As Safir Logo
المصدر:

نقد.في الأدب الجزائري الحديث:الطاهر جاووت و"البحث عن العظام"

المؤلف: عبد القادر فاروق التاريخ: 1995-05-12 رقم العدد:7078

الطاهر جاووت كاتب جزائري: روائي وشاعر وصحافي، اغتالته قوى الفاشية في الجزائر في حزيران 1993. ولد الطاهر في احدى قرى ولاية »تيزي اوزو« في يناير 1954، درس الرياضيات بجامعة الجزائر والاعلام بجامعة باريس. بدأ الكتابة وهو في العشرين. اصدر مجموعتين شعريتين: »قصائد« و»القوس حامل الماء«، ومجموعة قصصية »شباك القناص«، وثلاث روايات: »المجرد من الذات« و»اكتشاف الصحراء« ثم »العسس« (وكلها بالفرنسية). لكن روايته هذه »البحث عن العظام او الباحثون عن العظام« Les chercheurs dصos هي اشهر اعماله، وهي عمله الوحيد الذي ترجم الى العربية (ترجمه جيلالي خلاص، وهو روائي يكتب بالعربية، ونشر بالجزائر في 1991)، وقد حصل هذا العمل على جائزة »دال دوكا« وترجم الى الايطالية والالمانية، كما حصلت روايته الاخيرة، »العسس، 1991« على جائزة »البحر المتوسط«. وقبل ان يتم الاربعين، وهو في اوج قدرته على العطاء والابداع، اغتالته رصاصات الارهاب والتطرف لنشاطه الادبي والصحفي (في كانون الثاني 1993 شارك في تأسيس مجلة اسبوعية تحمل عنوان »القطيعة« واصبح مديرù لتحريرها). فماذا يقدم الطاهر جاووت في »البحث عن العظام«؟. الرواية كلها رحلة بحث، يقطعها الراوية وهو راع فقير في الرابعة عشرة وبصحبته احد رجال قريته الكبار، للعثور على بقايا عظام اخيه الذي استشهد اثناء الثورة. وثمة رحلة اخرى موازية تدور في وعي البطل الراوية، وهو يطرح للتساؤل كل ما يعرف ويرى. ومن خلال الرحلتين المتوازيتين يكشف الروائي طرفù من الواقع الجزائري اثناء الثورة، وعقب الحصول على الاستقلال. اول ما يطرحه للتساؤل هو هذا الجنون المتعلق بجمع عظام الشهداء لاعادة دفنها في المقبرة الجديدة التي احتلت افضل مكان في القرية. لماذا هذا الجنون؟ ها هو ابن الرابعة عشرة يقول لنفسه: »هل صار اخي الذي سقط في ميدان الكفاح مجرد عظام يمكن الاستشهاد به هو ايضا؟، كنت اعتقد ان ابي وامي كانا يرأفان به ويحترمانه اكثر... غير ان كل عائلة وكل شخص كانا بحاجة الى »كمشته« الصغيرة من العظام لتبرير التطاول والتهيب اللذين سيطبعان سلوكاتهم المقبلة... ان هذه العظام تشكل تمهيدا قويا لكومة الاوراق والشهادات وللبيانات المختلفة التي ستظهر فيما بعد فتفرض قانونها الصارم«. بعبارة اخرى: لقد اكتسبت هذه العظام قيمة الادلة التي لا يمكن نقضها على ن العائلة قد قدمت شهيدا، ومن ثم يحق لها ان تحصل على نصيبها من الامتيازات في العهد الجديد!«. من الشرق الى الغرب هكذا ينطلق الفتى والرجل ليقطعا البلاد من الشرق الى الغرب، يجتازان قرى لا تكاد تختلف عن قريتهم الفقيرة في شيء، وقرى اخرى كبيرة، ومدنا صغيرة يرى فيها الفتى ما يبهره ويدير رأسه ويدفعه لمزيد من التساؤل. يقطعان تحت لهب القيظ الذي لا يرحم سهولاً، ويتسلقان جبالاً، يقتربان احيانا من البحر، ويبتعدان عنه احيانù، ويبيتان ليلهما في العراء (عدا ليلة واحدة قضياها في المدينة الصغيرة تحت سقف حمام بائس)، والفتى لا يني يتساءل، ويسترجع ماضيه وماضي اخيه في تلك القرية التي عاشا فيها. كان اخوه يكبره بعشر سنوات، راعيù يخرج كل صباح الى الاحراش القريبة مع قطيع ماعزهم الصغير، اسعد لحظاته تلك التي يقضيها مقتعدا صخرته المفضلة، عازفا على نايه الذي صنعه بيده، واقصى امانيه ان يتمكن يوما من شراء آلة تحرث الارض الجبلية القاسية التي كان عليه ان يحرثها. ويقف الروائي، فيطيل الوقوف، عند الخبرات الجديدة التي عرفها اهل تلك القرية الجبلية المعزولة: يوم شاهدو السيارات والشاحنات لاول مرة، ويوم انشئت اول مدرسة، ويوم ان احتشد اهل القرية جميعا لمشاهدة الصور المتحركة. لكن هذا كله لم يكن سوى تمهيد لوصول الجيش، فما هي الا ايام حتى جاء العسكر الاجانب بشاحناتهم وطقطقة اسلحتهم، فهدموا ديار القرويين القاطنين قمة الجبل ونصبوا خيامهم مكانها، وتغيرت حياة القرية كلها: انها الثورة، وانها الحرب. وسرعان ما احال العسكر حياة اهل القرية جحيما لا يطاق: سوروا القرية. ومنعوا الخروج منها والدخول اليها، واستولوا على قطعانها، محاصيلها، وارغموا شبابها على ان يحملوا اليهم الماء. وكان الاخ واحدù من اولئك الشباب الذين وقع عليهم الاختيار، يقول الراوي: »ما زلت اتذكره وهو يعود ذات مساء الى المنزل، محمر الوجه، مزرق اليدين من فرط البرد القارس، فينكمش في زاوية ويروح يبكي في صمت (...) ومنذ ذلك اليوم تغير، كما لو كانت الدموع قد خلصته من روح السلبية والاحجام التي كانت تركد في اعماقه...«، وبدأ رجال من اهل القرية يختفون، ويعرف الجميع انهم لجأوا الى الجبل والتحقوا بالمجاهدين. وذات مساء افضى الاخ الاكبر بما في نفسه لاخيه، لم يره الصغير ابدا على هذا القدر من النضج والثقة، ولم يفهم حق الفهم كل ما قاله قال فيما قال: »ذات يوم لن يكون هذا الا ذكرى سيئة ستغطيها مطالب اجمل واروع حياتنا ستتغير ايضا. لا بد ان تقبل بمعاشرة الموت والدم لوقت ما... مثل هذا كمثل الشجرة التي نعلمها. يجب الا ينسينا سيلان النسغ وعد التمر... الدم ضروري احيانا لسقي صلب الفاكهة ومدها بهذا الاحمرار الذي يجعلها كاملة النضج...«. وحين استيقظ الراوي في الصباح لم يجد اخاه. لم يره في اليوم التالي ولا في الشهور التالية، لم يره الا بعد ذلك بسنتين كاملتين: كان قد كبر فصار اكثر هيبة وصرامة وطمأنينة، ولم يكن زيه العسكري ورشاشه ليثقلا كاهله، »كان اخي قد تخلص تماما من سوداويته... وكان يسرد علينا مشاهد الامكنة والقرى التي عبرها ويستعمل كلمات جديدة لم اكن افهم معناها... كان اخي اشد جمالا وهيبة... (...) وها نحن نمضي اليوم للبحث عن رفاقه التي ترهن الاحلام...«. في وعي الراوي تبرز حقيقتان متلازمتان: درجة التخلف في قريته، وانغماس اهلها في الخرافات والغيبيات والاساطير، واستسلامهم للمخادعين والافاقين باسم الدين، وهو يسترجع واقعة بذاتها، هبط على قريتهم ثلاثة من رجال الدين هؤلاء، ذبح لهم افقر اهل القرية واتقاهم جديه الوحيد، وحمله اليهم مطهوا الى باحة الجامع. يقول الراوي: »كنا ننظر اليهم بصمت وهم يأكلون. لم يكن يسمع في الجو الا قضقضة اسنانهم وهي تهصر اللحم بنهم شديد، بعد بضع دقائق، خيم علينا شعور لا يطاق بالتقزز (...) كانوا يأكلون في صمت، وقلما ينظر احدهم الى الآخر. وبين الفينة والفينة كانت تند عنهم تنهدات او همهمات مخترقة لقم الكسكس او اللحم المالئ لافواههم المنتفخة الاوداج، خيوط العرق تسيل من جباههم على عيونهم وخدودهم فيمسحونا من حين لآخر بأكفهم المدسمة التي ينشفونها بدورها في اطراف برانيسهم الوسخة...«، مثل هذا المشهد سيتكرر اثناء مسيرته هذه، في منطقة تسمى »عين البقرة« يحرسها ولي من اولياء ا" ما اكثرهم! وفد اليها اهل القرى المجاورة بمواكبهم واعلامهم كي يشاركوا في »الزردة« المقامة (هي ما نطلق عليها في عاميتنا المصرية »الخصرة« او »ليلة اهل ا"«)، وسيجعله ما يراه من مشاهد الحيوانية والنهم يقيء ما بجوفه من عصارة فاسدة!. التغيير الحقيقة الثانية هي التغير الذي اصاب اهل البلاد بعد انتهاء الحرب، يرويه لنا مرة، ويدلل عليه بما حدث له ولصاحبه في المدينة الصغيرة التي بلغاها في المرحلة الاخيرة من رحلتهما الطويلة. يقول الراوي: »فمنذ ان استرجعنا سيادة الوطن، وصرنا نأكل حتى نشبع، تملكت الكثير من الناس طبائع غريبة غير متوقعة تتسم في غالب الاحيان بالتهور المفرط. لذا انقطع الناس عن بعضهم البعض ولم يعودوا يتساعدون فيما بينهم.. متخلين في ذات الوقت عن تواضعهم وتغليف أفعالهم وتصرفاتهم بأبسط صفات الحياة والحشمة. وفي مدينة »بوبراس«، في احد مقاهيها فرض كهل نفسه عليهما ودعاهما الى بيته وحكى لهما كيف حصل عليه: »أنا لست من اولئك الذين يترددون، اذ بمجرد اعلان الاستقلال، اتجهت وابني الكبير..، وما هي الا ساعات معدودات حتى بلغنا المدينة فكسرنا اول باب مغلق صادفنا. كانت فيلا جميلة تتكون من غرف عديدة.. ويا ما كان فيها من خيرات!.. ان ما وجدته داخل الفيلا يتطلب عمل مدة ثلاثة اضعاف عمري للحصول عليه، ولكن مثلما قلت لك، فحين يفتحها الله ينزل الخير بلا حساب. كل هذه الخيرات في ايدي الكفار؟ كان ذلك ظلمù كبيرù وكان لا بد ان يرجع الخير يومù لأهله..«. وما فعله هذا الرجل في مدينته الصغيرة البعيدة فعله الآخرون في كل المدن والقرى، وكانت تلك البداية التي اعقبتها تداعيات كثيرة، ادت في نهاية النهاية الى ما اصبحت عليه جزائر اليوم!. واخيرù وصلا الى مدينة »برج السبع« في احضان سلسلة من الجبال الصغيرة، وقادهما الدليل الى قمة احدها، وبدأ الحفر للعثور على العظام. وجدا اولاً جمجمة ذات سن فضى، هي ليست تينيù للأخ، ووجدا ثانيù هيكل حيوان، لعله كلب مخلص شاء صاحبه ان يدفنه، ثم وجدا ثالثù هيكلاً عظميù فاحتملاه معهما: لا بد انه هو! في طريق العودة كان الفتى الراوي اقل حماسة لكنه اكثر امتلاء بما وعى وعرف. وها هو يلقي الينا بشيء من خلاصة ما عرف: »لقد تبين لي ان قريتي سجن حقيقي.. العالم واسع فعلاً وبعض الناس يعيشون فيه سعداء. كيف يمكن الاصرار اذن على تصديق جميع اولئك الشيوخ الذين يتمسكون بزعم تافه مفاده ان الاولياء الصالحين يحمون بلدتنا. تبù للاولياء الصالحين! أليس بمقدورهم ان يمكنونا من ان نشبع اكثر في اغلب الاحيان وان نرتدي ملابس افضل من ملابسنا الرثة؟ ورغم ذلك ما اكثرهم!.. (..) انهم حراس المشيئة، تلك هي مهمتهم لا غير..«. وينهي الراوية روايته بتساؤل اخير عشية وصوله الى القرية: »كم من ميت، في الواقع، سيعود غدù الى القرية؟ اني متيقن ان اكثرنا موتù ليس هيكل اخي الذي تطقطق عظامه في الكيس بغبطة لانفاق فيها. ربما كان الحمار السخي الجهد والنهيق هو الحي الوحيد الذي تعيده قافلتنا الى القرية..«. تلك هي رواية »الباحثون عن العظام«: صورة فنية أمينة وصادقة للجزائر فور انتهاء الحرب وحصولها على الاستقلال، رواية تفيض انسانية وصدقù. آية صدقها ان صفحاتها تحمل في ثناياها قدرù كبيرù من ارهاصات المستقبل الذي اصبحت عليه الجزائر فيما بعد. ولعل موقف الطاهر جاووت من التخلف، والشعوذة باسم الدين وتحت ستاره، وضد الانتهاز والانتهازيين. هو بعض ما جعله هدفù لرصاص قوى الارهاب والتطرف التي تريد العودة بالجزائر الى قرون القهر والظلام، وطمس كل ما تحقق لها من ثورتها المجيدة، ودماء شهدائها. فاروق عبد القادر (القاهرة)

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة