في خطبة شهيرة ألقاها أمام »الجمعية الوطنية الكبرى« في أنقرة، بعد عودته من لوزان اثر توقيعه كرئيس للوفد التركي مع بريطانيا وفرنسا واليونان على المعاهدة التي حملت اسم هذه المدينة السويسرية في 23 تموز 3291، وشرح فيها ظروف المفاوضات والنتائج التي حققتها تركيا... .. في هذه الخطبة، تحدث عصمت اينونو القائد العسكري التركي الأهم بعد مصطفى كمال أتاتورك خلال حرب تحرير الأناضول، وبحضور أتاتورك نفسه في القاعة، عما أسماه »الحدود العراقية«، قائلا: »أنتم تعرفون أن المعاهدة تشترط تحديد الحدود العراقية خلال تسعة أشهر... هناك الكثير من السجال حول هذه الحدود، وقيام حلّ مقبول لم يكن ممكنù خلال هذه المرحلة من المؤتمر... ونأمل أنه قبل أن نشرع في المفاوضات حول هذه الحدود، ستكون قوى العداء الموجودة بيننا وبين أمم أخرى، قد استُبعدت، وستكون علاقات الصداقة قد أقيمت، مما سيسهل المفاوضات«. .. الكلام الأخير الذي أدلى به الرئيس التركي الحالي سليمان ديميريل إلى الصحافة التركية (أمس الأول) يشير إلى هذا »الفراغ« من وجهة النظر التركية في معاهدة لوزان.. وهي المعاهدة التي كان مركز الثقل فيها، هو موضوع العداء اليوناني التركي، بحيث نجح المفاوض التركي بعد نجاحاته العسكرية في تكريس الاعتراف الدولي بالأناضول وبعض المناطق في الشرق واسطنبول وتراقيا الشرقية في البلقان كأجزاء متكاملة للجمهورية التركية التي ستولد رسميù في 29 تشرين الأول 1923، بعد عدة أشهر من إقرار المعاهدة (وزير الخارجية التركي الحالي أردال اينونو هو نجل عصمت اينونو). في المعاهدة نفسها تخلّى الفريق التركي عن جميع الجزر في بحر إيجه، باستثناء جزيرتين أمام المدخل الغربي لمضيق الدردنيل، فيما لم تُحسم قضية لواء الاسكندرون بين فرنسا وتركيا، وقضية الموصل بين بريطانيا وتركيا. لكن الذي حصل لاحقù هو اتفاق رسمي بين الحكومتين العراقية والتركية على رسم الحدود، أُلحق بموجبه معظم السلسلة الجبلية الممتدة من الغرب قرب الحدود السورية التركية إلى أقصى الشرق قرب الحدود الإيرانية التركية. (يشار هنا إلى أن الحدود الوحيدة التي لم تتغيّر بين تركيا وجاراتها والثابتة منذ العهد العثماني هي الحدود مع إيران الموقعة بموجب معاهدة مع الدولة القاجارية في طهران في أواخر القرن الثامن عشر). هذا في الوقائع التاريخية... لكن عديدين في أنقرة وعواصم عربية ستسعدهم تصريحات الرئيس التركي، لأنها التصريحات »النموذجية« التي ينتظرها مروجو »أيديولوجية« العداء العربي التركي، بينما تثير استنكار وحزن دعاة الصداقة العربية التركية. فعدا ما تحركه »مجانù« من مشاعر القلق فهي تبدو مرتبكة بين منطقين لا صلة بينهما كحجة لتعديل الحدود: فالفراغ في معاهدة لوزان شيء، والدعوة إلى التعديل لمجرد وجود هجمات أمنية من حزب العمال الكردي عبر الجبال العراقية على تركيا، شيء آخر.. فضلاً عن هشاشة الحجة الثانية، إذ هل يمكن تعديل حدود بلد بمجرّد وجود حرب عصابات عليه من مناطق جبلية وراء الحدود، مع العلم للمقارنة ان منطقة الموصل التي يذكّر بها الرئيس ديميريل، لا تضم مطلقù السلسلة الجبلية التي يطالب بها لكي يمنع هجمات حزب العمال.. وهي سلسلة تنتمي إلى محافظات دهوك وأربيل وليس إلى محافظة الموصل، ومدينتها البعيدة الى الجنوب، وجزء صغير من جبالها فقط تضمه خارطة »لواء« الموصل وفقù للتقسيم العثماني. * * * أخطر ما في تصريح رئيس دولة بأهمية تركيا في المنطقة، أنه يبدو كما لو كان يعلن، ما هو جوهري أكثر، أي أنه يعلن أن المرحلة العالمية الجديدة، وفي الشرق الأوسط بالذات، باتت تتيح إعادة النظر بالحدود الدولية لدولها؟ وهذا يفتح المنطقة على آفاق خطيرة جدù، لا سيما في بلد هو تركيا مصاب تاريخيù بعارض القلق الدائم على سلامة ووحدة أراضيه؟ فماذا كان سيحدث من رد فعل في تركيا وصحافتها لو أن الرئيس السوري حافظ الأسد مثلاً أعلن أن سوريا لم تعترف بعد بضم لواء اسكندرون إلى تركيا.. وهو الضم الذي تأخر عن إلحاق الموصل بالعراق أكثر من 20 عامù؟! جهاد الزين