As Safir Logo
المصدر:

أيطاليا-كندا-بلجيكا-فرنسا "لا يجوز اللعب مع الدين العام"

المؤلف: الخوري ميخائيل التاريخ: 1995-05-30 رقم العدد:7093

في عام 1335 عجز إدوارد الثالث، ملك انكلترا، عن تسديد الدين الذي كان قد اقترضه من اصحاب المصارف الايطالية. ومنذ ذلك الحين بات مستثمرو الاموال الدوليون ينظرون بعين قلقة وحذرة، الى الديون العامة المرتفعة. ومثل هذا القلق لا يزال قائما في الآونة الحاضرة، وليس من الصدفة اذا ان تكون الدول التي تميزت بالعام الماضي بانخفاض عملاتها وبزيادة الالتزامات المترتبة عليها، تتحمل العبء الاثقل من الديون. ومنذ بداية عام 1994 تدرج ريع السندات على الخزينة الايطالية لعشر سنوات من 5،4 نقاط، الى ان استقر على 13$، فيما لم تبلغ السندات الالمانية بالمقارنة مع ذلك الا 7$. غير أن ايطاليا ليست البلد الوحيد الغارق بالديون حتى الاذنين. وفي نهاية عام 1994 بلغ الدين العام الاجمالي اكثر من 120$ من اجمالي الدخل العام، بقدر ما هو في بلجيكا واليونان. وبالمقارنة مع ذلك بدا ان الدين العام الاميركي (65$ من اجمالي الدخل العام) معتدل الى حد ما. وينبغي للدين العام المرتفع ان يزعجنا للاسباب الاربعة التالية على الاقل: أثر الاستحقاق: القروض التي تلجأ اليها السلطات العامة بكثرة تهدد بتسبيب ارتفاع معدلات الفائدة مما ينزل الضرر بالاستثمار الخاص. التضخم: كثيرون هم الذين يخشون ان تقدم السلطات العامة على تمويل عجزها بالاسترسال باصدار النقد بدون تغطية فعلية بمثابة قرض صوري، وبذاك يميل اصحاب الاستثمارات الى المطالبة برفع معدل الفائدة، مما يؤدي الى تراكم عبء الدين. هامش المناورة في الميزانية: في فترة الركود، يمكن للدين الثقيل جدا ان يحد من طاقة الحكومات على دعم الطلب بتدابير تتصل بالميزانية. فخ الدين: للدين اذا تجاوز مستوى معينا خطر احداث حلقة مفرغة. والواقع ان زيادة الدين تعني زيادة الفائدة. فالاستدانة من جديد... وهكذا دواليك. ومع تراكم الدين الذي يزيد كذلك رفع معدلات الفائدة، تتزايد فعالية الحلقة المفرغة وكذلك اضرارها. حساب ذلك سهل. اذا كانت معدلات الفائدة الحقيقية اكثر ارتفاعا من معدلات النمو، كما هي الحال في الوقت الحاضر في البلدان الغنية، يصبح الدين محكوما »بالتضخم« الى ما لا نهاية، بحيث ان السلطات العامة لا تتوصل الى فائض في ميزانيتها الاولية (اي بعد دفعات الفائدة) ويكون مرتفعا الى حد كاف. والظاهر ان ايطاليا في الآونة الحاضرة اسيرة الدين الذي ترزح تحته. وعلى المسؤولين فيها ان يتوصلوا الى فائض في الميزانية الاولية يعادل على الاقل 5$ من اجمالي الدخل العام بغية تحقيق استقرار نسبة دين البلاد. وفي سنة 1994 لم يكن هذا الفائض اكثر من 1$. وبذلك لا يمكن للدين ان يتزايد الى ما لا نهاية له بمعدل يتجاوز قدرات السلطات العامة على ضمان خدمته، الا بالمجازفة بالوصول الى العجز عن التسديد. منذ عشرين سنة تنبأ الاقتصاديون بأن ايطاليا وسواها من الدول المبذرة تتجه بسرعة الى الخراب، مع انها كانت خلال الثمانينات من هذا القرن هي اول من عرف اقوى معدلات النمو بين دول اوروبا الكبيرة. كيف تختلف الحالة في الوقت الحاضر عنها من قبل ؟ في الوقت الحاضر اصبح الدين العام اكثر أهمية على المستوى العالمي. ومتوسط الدين الاجمالي لبلدان اوروبا الغربية كان سنة 1980 42$ من إجمال الدخل العام فيها، لكنه اصبح 71$ عام 1994. وبين هذه الدول، ليس غير بريطانيا العظمى والنرويج من عرفت نسبة الدين تنخفض خلال هذه الفترة. وفي تقديرات دول اوروبا الغربية، يمكن لمعدل الدين في البلدان الصناعية ان يستقر بين الآن والعام 2000 اذا ما اقدمت الدول المختلفة على تدابير فعالة لخفض ميزانياتها المعلنة، واذا ما بلغ متوسط معدل النمو بين 5،2$ و3$ خلال السنوات الخمس القادمة، واذا ما تدنت معدلات الفوائد الحقيقية الى 5،3$ بدلا من 5،4$ كما هي حاليا. والمعروف ان غالبية الدول الاوروبية كانت خلال السنوات العشرين الماضية تسجل معدلا للنمو دون 5،2$ وفي الحالات التي يكون فيها النمو اقل قوة، فيما ترتفع معدلات الفائدة الحقيقية اكثر مما تتوقعه دول الغرب الاوروبية، يستمر الدين في تزايده. وستكون بلجيكا وكندا وايطاليا هي الضحايا الرئيسية وسترى هذه الدول ان نسبة ديونها ستتجاوز 150$ ثم ان حالة السويد هي حالة مقلقة ايضا ففي سنة 1987 كان دينها يمثل 59$ من اجمالي الدخل العام مقابل 81$ في السنة الماضية. والمتوقع ان يبلغ 110$ حتى نهاية القرن. وهنالك سبب آخر جعل احتمال الدين اكثر صعوبة وهو ان الزيادة القوية لمعدلات الفائدة الحقيقية عائدة في جزء منها الى الخلل في القطاع المالي. لقد كان تمويل الدين الايطالي اشد يسرا في الثمانينات من هذا القرن. آنذاك كان الايطاليون يعدون بين اشد الناس حماسا في العالم لتحقيق التوفيرات، ثم ان الاسواق المالية في البلاد كانت خاضعة للسيطرة محمية بقوة بمراقبة سعر النقد. على اي مستوى يصبح الدين العام بالغ الثقل؟ الجواب على هذا السؤال صعب. الواقع ان المستوى المقبول يتوقف على عوامل منها الفارق بين معدلات الفائدة الحقيقية والنمو، ومعدل التوفير وتقلبات القروض العامة. وفي البلاد التي تقل فيها الدعوة من السلطات العامة الى الرساميل الاجنبية، كما في بلجيكا او ايطاليا، على سبيل المثال، يكون الدين الثقيل فيها اقرب للاحتمال على ما يرجح. على ان معدل تزايد الدين كبير الاهمية كذلك كمستوى الدين بالذات. ولنقارن هنا بين السويد وايرلندا. في الحالتين ترتفع نسبة الدين لاجمالي الدخل العام الى 80$ 90$ ومنذ بعض الوقت اخذ اصحاب الرساميل يبدون تعاطفا نحو ايرلندا التي اخذ دينها ينخفض بقوة منذ منتصف الثمانينات اشد مما هو نحو السويد التي لم تعد تستطيع السيطرة على دينها. كذلك ان حالة بلجيكا هامة؛ نسبة الدين فيها هي 142$ وهي العليا بين دول اوروبا الغربية. ثم ان الفائض الاولي بمعدل 3$ 4$ من اجمالي الدخل العام بين 1989 و1994 عمل على تحقيق الاستقرار وهو جهد لقي مكافأة بخفض معدل الفائدة عليها مع المانيا. وليست نسبة الدين بذاتها مؤشرا جيدا جدا راسخ الاساس لسياسة الميزانية. لا جدوى من الحفاظ على مستوى الدين ثابتا اذا كانت القيمة الصافية للقطاع العام تتدنى بتأثير من انخفاض استثمارات الدولة او بأعمال التخصيص. وقبل التأمل في متابعة السياسة الحالية يحسن بنا حيال ذلك ان نضع نوعا من جدول بنتائج القطاع العام. هنا بوسعنا ان ندمج التزامات البلاد بمرتبات التقاعد، وقيمتها بالنسبة لايطاليا هي بعد اضافة الدين العام تبلغ نحو 350$ من اجمالي الدخل العام. وبالنسبة لمعظم البلدان، ان وضع مثل هذا الجدول يثبت ضرورة التوصل الى فائض في ميزانية عامة لتخفيض الدين، وتخفيف الثقل الذي يكون بالتالي على المكلفين ان يتحملوه. واضح ان دين العديد من الدول على مفترق خطر. وامام الحكومات المعنية ثلاثة حلول للخروج من هذا الشرك. زيادة الضرائب وخفض النفقات، ترك التضخم يتزايد؛ او وقف تسديد المدفوعات. هنالك اقتصاديون يشكون في ان يكون النظام السياسي الايطالي قويا الى حد كاف لتحقيق التخفيضات الكافية بالميزانية. والمخرج الوحيد على ما يعتقدون، هو اللجوء الى التضخم. غير ان هذا الحل نفسه قد يخفق. ان معدل استحقاق الدين الايطالي العام قريب حتى ان زيادة معدلات الفائدة بنفس مستوى التضخم، مصحوبة بتزايد الفوائد التي يجب ان تدفع، سرعان ما تتحول الى زيادة القروض. وبذلك كيف يمكن لنا ان ندهش حين يشعر رجال السياسة الايطاليون انهم وقعوا في الشرك؟ ترجمة: ميخائيل الخوري

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة