قرأت في جريدة »السفير« الغراء رأيا جريئا للعلامة السيد محمد حسين فضل ا" حول شهادة علماء الفلك كوسيلة للاثبات اليقيني للهلال. لقد اقتضت فرائض الاسلام معرفة عميقة بعلم الفلك لان هذا العلم ارتبط ارتباطا وثيقا بامور الدين والعبادات، واهتم المسلمون الاوائل كثيرا به حرصا منهم على فهم الآيات القرآنية الكريمة من جهة وعلى عدم الوقوع بالخطأ والاخلال بتلك العبادات من جهة اخرى. ذلك ان تحديد اوقات الاذان لاقامة الصلاة وتحديد اتجاه القبلة ومعرفة ولادة القمر في شهر رمضان المبارك للبدء بالصوم وتحديد وقت الغروب للافطار، وصلاة الكسوف والخسوف والتهيؤ لها قبل حدوثها، كل هذا يقتضي من المسلم معرفة واسعة دقيقة بعلم الفلك وقوانينه، كما يتطلب معرفة صحيحة اكيدة بالحساب والعلوم الرياضية. لقد اخذ الاسلام منذ بدايته بالاسلوب العلمي الصحيح فراح العلماء المسلمون يبنون المراصد في كل مكان من البلاد الاسلامية من حدود الصين شرقا حتى الاندلس غربا واخترعوا الاسطر لايات الازياج واوجدوا الطرق المبتكرة للعمليات الحسابية والمعادلات الرياضية ووضعوا الاسس الصحيحة لعلم المثلثات واثبتوا حركة اوج الشمس ورسموا الخرائط الفلكية ورصدوا القمر والنجوم واعطوها اسماء عربية لا تزال تحتفظ بها حتى اليوم. فكان لذلك اثره الكبير في تقدم الحياة العقلية عندهم حتى اصبحوا امة الحضارة والتمدن. ان العلم اليوم هو عماد الحياة وقوامها. وقد حثنا ا" تعالى على طلبه في كثير من الآيات وانك لتجد فيه كثيرا من الآيات منتهية هكذا: »لقوم يعقلون« »لقوم يتفكرون« »لقوم يفقهون« كما يخاطب ا" تعالى الناس بقوله »يا اولى الالباب« »قل هاتوا برهانكم ان كنتم صادقين« وهكذا وعندما يقول تعالى: »يا ايها الذين آمنوا ان استطعتم ان تنفذوا من اقطار السموات والارض فانفذوا لا تنفذون الا بسلطان«. لم ينف ا" تعالى النفوذ واختراق جاذبية الارض وانما اشترط لذلك الحصول على السلطان، والسلطان هنا هو العلم والقوة المتمكنة فيه. لقد اماط التقدم العلمي اللثام عبر كثير من الاشياء التي لم يكن الانسان على علم بها من قبل ولم يكن يعرف شيئا عن اسبابها فابانها واوضحها وقدمها حقائق علمية ثابتة، كل ذلك بفضل تقدمه العلمي وبفضل ما ترسمه امامه اجهزة الالواح الفوتوغرافية، وعدسات المناظير الاثيرية وآلات الكمبيوتر المتطورة، والادمغة الالكترونية المعقدة وما تبثه من معلومات. لقد اخترعت تلك الادوات وطورت بشكل مذهل، وصار بامكانها ان تقوم، وخلال عشرة اجزاء من مليار جزء من الثانية، بعمليات حسابية للاشارات الواردة من الهوائيات الخاصة ثم تحول اجهزة رقمية خاصة كذلك النبضات الكهربائية ارقاما بمعدل عشرة مليارات عملية تحويل في الثانية وتسجلها على اشرطة ثم يجمع الدماغ الالكتروني الاشرطة ويخرج جدولا رقميا مطبوعا على خريطة ملونة للهدف الموضوع قيد الدرس. كذلك فقد تمكن العلماء من كشف اجرام مظلمة في الفضاء لم يكن احد يحسب انها موجودة. كما اكتشف نجوما ذات سطوع يفوق بمئة مليون ضعف سطوع شمسنا. ومجرات وعناقيد وثقوبا سوداء وغير ذلك. فاذا كان كل ذلك يحدث في ما هو خارج نظامنا الشمسي في عباب هذا الكون العظيم. فكيف هي الحال بنظامنا اذن، او، قل بقمرنا على وجه التحديد، الذي هو جسم صغير فيه؟ هذا النظام الذي اخضعه العلم لسلطانه فاستكشفه كوكبا كوكبا وسبر أغواره جسما جسما وقام بمسح عام وشامل له وفق حسابات دقيقة وارصاد صحيحة لاحظناها مرات عديدة في التوقيت المتناهي في الدقة والذي يصل في بعض الاحيان الى جزء واحد من مليار جزء من الثانية عند اقلاع المركبات الفضائية وهبوطها وعودتها وعند تحديد مكان تلك العودة. فهل يعقل ان نبقى نحن المسلمين خارج مواكبة هذا التطور العلمي، لا نأخذ به ولا نسلم بحقائقه ولا نشارك فيه ونجعل الرؤية البصرية لهلال شهر رمضان المبارك شرطا اساسيا للبدء بالصوم. عندما يقول القرآن الكريم »من شهد منكم الشهر فليصمه« وعندما يقول رسول ا" »صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته« فانا كمسلم اقف خاشعا خاضعا ذليلا امام قول ا" وقول نبيه. اقف وانا مقتنع تماما بأن الرؤية هي لغة ادراك الجسم المرئي وقد تتم امابالبصر واما بالبصيرة. وقد تحصل ايضا بالحواس والتصور والتفكر والاعتقاد. ومن هنا نستطيع ان نقول بأننا نرى ا" تعالى دائما من خلال رؤيتنا لمخلوقاته. وقد جاء في القرآن الكريم آيات كثيرة تشير الى ذلك. نجيب زبيب