يهرم من روحه لا من جسده، محمد أبي سمرا، حين الاقامة الفرنسية الطويلة كما في »الرجل السابق« روايته الجديدة بعد »بولين واطيافها« الصادرة (عن »دار الجديد«، في بيروت)، حررته الى حد، من تبعة الماضي المثلوم من وطأته، خيبة روحه، وخيبات جسده الضئيل، بدت كأزهار سوداء تشابه عباءات نسوة حي سليم مسعد، حيث ولد الكاتب، وحيث دُمِغ صباه، بوشم شقاء طويل، حين استعصى على محمد الشفاء منه. ثمة غواية الصوغ، وقدرة على التكثيف، في »الرجل السابق« تكادان من شدتهما ان تردا الى روح الصياغة في المخطوطات القديمة، وان كان محمد ابي سمرا ما يزال يخوض في سيرته الذاتية، او كأن »الرجل السابق« تسمية ارتدادية، تحيل على حكاية الرجل في »بولين واطيافها« كما هي حكايته الان. مع الاعتراف بأن السيرة هنا، متخمة بعناصرها الخاصة، ولا يعيبها ان تشكل مستندù للراوي. قساوة ما يلفت في »الرجل السابق« قساوتها، قساوة حنانها، او حنانها القاسي، وهي قساوة لا تحاكي قشورù، بقدر محاولتها التطهر، ولمرة اخيرة، من جملة صفعات موجعات، وكدمات ورضوض وندوب، على شريط العمر الطري، والقلب الذي لم يجد نديمه. من هنا تتأتى الحاجة الى الاعتراف، جرأته، في تسمية ما يحبه الكاتب فعلاً، وما يكرهه بالتحديد. النزعة التطهرية لازمة وظيفية وليست عنصرù، بل متن تقوم عليه الرواية في اتجاهها الممتد من خلال رؤية ومنظور معينين. هي القسوة الطالعة من تصديها، لهيئات اولاً، تقاسيم وجوه، وسُحن، وتعابير، تصل حدود سبر علاقات تبدو بالمطلق قدسية، لما انها تئن في الحقيقة، من دنس متبادل، وكراهية فاضحة، تُدرك الام التي لم تعرف هبة الحب ولا كرمه، والأب الغائم الملامح والعاطفة في ظل لؤم الأم في صدفتها المغلقة، على الزوج والابناء والجارات وحي مسعد بالكامل. كما على رغبات دنيوية شتى. يعاني الكاتب مراهقته وزواجه وانجابه، مثلث فرويدي النزعة يميل الى قراءة »بارابسيكولوجية« لا تقفز فوق تفصيل. بل تعتبر التفاصيل قرار القراءة المودية الى بؤرة التذكر، حيث الحياة في طهرها الاول قبل انتكاسه، قبل تضاعف انتكاسه ونحوه مناحيه الخرافية. »لا، ليس عنقي وجوزتي وحدهما ما اخالني ورثته عنها. فالخشونة التي امقتها في صوتي واحاول ابتلاعها، كي اخرجه رقيقù انيقù من حنجرتي، احسب ايضù انها تحدرت الي من صوتها الذي في ازدراء كانت تطلعه من جوفها، بدل ان تخجلها نبرته الوسخة الشبيهة بالقيء. كان جسمي ينقبض ويضطرب تنفسي حين كنت اراها تمط عنقها وترفع رأسها لتطلق ذلك الصوت الذي من حقد كانت تتسع له حدقتا عينيها، كأنها برأسها كانت تتكلم. لا اذكر انني سمعت مرة ذلك الصوت يكلمني من دنو ويخصَّني او اخوتي وأبي بكلام به ألفة القرب الخافتة. كأن النقمة والمهانة وحدهما كانا جديرين بنا«. (ص 15) جزالة التذكَّر قساوة الكاتب في نصه، تطلبه العادل ام الحنان، توازيها جزالة في التذكَّر والرصد والسرد. وتلك ادوات يستعين بها بلغة مرفوعة كسارية، فوق عاديات الهموم. لغة عذبة على عذاباتها، جذلة على شدة ما تقول، مشدودة وموتورة ومتوترة، وتحاكينا فنقبل كل ما يقوله الكاتب، اغلب ما يقول. فخامة اللغة لا تقع في »الرجل السابق« في هامش المجاني. ولكنها، وحدها، ما يبرر في احيان، تلك الاضاءات الشرسة على مراحل تجمعها اللغة بدل ان تنعفها. »الرجل السابق« محاكاة شخصية، نجوى الذات للذات او مونولوج الراوي الذي يرتقي الى تعدده، وهو يقاتل على طريقته، وحيدù منفردù مكسورù، ضاحكù ضحكة اليائس المرير الذي يعقبه هوة صمت سحيق، باكيù عن حق، عن يُتم بعناصره الحقة، عن حاجة الى لفت الانتباه تبررها غربة طويلة جمة. علاقات اخرى لا الزواج خلاص ولا مدلولاته، لما الصمت بقي صمتù موزعù بالتساوي على غرف روحه وبيوت فرنسا بالكامل. وحين العودة، لا شيء أيقظ الروح، لم كان الرهان الاخير. جرأة الكاتب لم تتعد علاقة الرحم، كالأم والأب والأخوة والأصحاب تاليù، في حين بقي شاغرù لمزيد من الكلام الشجي عن علاقات اخرى. واوشكت الكآبة الثقيلة، الراخية بكلها على الرواية ان تغدو عبئù على صدر القارئ، عندما لا يغالب الكاتب حسù تعيسù ومرافقù. ولا يعدو الامر منتهى صدق الراوي، بقدر ما وددنا لو انصاع لبرهات، ازاء تذكَّر مشرق، ان يمعن في اشراقه. كما أن ثمة فرجات لاحت لنا، وهيء لنا معها ان بامكان محمد ابي سمرا استثمارها لصالح جرأة الكتابة، وخوض غير المألوف، ونبش العنف الداخلي الكامن، وذريه في فضاء التعري الكامل لصالح رواية مختلفة، عنيت علاقاته النسائية القليلة التي جاءت متسترة، وتسمح كتابتها بقليل استطراد بعد، وقليل مناورة، مع قليل تخيَّل وجرأة. عناية جابر