As Safir Logo
المصدر:

فارس الخوري:السياسي،الشاعر واللغوي

المؤلف: صقر يوسف التاريخ: 1995-05-17 رقم العدد:7082

هو فارس بن يعقوب بن جبور بن يعقوب بن ابراهيم الخوري. والدته حمدة بنت عقيل الفاخوري. ولد في شهر تشرين الاول (نوفمبر) من العام 1873 وقيل عام 1877. وقد روى فارس عن اصل اسرته نقلا عن جده جبور الذي عمر طويلا (1800 1901) فيقول: »جاء جدنا الاكبر الخوري جرجس ابو رزق، الى كفير حاصبيا مع اخيه عبد الله من قضاء الزبداني في سوريا، ومعهما عائلات ابو جمرة وخلف والحاج وغيرها، وكانوا جميعهم نساجين يحيكون القطن والحرير والصوف ويبيعون منسوجاتهم في البلاد المجاورة حتى حدود نابلس وعكا. وتقع قرية »الكفير« على بعد عشرة كيلومترات شمالي حاصبيا في وادي التيم، وكان قضاء حاصبيا آنذاك تابعا لولاية سوريا التي مركزها دمشق«. اول انجيلي في لبنان وسوريا ويتابع فارس الحديث عن جده جبور فيقول: »خرج على تقاليد الكنيسة الارثوذكسية وتمرد على الاكليروس، معتنقا المذهب الانجيلي (البروتستانتي) وهو اول انجيلي في سوريا ولبنان كما ذكرت نشرات قديمة وجدت في مكتبة الجامعة الاميركية. وقد لقي المقاومة والاضطهاد بسبب اعتناقه هذا المذهب. عند المعلم داغر تلقى فارس وهو بكر عائلة مؤلفة من خمسة صبيان وثلاث بنات علومه الابتدائية في مدرسة الضيعة في »الكفير« وهي مدرسة كان المرسلون الاميركيون قد انشأوها. من الكفير الى صيدا وفي العام 1878 انتقل فارس من مدرسة الكفير الابتدائية الى مدرسة صيدا واقام فيها نحوا من ثلاث سنوات، كان استاذه فيها نجيب الصليبي من سوق الغرب. وفي صيف 1890 عينه المرسلون الاميركيون معلما في مدرستهم الابتدائية في زحلة، وكان في نيته ان يسافر الى الولايات المتحدة، بناء لرغبة صديق له تعرف عليه هناك يدعى ابا راشد الميماسي. لكن أهله وأقاربه اقنعوه بالعدول عن فكرة السفر الى اميركا والانتساب الى الجامعة الاميركية في بيروت لإكمال دروسه. وكان اسمها في ذلك الحين »الكلية الانجيلية السورية«. تلميذ في الجامعة الاميركية قابل فارس رئيس الدائرة الاستعدادية في الجامعة المستر »ووكر« وقدم له كتاب التوصية الذي اعطاه إياه رئيس مدرسة صيدا، وبعد الفحص اعطاه بطاقة دخول الى السنة الاولى، وفيما هو خارج من مكتبه رآه مصادفة استاذه نجيب الصليبي فسر به وبدخوله الجامعة، ثم عاد بصحبته الى المستر »ووكر« وقال له : »هذا التلميذ نشيط ومقتدر ويجب ان يكون في آخر صفوف الاستعدادية وانا اضمنه« فقبل الرئيس ذلك، وفي نهاية السنة فاز فارس بشهادة القسم الاستعدادي. لم يشأ المرسلون الاميركيون ان يعود فارس الى الجامعة في خريف 1892 لإنهاء تحصيله في القسم العلمي او قسم الآداب والعلوم، فعينوه معلما في احدى قرى الجنوب وفي العام 1893 نقل الى صيدا لتدريس المرسلين الجدد اللغة العربية. وفي خريف 1894 قرروا ارساله الى مدينة البترون وفي اثناء مروره بمدينة بيروت عرج على الجامعة فاستوقفه المستر »وست« استاذ الرياضيات، وكتب الى المرسلين في صيدا يقنعهم بأن يأذنوا له بالبقاء في الجامعة. فأجابوه الى ذلك.. غير انه لم يدخل السنة الاولى (الفرشمن) بل جاز امتحانا عن هذا الصف ودخل السنة الثانية (موفومور). خلال هذه السنة توفي والد فارس فغادر الجامعة الى »الكفير« وعمره حينذاك واحد وعشرون عاما فدبر شؤون البيت واهتم بإخوته الايتام ثم عاد الى الدراسة وانهى السنة وفاز في الامتحان في صيف 1895. لم يعد فارس الى الجامعة في خريف 1895 بل اضطرته ظروفه المادية للعمل في معلقة زحلة براتب شهري قدره 350 قرشا عثمانيا (اي ثلاث ليرات فرنسية ذهبا). وتمكن من ايفاء ديون عائلته في »الكفيرو وتأهب لإتمام تحصيله العلمي فدخل في خريف 1896 الجامعة الاميركية وادى امتحانا عن السنة الثالثة في الدوائر العلمية (جونيور) ودخل الصف الاخير. وحاز على شهادة بكالوريوس علوم في نهاية السنة. وهكذا يكون قد اتم دروس الدائرتين الاستعدادية والعلمية في مدى 3 سنوات بدلا من تسع... علم فارس الخوري في الجامعة فور تخرجه منها استجابة لطلب رئيسها الدكتور »دانيال بلس« علم اللغة العربية والرياضيات. امضى سنتين في رحاب الجامعة ثم انتقل منها في العام 1898 ليلتحق بأسرة »المقتطف« بناء على طلب من الدكتور يعقوب صروف براتب شهري قدره خمسة عشر جنيها مصريا. وقبل ان يغادر بيروت الى مصر، قصد دمشق لتصفية قضية حقوقية عائدة لأسرته، ولكن وباء الطاعون الذي تفشى والحجر الصحي الذي ضرب آنذاك حالا دون سفره فبقي في دمشق. وكان بقاؤه نقطة تحول اساسية في حياته. ترجمان في دمشق قرر الاقامة في دمشق والعمل في ادارة المدارس الارثوذكسية وتعليم اللغتين العربية والانكليزية والرياضيات فيها. ولما دعاه المستر ريتشارد قنصل انكلترا في دمشق ليقوم بعمل الترجمان في القنصلية استقال من ادارة هذه المدارس في العام 1902 وانصرف كليا لعمله الجديد. وفي العام 1909 تزوج من أسما ابنة جبرائيل عيد من حيفا، ورزق منها ابنه الوحيد سهيل (وسهيل هذا انتخب نائبا عن دمشق وعُيّن وزيرا وهو والد الكاتبة والصحافية والنائبة عن دمشق حاليا كوليت. توفي 1992). لم يترك فارس الخوري الدراسة والتحصيل بعد زواجه بل راح يتعلم اللغة التركية والفرنسية والحقوق. بدأ بمطالعة كتب الحقوق من دون استاذ ولا مدرسة في أوقات الفراغ القليلة، التي كانت تتركها له واجبات الوظيفة وأعماله المختلفة وعلاقاته الاجتماعية الواسعة. لم يحصل على شهادة رسمية في الحقوق ولم يكن خريج اي معهد حقوقي، كل ما هنالك، انه عندما كان نائبا عن دمشق في مجلس »المبعوثان« بعد العام 1914 انتسب الى معهد الحقوق في اسطنبول، وكانت تستوجب دراسته ثلاث سنوات، واوشك ان يظفر بها، غير ان السلطات التركية اعتقلته في صيف 1916 وبدأت محاكمته مع سائر الاحرار العرب. مناصب ومتاعب انتهت الحرب العالمية الاولى، وانتهت معها مظالم العثمانيين وملاحقاتهم للوطنيين والاحرار، بعد ذاك بدأ نجم فارس الخوري، يلتمع ويتألف في سماء السياسة العربية والسورية وبدأت الاوساط الوطنية والسياسية في دمشق تلهج باسمه وتطرحه لتولي المناصب العلية في البلاد »وترشحه لحل الازمات والمهمات الصعبة في المحافل الدولية. في العام 1920 عُين وزيرا للمال في الحكومة الفيصلية الاولى ثم اعيد تعيينه في المنصب نفسه في حكومة الرئيس هاشم الاتاسي الثانية، كما عُين للمرة الثالثة وزيرا للمال في حكومة علاء الدين الدروبي الذي قتل مع الوزير عبد الرحمن اليوسف اثر حادثة خربة الغزالة في حوران. يومها غاب فارس الخوري عن الحكم ليعود اليه في 28 حزيران 1922 من ضمن حكومة الاتحاد التي الفها صبحي بركات بقرار اصدره المفوض السامي الفرنسي الجنرال غورو. ولكن الفارس استقال من هذه الحكومة، وهناك من يقول اقيل او استبعد لينصرف مع رفاق له امثال الدكتور عبد الرحمن الشهنبدر وحسن الحكيم، وفوزي القزي وسعيد حيدر وغيرهم الى تأسيس حزب »الشعب«. وكان فارس الخوري واضع نظامه، كان ذلك في مطلع عام 1925 عام اندلاع الثورة في جبل الدروز بقيادة سلطان باشا الاطرش، يومذاك اعتقل فارس الخوري وفوزي القزي وآخرون ونفوا الى معتقل ارواد. ولدى تشكيل الحكومة الجديدة في 24 ايار 1926 كلف فارس الخوري بتشكيلها عن الوطنيين بينما رأس الدولة احمد ناجي بك، ثم عادت هذه الحكومة فاستقالت في 12 حزيران 1926 بعدما لمس الوزراء الوطنيون »سوء نوايا الفرنسيين«. فسيق هؤلاء الخوري والحكيم والبرازي والحقار الى الحسكة في محافظة الجزيرة واقاموا هناك ثمانين يوما ساءت صحتهم خلالها بسبب شدة الحرارة، ثم نقلوا الى اميون قضاء الكورة في لبنان حيث قضوا في الاقامة الجبرية خارج سوريا حتى 18 شباط 1928، رجعوا بعدها الى دمشق في الرابع والعشرين منه. بعد حكومة الداماد احمد ناجي بك، عهد المفوض السامي الجديد، هنري بونسو، الى قاضي دمشق الشرعي الشيخ تاج الدين الحسني بتأليف حكومة مؤقتة، استمرت اربع سنوات واشرفت على الانتخابات العامة في البلاد. في عهد هذه الحكومة منع فارس الخوري من ترشيح نفسه للانتخابات بحجة عدم تخصيص مقعد نيابي لطائفته القليلة العدد في سوريا، وهي طائفة البروتستانت، في حين منح لشقيقه الاصغر فائز بخوضها. وقد فاز بالمنصب لانه كان قد غير مذهبه بالانتماء الى مذهب الروم الارثوذكس. ازاء هذا الوضع وجد فارس الخوري نفسه معزولا عن السلطة فراح يعمل خارج الجمعية التأسيسية، فشارك في تأسيس حزب »الكتلة الوطنية« مع هاشم الاتاسي، وابراهيم حنانو، وجميل مردم، وسعدا" الجابري ولطفي الحقار، وحسني البرازيلي وتوفيق الشيشكلي، وغيرهم فغدت »الكتلة الوطنية« نقطة الارتكاز في نيل سوريا استقلالها. امضى فارس الخوري زهاء ربع قرن في صفوف الكتلة الوطنية نقل خلالها من منصب نائب، الى وزير، الى رئيس حكومة، الى رئيس مجلس النواب، الى رئيس مجلس الأمن الدولي، الى رئيس وفد بلاده في الامم المتحدة. ففي العام 1936 عين عضوا في الوفد السوري المفاوض لعقد معاهدة مع فرنسا، وفي نفس الوقت انتخب نائبا عن دمشق. ومن 14/11/1944 حتى 30/9/1945 تولى رئاسة الحكومة. وفي العام 1945 مثل سوريا في اجتماعات توقيع ميثاق جامعة الدول العربية، وفي نفس العام اعلنت حكومته الحرب على دول المحور. وفي اواخر عام 1946، انتخبت سوريا عضوا في مجلس الأمن، فكلفت الحكومة فارس الخوري بأن يمثلها في هذا المجلس، وكان اذا ذاك في الرابعة والسبعين من عمره فظل يقوم باعباء هذه المهمة الخطيرة طوال عامي 1947 و1948. واعود فأذكر بالمناصب التي شغلها: في العام 1947 انتخب فارس الخوري نائبا عن دمشق خلال وجوده في سان فرانسيسكو. وفي أيلول من العام 1950 ترأس وفد سوريا الى هيئة الامم للدفاع عن لواء الاسكندرون. وفي آب عام 1951 اعتذر عن تأليف الحكومة في عهد هاشم الاتاسي. وفي تشرين الثاني 1951 ترأس الوفد السوري الى الدورة السادسة للامم المتحدة وفي تشرين الاول 1954 شكّل الحكومة الدستورية التي استقالت في 7/2/1955 لتفسح في المجال امام جماعة الاخوان المسلمين ليقيموا حكم القرآن والسنة والامة. رأي في حكم القرآن ولفارس الخوري رأي مميز ولافت في حكم القرآن والسنة نتوقف عند بعض ما قاله فيه ولو خطفا: »هذه الامة الاسلامية اذا ما اثيرت بأفرادها العاطفية الدينية بشكل جيد واحسن تسييرها فباستطاعتها ان تغير مجرى التاريخ«. وأضاف »ويمكن تطبيق الاسلام دون الحاجة للاعلان عنه أنه اسلام« ثم قال: »وليس كالاسلام معالجا للنفس البشرية ومداويا لكافة الامراض الاجتماعية، ومانعا لاستفحال الشر وقال : »ولو خُيرت بين الاسلام وبين الشيوعية لاخترت الاسلام«.. »وانا مؤمن بالاسلام وبصلاحه لتنظيم أحوال المجتمع العربي وقوته في الوقوف بوجه كل المبادى والنظريات الاجنبية«. إن كل هذا الاطراء للاسلام والاقرار بدوره الفعال في تسيير الاحكام، وتنظيم المجتمع العربي الذي انطلق منه، وكل هذا الاعجاب بقدرة هذا الدين على مواجهة التحديات، لم يؤثر يوما على إيمانه البروتستنتي الذي ورثه عن جده جبور الخوري تأكيدا على النهج التعايشي الذي التزمه طوال حياته من يوم بدأ التعاطي في الشأن الوطني العام الى يوم وفاته في 2 كانون الثاني 1962«. فارس الشاعر يبقى ان أشير الى ان هذا الحقوقي الكبير غير المأذون، اصبح استاذا كبيرا في معهد الحقوق، وعميد هذا المعهد وأحد مؤسسيه كما اصبح نقيبا للمحامين وعضوا في لجنة الحقوق الدولية التابعة للامم المتحدة. ومن القانون ننتقل مع فارس الخوري الى الشعر، الذي كان من أهم ما نظم قصيدته الكبرى في الحرب اليابانية الروسية، وقد جاءت في اكثر من خمسماية بيت، فأتت على شكل ملحمة. وقد نشرت القصيدة في القاهرة عام 1906 على نفقة احد اصدقائه الدكتور حسين حيدر. ومن شعره قصيدة هجائية بعنوان »عتاب ووداع للسلطان عبد الحميد يوم خلعه سنة 1909. وهي قصيدة نظمها ثم »ندم« عليها، وظل هذا »الندم« يغالبه حتى وفاته مذ ثبت له ان السلطان عبد الحميد أبى ان يتنازل عن فلسطين والقصيدة موقعة باسم خليل الله. يتميز شعر فارس الخوري بنوعيه السياسي والغربي، وهو شعر يشبه في كثير منه شعر الشعراء العباسيين، سواء من حيث الديباجة الطلبية، والاسلوب المتين الجزل او من حيث السهولة في الاستيعاب والحفظ، فلا تعقيد ولا تقعر ولا بحث عن الكلمات المهجورة غير المتداولة، وكذلك نثره الذي لا يقل عن شعره متانة وجزالة وسهولة. أن شخصية بحجم شخصية فارس الخوري كل جانب من جوانبها يحتاج الى كتاب. وهذا ما قاله عنه صديقه الصحافي والكاتب الفلسطيني المجاهد محمد علي الطاهر قال: »فارس الخوري شخصية ضخمة فخمة لا يمكن الاحاطة بها ووصفها في مجلدات فكيف في كتاب« * اجزاء من محاضرة مطولة القيت في دار الندوة في اطار سلسلة رواد العروبة التي ينظمها المنتدى القومي العربي. واعتمدت على مراجع عديدة بينها اوراق فارس الخوري

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة