سقط ما يقارب الثلاثين قتيلا، واصيب المئات بالجراح عند اصطدام اعضاء من الاقلية العلوية بالشرطة في اسطنبول في الاسبوع المنصرم على اثر هجوم ارهابي على الجوار العلوي. في الشهر الماضي اعادت الهجمات اليمينية على طلاب الجامعات الى الاذهان ذكريات المشاكل التي كان من شأنها تبرير استيلاء العسكريين على السلطة في عام 1980. على ان التشابه بين مسائل العنف الذي بدأ في غازي مخلصي الواسع في اسطنبول مساء الثاني عشر من شهر آذار/مارس، واحداث فترة 801977 هو اكثر من ذلك بروزù. ان اسلوب الارهابيين من حيث فتح النار الاوتوماتيكية على خمسة مقاه من سيارة مارة لا يمكن إلا ان يذكر بمجازر المقاهي في الايام التي انتهت الى الانقلاب، فيما جاءت اقامة المتاريس في شوارع بلدة الاكواخ تعيد الى الذاكرة احداثا اخرى ايضا. وفوق ذلك كله جاءت صور القوات الزاحفة على مناطق المدنيين في 13 آذار/مارس وهي صور نشرت على العالم كله في ذلك المساء نفسه. وكما هي الحالة بالنسبة للاحداث الطلابية، ولو على نطاق اوسع، على ما هو مفترض من مدى الدماء المراق، كانت هنالك تغطية صحفية وتلفزيونية واسعة، كما توالت كذلك الاجتماعات والبيانات الرسمية وغير الرسمية، إلا ان العجز عن تقاسم المسؤولية بصورة سليمة وانعدام الاستعداد لبحث اسباب الشكوى الكامنة كانا كذلك واضحين. لا شيء يمكن ان يقال عن المجتمع التركي في الوقت الحاضر بدون الاشارة الى النزوح الداخلي المتزايد باستمرار بحيث ان سكان المدن الكبيرة تضاعف مرتين او ثلاث مرات خلال سنوات معدودة، لقد نشأت المساكن غير القانونية في فسحات كانت خالية من المساكن. شوارع انقرة وازمير واسطنبول ليست مرصونة بالذهب بالطبع، وبالنسبة للنازحين، ان الازمات الاقتصادية تتزايد تعقيدù »بازمة الهوية« التي يتزايد الحديث عنها في معرض الحديث عن ساكن المدينة الجديد. وبغياب الاشكال او النماذج الاخرى من التضامن الاجتماعي، تحول الكثيرون الى التعاطف مع الاسلام الراديكالي، مما ادى بالتالي الى تمكين حزب الرفاه الاصولي من السيطرة على بلدتي اسطنبول وانقرة وعلى الكثير سواهما. على ان النفوذ الاسلامي المتزايد في السياسة وفي الادارة العامة. سواء عبر حزب الانعاش او عبر قنوات اخرى »اساسية« هو بحد ذاته، بالنسبة للبعض، خطر رئيسي ان هذا البعض هم العلويون، هم المقترعون اليساريون تقليديù ممن يعتبرون مصالحهم تقوم في التعددية، دون السنة الذين اضطهدوهم و/او سخروا منهم في العهدين الماضي والحاضر. ثم ان اسوأ مخاوف العلويين ايدتها احداث سيواس الشائنة في الثاني من تموز/يوليو عام 1993، حين اسفرت المشاغبات الاصولية في مهرجان علوي شعبي عن احراق فندق سقط فيه 33 قتيلا. ومنذ ذلك الحين باتت اعصاب العلويين منهوكة، وتحولوا برغم معتقداتهم اللطيفة الى فريسة محتملة للمتطرفين اليساريين. وحين صدرت سهوا على لسان مقدم البرنامج التلفزيوني اوميت غونر في السنة الماضية زلة مألوفة عنهم باعتبارهم متهمين بسفاح القربى، هوجم مركز القناة من قبل الجماهير، وعلى مدى طويل رفضت هذه الجماهير ان تهدأ برغم الاعتذارات المتكررة. غير ان حساسية العلويين تعود على الاقل الى اواخر السبعينيات من القرن الحالي حين وقعوا ضحايا مجازر متلاحقة في كورم وكهرمان ماراس. وكثيرا ما يشار الى تلك الاحداث بأنها »اصطدامات سنية علوية، او ربما وصفت احداث الاسبوع الماضي على هذه الصورة كذلك، ولكنها في ذاكرة العلويين واليساريين هجمات يمنية مركزة جرت بتواطؤ سلطات الأمن، ان قادتها لم يقدموا الى العدالة ابدا. وفي قضية سيواس كذلك، كما جرت الاشارة بمرارة شديدة في الايام القليلة الماضية، كان الشرطة والعسكريون متساهلين الى حد ملحوظ مع الجماهير، اذ ابقوا اسلحتهم النارية في اغمادها، فيما لم تأت المحكمة المحكمة بالتالي كلا على محض تناول سطحي لما حدث. واذا كان النازحون الى المدن الكبيرة في تركيا، والى امكنة اخرى، بحاجة الى هوية دينية او جماعية او كانت مفاهيم الامة والطبقة قد فقدت اغراءاتها، فإن ذلك صحيح بالنسبة للعلويين بقدر ما هو كذلك للاكثرية الاسلامية السنية. انهم جميعا متأثرون بالازمة الاقتصادية الراهنة. ثم انهم جميعا يعيشون في المجتمع نفسه الذي يبدو فيه ان بداية العنف من مختلف الانواع قد رسخت فيه ارلوخا قويا، وان حاملي الاسلحة يتزايدون اكثر فاكثر. كذلك ان الدولة نفسها مسؤولة عن قسم كبير من العنف. الاحداث الجامعية، على سبيل المثال، هي، بالدرجة الاولى متمثلة بضرب الشرطة للطلاب. لا حاجة هنا لجدولة مزاعم التعذيب المنظم، او »الاعدامات بدون محاكمة«، او الاساءات الاخرى الشائنة لحقوق الانسان لما تنفذه قوات الأمن التركية في شتى انحاء البلاد. كل ذلك مسموح به من قبل النظام كما يسمح بضرب الزوجة باعتباره شرا لا بد منه، او لعله لا يعتبر شرا ابدا، ولم تل اية عقوبات دائمة ضرب الشرطة علنيا لاحد اعضاء المجلس النيابي في اول ايار/مايو، عام 1994. ونشاطات نقابات الخدمات العامة هوجمت في مناسبات عديدة. والوضع اسوأ من ذلك بكثير، من كل النواحي، في منطقة »الاحوال الطارئة« في الجنوب الشرقي حيث السكان اكراد بالدرجة الاولى، وحيث السلطات تخوض حربا ضد منظمة ب.ك.ك. الكردية الانفصالية. ان منظمة ب.ك.ك. تشكل خطرا على وحدة البلاد، وهو ما يستخدم لتبرير منظمات الشرطة والأمن الاخرى والدفاع عنها بصرف النظر عن تصرفاتها. وهنالك مجموعة صغيرة من المتظاهرين من الشيشان لقيت المعاملة البوليسية المألوفة في اسطنبول، في فترة غير بعيدة، وعمد الشرطة المعنيون بذلك في وقت لاحق لتبرير فعلتهم على اساس انهم اعتبروا هذه المجموعة، خطأ، من مؤيدي منظمة ب.ك.ك. ثم ان العلاقات بين قوات الأمن ومجموعات اليمين المتطرفة تزايدت في ظل وزراء الداخلية المتتابعين. والحصول على العمل في القوة البوليسية او في وحدات الأمن الاخرى يعتمد في الوقت الحاضر، على ما يقال، على الانتساب الى المجموعات السياسية الاصولية والقومية المتطرفة. ومن الثابت ان الشرطة اكتفوا بالوقوف على الحياد في انقرة واسطنبول في 11 نيسان/ابريل، من السنة الماضية حين هب الاصوليون هائجين يخربون البعثات الاجنبية. وفي الجنوب الشرقي نفت السلطات منذ زمن وجود منظمة »حزب ا"« الفاتكة حيال المزاعم بأنها تقوم في الواقع بتدريبها على الفتك بخصومها السياسيين. ثم ان التحقيقات كانت غير مقنعة الى حد بعيد، ولم يؤد اي اغتيال لاي من العلمانيين البارزين الى توجيه اية اتهامات لاحد. في جوار غازي في منطقة غازيوسمنباسا في الشمال الشرقي من اسطنبول لم يكن هنالك اي توتر مما سبق ذكره. هنا لم يكن هنالك اي شيء منذ 25 عاما، اما الآن فان بجوار غازي نحو اربعين ألف ساكن، هنا نجد المساكن الاصلية الحقيرة المؤلفة من اكواخ ومبان زرية قد انشئت بسرعة، ثم وسعها اصحابها، ثم اخذت تختفي لترتفع مكانها حاليا مجموعات من مبان غير شرعية وغير مصقولة صقلا وافيا من اربعة ادوار او خمسة، بشقق يمكن استئجارها ب54 ملايين ليرة تركية شهريا. وفي الوقت الحاضر تملك العائلات الكبيرة التي تقيم فيها اجهزة تلفزيونية، وغسالات آلية وثلاجات، غير انها كسبت بعد تعب ومشقة، اذ ابتعيت بالتقسيط بفضل النقد الذي كسبته النساء اللواتي كن يعملن عاملات للتنظيف في منازل في احياء اكثر ازدهارù في المدينة. وهنالك في الوقت الحاضر، نسبة عالية من الرجال العاطلين عن العمل. والسكان هنا نازحون من مناطق عبيدة وقريبة، غير ان الاكثرية منهم وينتسبون الى تونشيلي وسيواس، علويون مذهبا، واكراد في حالات كثيرة من الناحية العرقية، هنا انشأوا امكنة (تكيات) علوية للاجتماعات وللعبادة، والغالبية من بقية غازيوسمنباسا منطقة خاصة بحزب الرفاه، وفي الانتخابات المحلية عام 1994 نال حزب الرفاه 34$ من اصوات المنطقة ككل. اما في غازي مخلصي فكانت اصوات حزب الرفاه دون ذلك، اي 26$ فقط، فيما نال حزبا اس.اتش.ب. (SHP) وسي.اتش.ب. (CHP) الديموقراطيان الاشتراكيان معا اكثر من نصف الاصوات. ولئن كانت هنالك محاولات حديثة لانشاء منظمة قومية تركية في الجوار، من ناحية، وذات نشاط يساري متقدم من ناحية اخرى، فانه لم يجر، على ما يبدو، اي احتكاك مباشر بين السكان السنة والعلويين الذين كانوا يتخالطون في المقاهي والمطاعم، كما كانوا يتقاسمون الخدمات. اما العلاقات مع الشرطة فشيء آخر. السكان المحليون هاجموا مركز شرطة غازي مخلصي مرتين على الاقل: احداها حين صرع رجال الشرطة شخصا يقال انه ينتسب الى منظمة »دف سول« اليسارية المسلحة، وثانيتهما حين قيل ان بائعا متجولا من العلويين عذب هناك حتى الموت منذ نحو اسبوعين. وتبين ان هناك بحق رئيس المركز لائحة باسماء القتلى الذين صرعهم حتى ان هنالك بحقه عددا من الشكاوى القضائية، ومع ذلك فانه لا يزال يمارس وظيفته، وفي مقابلة نشرت في »مليه« نهار الاربعاء الماضي، اعلن مختار المنطقة المجاورة، نفرة الطون ان هنالك شخصا صرع بالرصاص على مقربة من مركز الشرطة منذ فتر، وان الناس يعتقدون ان مهاجمة محميون من قبل الشرطة. كذلك قال ان صوت اطلاق النار لم يكن غير مألوف اثناء الليل. لقد وقعت غزوة الثاني عشر من آذار/مارس بعد الساعة التاسعة بقليل. المقاهي حاشدة بالرجال الذين يشاهدون مباريات كرة القدم المتلفزة، اربعة مقاه ومحل للحلوى امطرت بالرصاص، واحدا بعد الآخر. خليل كايا العلوي البالغ من العمر 67 عاما سقط على الفور قتيلا في مقعده بجانب النافذة. نحو عشرين شخصا آخرين نقلوا الى المستشفى بعجلة مصابين بجراح. وسيارة الاجرة التي استخدمها المهاجمون وجدت بعد وقت قصير، وقد ربط سائقها في صندوقها وقطعت حنجرته حتى الموت. وكان الذي جرى بعد ذلك على الفور موضوع نقاش واسع، وزراء في الحكومة بمن فيهم نجم الدين جوهري وهو العضو رفيع المستوى في حزب الطريق القويم لرئيسة الوزارة طنسو تشلر، وسواهم، زعموا ان شخصا، وهم يقصدون به يساريا او قوميا كرديا، تحرك عند هذا المنعطف لتحريض الناس المحليين للتصرف بطريقة لم يكونوا ليتصرفوا بها لولا ذلك والدليل الوحيد على ذلك هو ان اشخاصا تنطبق هذه الاوصاف عليهم ظهروا في الموقع خلال الايام الثلاثة التالية، وهم يكتبون وينشدون شعاراتهم. يضاف الى ذلك انه انقضى ربع ساعة قبل ان انطلقت ردة الفعل. ولكن الاقرب الى الصحة ان الذي جرى اثناء تلك الدقائق الخمس عشرة هو الثاني: انتشرت قصة الحدث في الجوار، الشرطة لم يقوموا بأي اجراء برغم تكرر صوت الطلقات النارية، وبرغم تنبيههم الى ذلك بواسطة الهاتف، الواقع انهم ربما قصدوا الافساح في المجال امام المهاجمين للفرار. (وفي التقارير ان سيارة الشرطة التي وصلت احد المقاهي بعد وقت قصير من مهاجمته، انطلقت بالتالي في الجهة الخاطئة، فيما قيل ان جهاز اللاسلكي لدى الشرطة صمت بدلا من تنبيه الزملاء المجاورين الى السيارة التي استخدمت في الهجوم. ان تصرفات رجال الشرطة بعد ذلك لا تنفي حدوث مثل هذه الاخطاء المقصودة). وفي هذه الاثناء اخذ العلويون من المناطق المحيطة في الجوار يصلون، ثم راحوا بعد ذلك يأتون باعداد كبيرة، ولا ريب ان الاكثر راديكالية منهم كانوا بين الواصلين الاولين. ثم ان آلية الشائعات بنفسها راحت تبالغ باعداد الاصابات، وتنشر روايتها الخاصة بها عن دور الشرطة في الاحداث. ومهما كانت الحالة فان الشغب بدأ نوافذ المحلات حطمت، والسيارات قلبت، بطريقة اشد شبها باعمال الشغب في المدن البريطانية او الاميركية منها بالاضطرابات السياسية في تركيا. ثم تلا ذلك جمهور يقذف بالحجارة وهو يزحف في الشارع الرئيسي نحو مركز الشرطة، واطلق الشرطة النار في الهواء، وتراجع الجمهور واقام المتاريس وحوالى منتصف الليل انطلق وزير الداخلية ناهد منتيس من انقرة الى اسطنبول بطريق البر. ومع انبلاج الفجر كان الوف الناس قد احتشدوا امام الجامع بجوار غازي، محتجين، متظاهرين، وقام الشرطة باول هجوم لهم، مستخدمين عربة مصفحة لتحطيم المتاريس، ثم راحوا يضربون المتظاهرين، غير ان الجمهور لم يتفرق، اطلقت النيران، وسقط احد الرجال صريعا، كثيرون آخرون نقلوا الى المستشفى مصابين بجروح. لقد كان الهجوم رديء التنظيم، هو محاولة من الشرطة للرد على رميهم بالحجارة في الليلة الماضية اكثر منه عملية أمنية صحيحة لتوطيد الأمن. لم يكن لها اي لزوم، ولا كانت ناجحة، لقد قضت على اي امل باحتواء العنف، وبأن يقوم العلويون بدفن موتاهم بدون اي حادث. وفيما كان ناهد منتيس، والوزير محمد مغلطاي، ووزير الحقوق الانسانية عزيمة كويولوغلو (العلوي)، وحاكم اسطنبول خيري كوزاكشيوغلو، ورئيس الشرطة القومية، محمد اغار، ونائب زعيم الشعب الجمهروي (CHP) مصطفى تيميسي، ونائب سي.ات.ب لاسطنبول محمد سفيجن، وشخصيات علوية بارزة يبحثون القضية بتفصيل في مقر الحاكم، كان الوضع على الارض يتزايد سوءا. ولحضور الجنازات وللاحتجاج على اطلاق النار، كان المزيد من الناس يصلون الى جوار غازي، مرورا بالشوارع الخلفية او في مواجهة متاريس الشرطة. تم وصل زعيم الحزب الديموقراطي اليساري بولنت اجاويد الى الموقع لكنه لم يسمح له باجتياز متاريس الشرطة، وفي اية حال لم يلق من الجماهير ترحيبا حارا. ثم وجد غالبية الشرطة انفسهم يتراجعون الى مركز الشرطة، هنا كان الحقد الممزوج بنفاد الصبر قد بلغ ذروته لدى الجانبين. بدا ان بعض رجال الشرطة كانوا يستهدفون اشخاصا معينين بين الجماهير، وحققوا العديد من الاصابات، وقيل ان الرصاص اطلق من قبل الجمهور كذلك. وفي وقت لاحق قيل ان اصابات ستة من كثيرين من جرحى الشرطة كانت بالرصاص، اما بين المدنيين فان 15 شخصا على الاقل صرعوا بالرصاص او اصيبوا بجراح مميتة، ان غالبية صور ميدان المعركة الفوضوية في الجوار سجلت في هذه الفترة وظهرت في الصحف وعلى شاشات التلفزة. والصحفيون الذين وصلوا الى الموقع لتغطية جنازتين، ولتصوير الحطام، وللحصول على افادات شهود العيان لاحداث الليلة الماضية والصباح الباكر وجدوا انهم في معركة حامية، لا يعرفون هل ينقلون الجرحى، ام يتوسطون، ام يهربون، ام يواصلون مهمتهم. منهم من ضربه رجال الشرطة. محاولات الزعماء العلويين لتهدئة الجمهور باءت بالفشل، وقوطع الاجتماع في الجامع، وقد ضم شخصيات منها الموسيقار، ومدير السينما، والمعلق الصحفي، والمرشح السابق من قبل الحزب الديموقراطي الاجتماعي (SHP) لرئاسة بلدية اسطنبول، زولغو ليفانيلي، وعضو المجلس النيابي لانقرة، سلمان كايا، وزعيم »ديسك« DISK اتحاد نقابات العمال اليساري/رضوان بوداق. وفي الشوارع الجانبية استخدم الشرطة قضبانا حديدية لضرب المتظاهرين، فيما القيت قنابل نفطية على السيارات، وتواصل الشغب المتزايد. ولعل الامور كانت قد هدأت بعد الساعة الواحدة حين حملت الجثث وانتظمت اكثرية الجمهور لمرافقتها في الطريق القصيرة الى المدفن المجاور، لولا ان سيارتين مصفحتين اندفعتا، في هذه الفترة، على ما قيل، في صفوف الجنازة، بارشاد من طوافة كانت تحلق فوق الرؤوس. وبنتيجة ذلك، لم تستطع القوات قبل منتصف بعد الظهر ان تسيطر على الوضع، الا بعد ان اقامت متاريسها من الاسلاك الشائكة، واخذ الهدوء والمنطق يسودان. وطلب من الجميع ان يعودوا الى منازلهم ولكن مجموعة كبيرة من المتظاهرين ظلت بعد ذلك اربع ساعات، لم يكن بالامكان تنفيذ حظر التجول بدقة واحكام. وفي مقر حاكم اسنطبول كان فتيس قد اصدر للصحفيين تصريحا لم يزد الامور توضيحا، قال ان الهجوم المسلح الاول على المقاهي ربما قامت به منظمة ب.ك.ك. او »دف سول« او المجموعة الارهابية الاسلامية المعروفة ب آي.ب.دي.ايه سي (IBDA-C) وفي وقت لاحق من النهار نفسه قال انهم يرتابون بوجود تعاون بين منظمة ب.ك.ك. وحزب ا"، وهو امر غير محتمل الى حد بعيد جدا، كذلك انحى منتيس باللائمة على كوزاكشيوغلو لانه لم يوطد الأمن في وقت سابق. الكثيرون من المراقبين شعروا انه كان يجب استدعاء القوات بسرعة اكبر. وفيما استطاع كوزاكشيوغلو ان يدافع عن نفسه في وقت لاحق، فانه لا شك بأن الجماهير لم تكن تنظر الى الجنود بنفس المنظار كالشرطة. آنذاك علت انشودة تقول »ان افضل الجنود هم جنودنا«. وفي التظاهرات التالية في امكنة اخرى ايضا، ارتفعت شعارات تمييز بين الشرطة »الفاتيكن« والجنود البواسل. لم تقطع اية هجمات جماهيرية على القوات، والسكان امنوا لهم المرطبات وتعاونوا معهم في توزيع الخبز في اليوم التالي. لعل ذلك محض »كليشيه«، ولكن القوات المسلحة في هذه البلاد تعتبر كأنها تنتسب الينا، منبثقة »منا«. والمواطنون العاديون كانوا، مهما بلغت بهم الراديكالية، ينظرون الى الشرطة باعتبارهم »آخرين«، او »هم«، لكنهم لم يكونوا ينظرون كذلك الى القوات المسلحة. وفي غازيوسمنباسا كان العلويون واثقين من ان القوات المسلحة سيتصرفون تصرفا عقلانيا، وبأنهم سيتقيدون بالتعليمات، وبأنهم غير منحازين سياسيا، وبأنهم لن يفتحوا النيران على المدنيين. تلك هي زاوية ذات اهمية في تاريخ الجمهورية بوجه عام، لا سيما في انقلاب عام 1980 بصورة خاصة. بعد ظهر يوم الاثنين عقدت الحكومة اجتماعا في انقرة، بذكر كانت متأخرة بالطبع، ان عجز الحكومة عن العمل في الصباح او في المساء السابق، كان يذكر، بقوة، بعجزها عن التدخل في مشاغبات سيواس ولقد حدثت تلك المشاغبات في وقت كان فيه الزعيم الديموقراطي الاشتراكي ونائب رئيس الوزارة، اردال اينونو على وشك التقاعد. ووجد العنف في غازيوسمنباسا مراد كاريلتجين، خلف اينونو في الوضع نفسه، بفضل اندفاع اس.اتش.ب. (SHP) في سي.ات.ب. (CHP) وانتخاب حكمت تشيتين لرئاسة الحزب الجديد (الشعب الجمهوري) آنذاك كانت التغييرات الوزارية تستغرق وقتا. ولم تكن تشلر قد دعت مجلس الوزراء للانعقاد منذ ثمانية اسابيع، وبدوره كان ورئيس الجمهورية سليمان دميريل، خارج البلاد. وهنا يحسن بنا ان نذكر ان دميريل كان قد فقد منصبه كرئيس للحكومة بنتيجة المداخلات العسكرية، وان الذين قاموا بانقلاب عام 1980 استطاعوا في وقت لاحق ان يتهموه بالاخفاق بالتوصل الى تفاهم مع اجاويد، وان يتهموا البرلمان بالعجز عن انتخاب رئيس جديد للجمهورية، وباختصار، كان يعبث فيما كانت روما تحترق، للمرء ان يتساءل: هل كان وقع اقدام الجنود يرن في آذان الوزراء، ولو بصورة خفيفة، بعد ظهر يوم الاثنين؟ في اليوم التالي اجتمع مجلس النواب وصوت على انشاء لجنة للتحقيق في الاحداث. كان عدد القتلى يتزايد، ولا يزال هنالك بعض الشك حول العدد النهائي للصرعى، كما ان هنالك تقارير عن الكثيرين من المدنيين المفقودين. يوم الثلاثاء القيت قنبلة نفطية على سيارة فيها ركاب في جوار غازي، قتل شخص، واحد، فيما اصيب ثلاثة بجراح خطيرة. ويوم الاربعاء عاد الشرطة فاستخدموا الاسلحة النارية اثناء مسيرة احتجاجية في عمرانية. الظاهر ان اطلاق الرصاص صدر عن الجمهور في البداية، على ان هنالك قولا بأن الشخص المسؤول هو في الواقع شرطي بلباس مدني عادي او مخبر للشرطة. التعليمات التي اعطيت للشرطة من قبل منذر بواسطة الخط اللاسلكي بعدم فتح النار مسجلة بصورة عامة شاملة، كما انها نقلت على شاشة التلفزيون وفي الصحافة. قتل اربعة مدنيين، وبهدوء جرت الاحتجاجات في انحاء عديدة اخرى في اسطنبول، ثم توقف التوتر المستمر والتظاهر المتتابع في جوار غازي مع دفن المزيد من الجثث، والاعلان عن اطلاق سراح ستين موقوفا، وانهاء حظر التجول صباح الخميس. على ان السلطات بقيت حذرة، برغم ذلك، ثم ان حظر التجول اعلن بعد اطلاق النار في مواقع كثيرة كانت التظاهرات قد جرت فيها. وبينما كانت المسيرات الاحتجاجية الموازية في قلب اسطنبول، وازير وبورصة قد جرت بهدوء يوم الثلاثاء، فان انقرة عرفت العنف ان الشرطة الناقمين هنا منعوا المتظاهرين من الوصول الى المجلس النيابي باستخدام المدافع التي تضخ الماء، والكلاب، والعصي. وردا على ذلك قذف الشرطة بالحجارة، فاعتقل نحو ماية شخص. هذا من ناحية، اما من ناحية اخرى فان العديد من المدارس القرآنية والجوامع لطخت او قذفت بالحجارة على اثر هذه الاحداث والتظاهرات العديدة في اسطنبول، مما يوحي ببذل جهد من قبل الراديكاليين لزج المسلمين السنة، او الاصوليين على الاقل، في هذه العملية. ثم ان رئيس المجلس النيابي حسام الدين سندوروك وزعيم حزب الوطن الام المعارض الرئيسي، ايه. ان. ايه. ب. (ANAP) مسعود يلماز، عمدا معا الى التحذير من احتمال حدوث الشغب بعد صلاة ظهر يوم الجمعة. وبصوت واحد انتقد ممثلو المنظمات والنقابات والمنظمات المهنية العلوية الشرطة ووزارة الداخلية حكمت تشيتين رئيس حزب الشعب الجمهوري /CHP/ زار غازيو سمنباسا واتصل بالمسؤولين المحليين والسياسيين وبأفراد المجموعة العلوية، الا انه منع من زيارة جوار غازي، بدا كأنه غير واثق بالنسبة لما يجب ان تكون قوة انتقاد الشرطة او للعبارات التي بها ينتقدهم. وهنالك شخصيات اخرى من سي. اتش. ب. بالاضافة الى اجاويد، كانوا حريصين بصورة خاصة بأن يشيروا الى مدى تسرب اليمين الى اوساط الشرطة. وفي اجتماع لحزب سي. اتش. ب. البرلماني يوم الثلاثاء، اعلن محمد كريم اوغلو، على ما قيل، ان »الانين الصادر عن غرف التعذيب« في قوات منذر »انقلب الى صراخ«. على انه كانت هنالك بالاضافة الى ذلك دعوات لاستقالة منذر وكوزاكشيوغلو ومنتيس قبل سواه من برلمانيي دي. واي. ب. DYP ومن معارضة يمين الوسط في حين ان مسعود يلماز زعيم ANAP دعا الى استقالة الحكومة بكاملها. ترجمة: ميخائيل خوري * استاذ العلوم السياسية في جامعة انقرة.