كان استيلاء العسكر على السلطة في الجزائر بقيادة العقيد بومدين، وهيمنة العقل السياسي العسكري على العقل الحزبي والحكومي، مصحوبين بالرغبة العارمة في السيطرة على الساحات السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والأمنية، والسحق لجميع تكوينات المجتمع المدني الحديث، من احزاب سياسية، ونقابات، وصحافة حرة، طالما ان الجسم المجتمعي في نظر العسكر لا يزال في الدرجة الصفر، جسم مجتمعي لا يزال في حالة عدم تشكل وانقسام طبقين، اي بمنزلة كتلة صماء، تخضع للتشكيل واعادة التشكيل بالاوامر، والقرارات، والتشريعات، التي تصدرها السلطة العسكرية المسيطرة على جهاز الدولة. فالعسكريون الجزائريون الذين يدعون الثورية وتطبيق الاشتراكية، واحدثوا تغييرات شكلية في تركيبة النخبة الحاكمة، يتماثلون مع العديد من النظم العسكرية في آسيا وافريقيا، في كونهم انشأوا نظام حكم الحزب الواحد، حيث يقول جويندولين كارتر GWENDOLYN M. CARTER عن دولة الحزب الواحد في افريقيا، بأنه في معظم الحالات تكون »محصلة تعبئة الاشخاص والمجموعات في فترة ما قبل الاستقلال«(1). لقد تحول العسكر بعد ان نالت الجزائر استقلالها الى تنظيم قومي مستقر، يبغي اقامة الدولة الحديثة، وبناء الوحدة الوطنية، وتحقيق التنمية الاقتصادية، واضفاء طابع الواحدية على المجتمع باعتبارها افرازا للعقل السياسي العسكري التسلطي الذي هيمن في العالم الثالث غداة الاستقلال، والذي ينطوي على صورة نمطية احادية عن المجتمع والدولة، ويرفض باطلاقية التعددية السياسية كركيزه للديموقراطية والحرية والازدهار في المجتمع، حيث ان التعددية والعقل السياسي العسكري التسلطي نقيضان لا يلتقيان، ويشرح الكاتب نبيل عبد الفتاح مخاطر العقل السياسي التسلطي في انه يزرع اليأس في وسط اوسع القطاعات الاجتماعية، وعندما يزدهر اليأس، واللامبالاة الجماعية بالسياسية، والفعل الاجتماعي يتوارى العقل النافذ، رمز الوجود الانساني والسياسي الحي وراء ضجيج الغوغائية السياسية والمهنية والاجتماعية التي تحركها الجاهلية السياسية والشهوات التسلطية والقمعية في الحكم او المعارضة او مساحة العمل المدني(2). ويعلل العسكر فرض اختيار نظام الحزب الواحد ورفض التعددية السياسية، الى طبيعة المجتمع الجزائري اثر استرجاع الاستقلال الذي لم تتبلور فيه الطبقات الاجتماعية بشكل بنيوي، والتي تتطلب وجود تمثيلات سياسية معبرة عنها، حيث ان الاكثرية الساحقة من الشعب الجزائري كانت تنتمي الى الفئات الكادحة، فضلا عن ان حزب جبهة التحرير الوطني كان يضم كافة فئات الشعب المتكونة في معظمها من الفلاحين الفقراء، بحيث ان الاثرياء لا يشكلون بأي حال من الاحوال طبقة متميزة، حسب وجهة نظره. بل ان الطبقة الوحيدة المتميزة والسائدة في الجزائر كانت طبقة الفرنسيين من موظفين سامين و»كولون« Colons »ملاك زراعيين« و»اقدام سود« Pieds Noirs مستوطنين. لهذا كان العسكر ينظر الى حزب جبهة التحرير الوطني، على انه حزب مفتوح امام »كل رجل جزائري او امرأة جزائرية يشترك في النضال من اجل اهداف التنظيم الذي ينتمي اليه طبقا للقواعد السارية، وينجز كل التزاماته لذلك التنظيم«، حسب المادة الخامسة من ميثاق الجزائر. فهو ليس حزبا ايديولوجيا خالصا بالمعنى الليبرالي الغربي، ولا هو حزب طبقي بالمعنى الماركسي، بل هو »حزب امة« كما وصفه بومدين. ولعل هذا الواقع الذي يمكن اعتباره حقيقة فعلية او مغالطة منهجية، هو الذي ادى بالرئيس الراحل بومدين الى عدم اعتبار التعددية السياسية والممارسة الحزبية ضمن اولوية اولوياته، متوجها بذلك نحو انشاء نظام الحزب الواحد، الذي يعتبر اكبر خطأ ارتكبه في مسيرته السياسية على حد قول مثقف جزائري محي الدين عميمور، الذي يصف نظام الحزب الواحد، بأنه »كجبيرة الجبس التي تحيط بساق مصابة بكسر مضاعف، واذا كان وجودها ضرورة مرحلية فان استمرارها اكثر من المدة المعقولة يؤدي الى مضاعفات خطيرة من بينها الضمور النهائي للعضلات، وقد يكون من بينها تعفن الساق المحروقة، بكل ما ينجر عن ذلك من اخطار، وربما كان هذا هو اقرب مثال لما حدث في الجزائر«. ويعتقد العقل السياسي العسكري التسلطي، ان التعددية السياسية في وضعية الجزائر الغارقة في التخلف الاقتصادي والثقافي والفكري، لن تكون في مصلحة الشعب، وان الديموقراطية داخل جبهة التحرير الوطني يجب صيانتها بمواد مثل المادة 120، التي اصبحت فيما بعد المادة 121، ثم تم الغاؤها. وتهدف هذه المادة الى عدم السماح بالدخول في حزب جبهة التحرير للذين ينتمون لتنظيم سياسي آخر، الصيغة جيئ بها من الاتحاد السوفياتي، وذلك حينما بدأ الشيوعيون يتغلغلون في صفوف جبهة التحرير الوطني. واذا كان الحزب قد وجد في بعض البلدان العربية قبل وصوله الى السلطة، حيث عمل بعد وصوله الى سدة الحكم بوساطة الانقلاب العسكري على بناء نظام الحزب الواحد، والدولة التسلطية التي يحتل فيها العسكر المواقع الاستراتيجية، فانه في واقع الجزائر لم يكن هناك حزب حقيقي، وانما كان هناك العسكر. فالعكسر هو الذي وصل الى السلطة عام 1962، عندما اختار احمد بن بلا رئيسا للبلاد وللدولة قبل ان ينتخبه الشعب. ثم ان العسكر هو الذي اسقط بن بلا، وجاء بهواري بو مدين الى قمة الدولة في العام 1965. والحال هذه كان حزب جبهة التحرير الوطني في كل المعارك الحاسمة رديفا تابعا ومكملا للعسكر، وهي ظاهرة عامة ملازمة لتاريخ جبهة التحرير الوطني منذ مؤتمرها التأسيسي الاول في وادي الصومام 20 آب 1956، او مؤتمرها الثاني في ربيع 1964، او المؤتمر الاستثنائي بعد وفاة هواري بومدين، حيث ان هذه المؤتمرات كانت كلها »ثمرة لتوازن القوى المرحلي القائم آنذاك بين القطاعات والاجنحة والاختيارات الجهوية والايديولوجية والاجتماعية داخل جيش التحرير الوطني، ثم داخل الجيش الوطني الشعبي«، على حد قول الشريف بلقاسم الذي تحمل مسؤولية الامانة العامة التنفيذية لحزب جبهة التحرير الوطني، غداة الاطاحة بحكم الرئيس بن بلا. وكان حزب جبهة التحرير الوطني المستنزف بصراعاته الداخلية عاجزا تاريخيا عن بلورة مشروع مجتمعي حديث لحل اشكالية الصراع على السلطة، وبناء الدولة الحديثة التي تقوم على فصل السلطات، وارساء بنية سياسية ديموقراطية تتجاوزها انقسامات المجتمع التقليدي العمودية، الفئوية، المحلية، والاقليمية، وتفسح في المجال لصراع المصالح، الطبقية في الاعم الاغلب. ذلك ان التطور الديموقراطي، ومفهوم المواطنة كقيمة وممارسة تميز الثقافة السياسية الحديثة، وتحديث السياسة بوساطة الديموقراطية، وتحديث الثقافة بالعلمانية والعقلانية، ومشاركة الشعب بالسياسية، تشكل جميعا المعطيات الاساسية لسيرورة خلق نسيج متلاحم للبنية المجتمعية السياسية. ولا شك ان هذا العجز البنيوي الذي لازم حزب جبهة التحرير الوطني، وما رافقه بالمقابل من صعود قوى للمؤسسة العسكرية، يعود الى افتقار الجبهة لايديولوجية ثورية، وسياسة عقلانية، تسهمان في تغيير البنى الذهنية، والعقليات، وتشكلان محركا رئيسا للتعبئة السياسية، وتقدمان تصورا جديدا لخلق حزب جماهيري ينضج سيرورة توطين فكرة الاشتراكية عامة، والدولة الاشتراكية بخاصة، في النسيج الثقافي والاجتماعي والذهني للشعب، وقد ادى هذا العجز الى اغتراب العمال والفلاحين عن التفاعل مع الدولة الجزائرية التقليدية المشتركة، البعيدة كل البعد عن الدولة الاشتراكية التي تستوعب مكتسبات الثورة البرجوازية وتكمل نواقصها وتتجاوزها نحو مزيد من العقلانية والديموقراطية، والتفاعل ايضا مع بنية حزب يفترض انها نظمت لكي تغرس فكرة الاشتراكية في بنية عربية اسلامية كي تتقبلها، وتخدم مصالح الطبقات الفقيرة على اساس انها »التنظيم الطليعي للشعب الجزائري«، حيث تقول الدكتورة مغنية الازرق معلقة على ذلك، بأنه »على النقيض من الحزب الشيوعي الصيني، فان جبهة التحرير الوطني لم تعول على »الجماهير«، ولا هي عبأتها، انها تحولت نحو حلبة كانت تتحارب فيها الاقسام الراديكالية والمحافظة من البرجوازية الصغيرة الى ان ساعد انقلاب 1965 العسكري هذه الاخيرة على ان تسود«(3). والواقع انه في ظل النظام السياسي الذي يحكم الجزائر منذ الاستقلال، كانت السلطة الحقيقية باستمرار في يد الرئيس، والرئاسة كانت صاحبة القرار في كل شيء، لا الحزب، ولان اعضاء مجلس الثورة لم يكونوا مقتنعين بفكرة الحزب، وعملوا على تهميشه، بتركيزهم على »هيكلية الادارة وبناء الاقتصاد«، فالبيروقراطية العسكرية والتكنوقراطية التي احتلت جهاز الدولة، الحقت بركبها مختلف الفئات الاجتماعية بامتصاص قادتها، وناصبت العداء للمنظمات الطلابية والعمالية التي خرجت في مظاهرات احتجاجية، تندد بتدخل الحزب في شؤون النقابات، لفرض هيمنته ووصايته عليها، وضرب استقلاليتها. وهذه البيروقراطية العسكرية التكنوقراطية التي تجسدت انطلاقا من ظاهرات متزامنة للترقي الاجتماعي كانت تعبر عن الموقع المفصلي للطبقة الوسطى، في مجتمع مجزأ بتعدد الاندراج في الاقتصاد الكولونيالي، وفاقد لتجانسه بسبب تواكب انفساخ حزب جبهة التحرير مع انفساخات من الطرازين الصناعي والاولي، وكانت تلحق جميع المطالبات والرغبات الخاصة للعمال الفلاحين بشعارات الاستغلال الوطني وتأميم الدولة. لقد طغت الدولة في نزعتها الكلية على الجسم المجتمعي الذي دمرت الرأسمالية الكولونيالية توازنه العرضي والذي كانت تتصف به العلاقات بين القبائل والجماعات القروية والحواضر، واخضعت مكوناته المختلفة لنمط جديد من التنظيم الاقتصادي والدولتي، باسم عقلانية مشروعها الكبير نحو تحقيق مجتمع الاشتراكية والتقدم عبر انجاز الثورة الزراعية والتطوع، وبناء الصناعة الثقيلة والتسيير الاشتراكي للمؤسسات، ونشر ديموقراطية التعليم والطب المجاني، والاسراع بوتيرة التحديث، والاقتراب من اليسار منقادة في ذلك ببريق اليسار الشعبوي عبر فتح ابواب المنظمات الجماهيرية امام المعتقلين السياسيين من حزب الطليعة الاشتراكية الذين تم سجنهم غداة انقلاب بومدين ليحتلوا فيها مواقع القيادة وبخاصة منظمتي الاتحاد الوطني للشبيبة الجزائرية، والاتحاد العام للعمال الجزائريين، وقيادة حركات التحرر عربيا وافريقيا وعالميا حين ترأس بومدين حركة عدم الانحياز في عام 1973، من خلال انفتاحه على الاتحاد السوفياتي والدول الاشتراكية، وسعيه الى تجريب عدد من تجارب هذه الدول في مجال الاقتصاد والزراعة. ولكن بمقدار ما كانت الدولة تقود تنظيم عملية التراكم، وتشكيل قاعدة لاضفاء الشرعية انطلاقا من قوة المساندات من جانب العمال والفلاحين، بفضل وجود الريع النفطي الذي يمنحها القدرة على ان تكون المالكة الاساسية المقررة في توزيع المداخيل، كانت سلطة بومدين تنتهج خطين متوازيين ان لم نقل متناقضين يعكسان بجلاء الازدواجية الايديولوجية والسياسية لسلطة العسكر في الجزائر خلال عقدي الستينات والسبعينات، فالخط الاول كان يجسده بومدين ويتمثل في النهج الاشتراكي الشعبوي، الذي يشكل البرنامج الاساسي للنخبة السياسية الحاكمة المسيطرة على مجموع الدولة الحزب، والذي تكمن اهدافه في التحديث السريع والعقلنة، الا ان الاثار الناجمة عن هذا الخط تمثلت في بناء دولة تقليدية ذات طابع تيوقراطي مطلية بطلاء اشتراكي، ومغلقة بمسحات ادارية وتكنولوجية حديثة، اما الخط الثاني فيتبناه بومدين ايضا، وان كان يبدو في الظاهر على الاقل متناقضا ومتضادا مع الخط الاول، ويتمثل في تدعيم النهج غير العلماني للدولة من خلال التأكيد على المرجعية الاسلامية، اي ان الاسلام هو دين الدولة، وفي تشجيع جناح من الاسلاميين، وهو جناح المثقفين والجامعيين باقامة مؤتمر فكري سنوي دولي حول قضايا الفكر الاسلامي. وقاد هذا الخط كل من وزير التعليم الاصلي السيد مولود قاسم ووزير الشؤون الدينية عبد الرحمان شيبان. هاتان الشخصيتان قامتا بالاسهام في تشجيع الحركة الدينية بحكم تكوينها الفكري الايديولوجي من جهة، ومن جهة اخرى لخلق تربة تساعد على الحد من هيمنة اليساريين الفكرية والسياسية على مختلف مؤسسات المجتمع المدني، وعلى مقاومة الاتجاه الفرنكوفوني العلماني الذي كان يقاوم اي مشروع يسعى الى تعريب المنظومة التربوية والادارة(4). (يتبع) المصادر (1) Gwendolyn M. Carter, ed, African one-party states (Ithaca: cornell university press, 2691+ (P3). (2) نبيل عبد الفتاح عقل الازمة دار سشات للدراسات والنشر والتوزيع، القاهرة الطبعة الاولى 1993 (ص 4443). (3) مغنية الازرق نشوء الطبقات في الجزئر ترجمة سمير كرم، مؤسسة الابحاث العربية الطبعة الاولى ايلول 1980 (ص 173). (4) احميدة عياش: الاسلاميون الجزائريون بين السلطة والرصاص، دار الحكمة الجزائر 1992 (ص 88).