تمكن الكاتب هاني السعدي الذي قدم الينا من قبل عددù من النصوص الدرامية كغضب الصحراء والبركان، في مسلسل »الجوارح« من ايجاد وحدة درامية للنص الذي يكتبه وبناء شخصياته وتفاعلها مع الحدث بطريقة تكاد تكون ملحمية. فما الذي تقوله هذه الحكاية/ النص؟ والى اي حد انفتح النص على التأويل؟! ان كل من يشاهد »الجوارح« يتوقف عند اكثر من معطى يقدمه النص. الاول، ان العمل بمجمله يؤكد أن الوحدة تؤدي الى القوة، وهذا المعطى عالجه هاني السعدي بشكل موفق في »البركان«. والثاني، ان العمل في الجزء الاخير منه يدين منطق الاعتداء على الغير، وهذه نقطة هامة في دلالات النص الآنية. وقد لاحظ اغلبية المشاهدين الذين تحاورت معهم، جوانب من حرب الخليج في الحلقات مرسومة بعناية، نمت وترعرعت واخذت مسارها الدرامي وفق منطقها الخاص الذي يحدد ملامح طاغية من نموذج ما، دفعه جنون العظمة الى التفكير بالسيطرة على اراضي قبيلة اخرى بعدما رفضت هذه القبيلة مشاركته ارضها بسلام. ثم جند لتحقيق غايته كل قوة القبيلة التي يسيطر عليها، واندفع في جنونه رافضù كل محاولات ثنيه: »1 فتاة صغيرة تقدم اليه حمامة السلام. 2 وجود اهله في القبيلة التي يعتدي عليها. 3 محاولة الاب/ ابن الوهاج ان يثنيه عن عزمه في الغزو. 4 الحجج التي وضعها له الاخوة في مساعدة الأب على اقناعه.. الخ«. بالاضافة الى الحوار الهام، الذي يعطي مفاتيح ذات دلالات رمزية: »ابن الوهاج: حولتهم الى جوارح يفتكون بالابرياء. وهذا ما لا نريده. اسامة: سأسلك أي طريق يجعلني اعتلي السحاب. الاشعت: هذا رجل يجب أن نخشاه كما نخشى الطاعون. العنقاء: هل تظن ان اباك واخوتك سيتفرجون عليك وانت تحارب الاشعث؟. أسامة: لا احب ان يشاركني احد في الحكم« ثم تأتي الصيحات الأخيرة من الاب لابنه، ثم دعوته للمبارزة، ثم طعنه! على هذا الأساس، لم يكن أمام المشاهد العادي، الذي اعطيناه حق التأويل، الا ان يسقط ما عاشه في حرب الخليج على ما شاهده امامه وما سمعه من حوار. ولكن السؤال الهام الذي طرح نفسه عند هذا التأويل، هو الذي يدور حول المعنى الرمزي لطعن اسامة بن الوهاج من الخلف؟ ان هذا التأويل، اذا كان احاديù فانه يغلق النص، وهذا ما لا يريده هاني السعدي بالضرورة، وان كانت عملية الاخراج اضافت مشهدù جديدù يفتح الأفق للاحتمال هو مشهد الطفل »ليث بن اسامة« وهو يغيب في عمق الكادر مخلفù وراءه أمه »خولة بنت الباهلي« وخاله، بالاضافة الى ابيه اسامة بن الوهاج المطعون من الخلف من اهله. لذلك لا بد من القول ان قوة نص الجوارج، وانفتاحه على الاحتمالات، لم تجعل هذا الاسقاط وحيد الجانب، ولكنها دانت المنطق الذي وقعت فيه حرب الخليج بكل ابعادها! وينبغي القول، ان غياب الجانب الاقتصادي، في حياة القبائل التي عاشت هذه الاحداث، اوقع النص في فجوة كبيرة، فالجميع لا يعملون الا بالفروسية، والجميع يظهرون بمظهر الثراء. أيكون هذا مدعاة للتأويل ايضù، حتى لو كنا في مجال الفانتازيا؟ الصيغة هذه المنظومة، أي منظومة النص ومضمونه الدرامي، كان لا بد لها من صيغة فنية لاظهارها بالشكل المرئي، وكان هذا يستلزم مقومات لهذا الاظهار، وهي التمثيل والديكور والملابس والماكياج والموسيقى والتصوير والاكسسوارات وغير ذلك، على أن يقوم الاخراج بنظمها واعطائها البعد الذي يراه وفق لغته الخاصة والامكانات الانتاجية المتوفرة، التي بلغت نحو ثلاثين مليون ليرة سورية كما قال هاني السعدي قبل بدء التصوير. ان تبني نجدة اسماعيل انزور لهذه المنظومة الفنية، ينبغي النظر اليه وفق معطيين، الاول: ان وجهة نظر هذا المخرج هي وجهة نظر سينمائية تعتمد على تشكيلات خاصة تحلق بعيدù في اللون والحركة والايقاع، وقد شاهدنا نموذجù عنها في عمله السابق: نهاية رجل شجاع المأخوذ عن رواية لحنا مينة. اما المعطى الثاني، فيتعلق بالاعمال التي سبقت هذا العمل مستخدمة اللغة السينمائية نفسها، بامكانات انتاجية اقل وبتماس اكثر مع الواقع. فاذا كان »غضب الصحراء« هو الخطوة الاولى على هذا الصعيد، كما قال مخرجه هيثم حقي اكثر من مرة، فان »الجوارح« هو الخطوة الاخيرة، وليست النهائية. وبين هاتين الخطوتين لدينا اكثر من عمل درامي تلفزيوني تعامل مع هذه اللغة السينمائية، كهجرة القلوب الى القلوب الذي كتبه عبد النبي حجازي واخرجه هيثم حقي. (واقعي). والبركان الذي كتبه هاني السعدي واخرجه محمد عزيزية (فانتازيا تاريخية)، وحتى، نهاية رجل شجاع المأخوذ عن رواية لحنا مينه.. (واقعي).. وقف النقد الدرامي عند هذه الاعمال مطولاً، واعتبرها من الاعمال المتميزة والهامة في الدراما السورية. الا ان الامكانات الانتاجية لهذه الاعمال، لم تكن بمستوى امكانات »الجوارح«، وهذه مسألة قد تحد من تطلعات المخرجين، الساعين الى التعامل مع اللغة السينمائية. لهذا لا بد من القول عند التقويم الايجابي للجوارح انه عمل متطور على صعيد الاخراج، واللغة السينمائية المستخدمة فيه، والتي برزت في اعمال سبقته، وان عوامل انتاجية جيدة قد توفرت له. ان التجربة السابقة لنجدة انزور، أي في »نهاية رجل شجاع« حفزته، ضمن معطيات النص الجديد »الفانتازي« الى تصعيد استخدامه ادواته الفنية بدءù من الديكور والاكسسوارات ووصولاً الى عملية التصوير والمونتاج ووضع الموسيقى التصويرية. فالممثلون الذين لعبوا ادوارù هامة من قبل، وجدوا الفرصة مرة اخرى لتقديم اداء تطلبه جو العمل الذي استلزم مرونة جسدية عالية، وحركة ممثل مدروسة وفق الايقاع الدرامي للمشهد، على الرغم من بعض الجمود الذي لوحظ في حركة بعضهم اثناء اداء الحوار. وضمن هذا الاطار، كان للكومبارس الاهمية القصوى في صناعة المشاهد الجماعية، ولا بد من الاعتراف بتطور التعامل مع هذا الجانب في الدراما السورية، كما فعل هيثم حقي في اكثر من عمل له، وكما فعل بسام الملا في ايام شامية. وفي »الجوارح« غاب الممثل النجم، بل ظهر لكل مشهد درامي نجم الى ان تمكن ممثلو المشهد الأخير الثلاثة من تحويل بقية الممثلين الى مجرد شخصيات منفعلة. والتصوير في »الجوارح« كان من العوامل البارزة في الصيغة الاخراجية (حنا ورد + سمير كامل جبر) فعلى الرغم من ضيق حيز المشهد على شاشة التلفزيون، استطاع التصوير ابراز جزئيات المشهد وحركته، وساعد الاستخدام اللوني في الملابس بالاضافة الى الاكسسوارات على اعطاء بعد جديد لعملية التصوير. وكل هذا كنا نشاهده امامنا في مبارزات الفرسان، والمعارك، وحركة الاحصنة والعروض التي قدمت (على الارض وفي الماء). ان التصورات الاخراجية التي وضعها نجدة انزور للجوارح، كانت تسعى الى تقديم انموذج في هذا اللون الدرامي وتقنيته، وهذا ما اوجد تعقيدات هي طبيعية ضمن هذه التصورات. وقد افرزت هذه التعقيدات عددù من المآخذ تم تبرير بعضها بحجة ان العمل هو عمل فانتازي. فالملابس غريبة عن البيئة العربية، والخيام لا تناسب هذه البيئة. الا ان الاهم من ذلك كله هو غياب عدة جوانب هامة كادت تضر ببنية العمل، من بينها: { غياب البعد الزمني من الصورة، حيث لا يكفي ان نشير الى ليلي او نهاري، في عمل كهذا. فالخيام التي نحتج على عدم ملاءمتها للبيئة العربية، وكذلك الملابس، كيف تتعامل مع جو شتائي وبارد مثلاً.. { غياب مرتكزات البنية الاقتصادية عن حياة القبائل التي يتحدث عنها العمل. فلا تكفي بضعة اغنام للدلالة على حياة الرعي. فالثراء الواضح عند قبيلة ابن الوهاج وحتى عند ابن الاشعت والباهلي نسبيù غير مبرر اقتصاديù بالاضافة الى ابتعاد البنية السكانية/ الديموقراطية للقبيلة عن اجواء العمل اليومي/ اللهم الا الموسمية.. والفخار في بعض المشاهد. { الملابس جديدة دومù، وكذلك الخيام! وليس هناك من شيء قديم او مهترئ او متسخ، فلماذا؟ وهذه الاشارات، قد تكون لها اجابات في اطار البنية التخيلية للنص وحتى للصورة، وهذا ما يتطلب دراسة متأنية لمفهوم التخيل والفانتازيا في الدراما التلفزيونية. وعلى كل حال، فان دراسة سريعة كهذه، لا يمكن أن تفي هذا العمل حقه، الا أن الحرص على الثراء الفني هو الدافع دومù الى مثل هذه الاشارات. لقد تطابقت منظومة النص/ المضمون مع المنظومة المرئية الى حد كبير، فبدا نص »الجوارح« نصù مرئيù اخاذù ينبغي الوقوف عنده في تطور لغة السينما في التلفزيون. واذا كان الاعلان عن جزء آخر من الجوارح قد حاز رضا الجمهور، فان هذا الرضى يفرض على طاقم العمل الاساسي فيه، ضغوطù كبيرة، واعباء اضافية اثناء انجاز هذا الجزء. واذا كان الجزء الاول من الجوارح اساءت اليه الاطالة في حلقاته الوسطى، فان الجزء الثاني يجب ان يتلافى ذلك، ليس بانقاص عدد الحلقات، وانما بدراستها كوحدات درامية تترابط مع بعضها البعض، فتحقق كل وحدة فعلها الدرامي. عماد ندّاف