يرتكز أبو عفش في أعمال المعرض الى منهج واقعي تعبيري، يبتعد عن مجاراة الصورة الموجودة في الخارج، ليضمّن لوحته أبعادù جديدة آخذù الواقع المعاصر الى ازمان غائرة، والحال التي يصورها الى بعدها الرمزي، والحركة الى تناهيها السكوني. يعبر الفنان، عن همومه ومشاكله، وعما تحمله هيئات شخوصه من ملامح بؤس وحميمية وانفعال، بذلك التشكيل، او »الشكلانية«، المشبعة تحويرù، والمؤسلبة في اتجاه يوحي بتقريب كل الشخوص من نموذج رمزي مشترك استحوذ على ريشة الفنان، واصبح بالنسبة اليه شديد الالفة، بل اصبحت عملية استحضاره لا تحتاج الى اجهاد، ولا يعترضها أي تعثر. كأن الشكل، او الوجه الذي قدمه في عدد من لوحات المعرض، بات أليفù وحاضرù، بكل ما للحضور الفني من سياق ممتلئ بالتركيب السهل والطواعية واللياقة اللونية، كل هذه الصفات والسمات، لم نعثر عليها في لوحة المنظر الطبيعي التي بدت فيها التكوينات مرتبكة، وسطوح الألوان خشنة، والتداخل او التمازج اللوني في المساحة الواحدة بعيدù عن نغميته المعهودة في لوحات الشخوص. ثم ان الاختيارات اللونية لم تذهب الى القوة الترميزية بل الى الانسجام الترميزي نفسه الموجود في الأعمال الأخرى، خصوصù في استخدامات اللون البنفسجي الذي شهد بعض الفجاجة في معظم حضوره في وقت شهدت فيه ألوان أخرى كسرù جافù للايقاعات اللونية الداخلية في لوحة المنظر. توترت لوحة المنظر الطبيعي، وارتبك حضورها الذي شهد مستويات متفاوتة في انسجامها مع لوحات الشخوص، على أن بعضها ذهب بعيدù في أسلوبه، ونأى عن التراسل الفني الداخلي بين لوحات المعرض، في حين استطاع الفنان أن يصل ببعض آخر من اللوحات الى ما ينسجم مع السياق العام التعبيري في المعرض. الزمن الايقوني في لوحة المنظر الطبيعي، يبدو الارتحال أقصر مما نشعر به في لوحة الشخوص، ذلك أن الطبيعة لا تذهب في لوحته الى ذلك الصمت والسكون الأزلي الممتد عبر الزمن، في حين أن الشخوص يرتحلون ليس فقط بنظراتهم المتمادية في بعدها، أو بتعابير عضوية في الوجه، انما من خلال تقنيات التعتيق اللوني القريب من لونية الايقونة، وينسحب معها الى سكونية قدسية ايضù، اذ كثيرù ما يعمد الفنان الى رمي وشاح لوني يشكل نافذة عمياء مظللة وغامضة، تأخذنا الى ما ورائية الصورة، تلك التي تتحول الى مجرد استعارة ترميزية لسبر اغوار الفراغات القدسية وعوالم الحزن الطهري. في عدد قليل من لوحات الوجوه، نلحظ في لونية أبو عفش انزياحù عن ذلك الاسترسال الزمني نحو اشعال الحياة في اللوحة، واشعال الضوء، ونقل الحركة الى شيء من الراهنية الرومانسية. ربما يتأتى ذلك من تمادي الفنان في لعبته اللونية أولاً، فهو يركّب المساحة ويشتغلها بكثير من التركيب، والحساسية المرهفة التي تستبعد أي تسميك للمادة اللونية، وأي تنفير لحدود وأطراف الضربة اللونية، بل أي قطع حاد للبقع اللونية، ولعل تعامله مع لغة الالوان بشيء من الحماس، هو الذي اخذه الى ألوان غريبة تحرك سكون بعض لوحات الوجه. ويتأتى، ثانيù، من احساس الفنان بتعطش الالوان المعتقة الكثيفة الى الضوء، الذي تتزايد حركته في بعض اللوحات، فتحيا عناصر اللوحة وتتحرك وتتعصرن. بدا نزيه أبو عفش في معرضه مهمومù وجادù، في انتاج عمل تشكيلي بعيد عن أي اعتبار يقدمه كشاعر منحرف نحو الفن يحاول أن يملأ فراغات في لغته التعبيرية الشعرية، مستعينù بلغة الألوان. بدت أعمال أبو عفش في جزء منها على هامش الشعر، وعلى هامش لغته وقدرته، وفي جزء آخر في صميم اللعبة الفنية، بل ان شعره بدا على هامشها. أحمد بزون