبية »فهو يذهب مع ابني صباحا ويشتريان بضاعتهما من المكان نفسه، ومع ذلك فهو يقول لنا بأنه يربح اكثر منا بكثير«. وللتأكد من هذا الفارق في الاسعار الذي يحدثونك عنه، ما عليك سوى القيام بجولة على عربات ومحلات الخضار في بيروت بشقيها الشرقي والغربي وبمناطقها الشعبية والبرجوازية لترى الفروقات المدهشة في الاسعار والتي تتعدى الخضار والفاكهة لتطال كل السلع الغذائية منها والمنزلية على حد سواء. إنها »طبقية« الخضار والفاكهة تضاف الى طبقية الحياة بكل اوجهها من المنزل الى الجامعة، فالسيارة والملابس والمدارس، وحتى تسريحة الشعر والنظارات الشمسية، فكيف بالعدسات اللاصقة الملونة... وأنت في تسوقك اقصد الاسواق الشعبية و»غض الطرف« عن شكل حبات الفاكهة والخضار واهتم بطعمها وفوائدها على صحتك وجيبك في آن. اقنع نفسك بما تيسّر كما تفعل في كل نواحي مسيرتك وضع نصب عينيك امثولة »إن لم يكن ما تريد فأرد ما يكون«. وهذه ليست دعوة الى الاستسلام والانهزامية، فنحن نتحدث هنا عن علاقتك بالخضار والفاكهة فقط لا غير... سعدى علّوه