التقيت به في مسجد احدى القرى الواقعة في الشمال الغربي لجزيرة البحرين. وحاولت متعمدا، استثارته بطرح تساؤلات تمس خلفيات الانتفاضة ومستقبلها السياسي، فضلا عن شجون ذكرياته في العمل السياسي الذي ابتداه مع بداية عقد العشرينات، في انتفاضة 1921 م. فالتفت يمنة ويسرة وهو يدقق النظر في الباحة الواسعة للمسجد، بعينين بارزتين خط ضنك الدهر اثارة حولهما. وظننت للوهلة الاولى انه يحاول تجاهل ما قصدت من اثارة.. ثم وجه اليّ ناظريه، وحرك شفتيه المثقلتين، وقال: عذرا، لم اقصد ذلك، ولكني كنت امهد لحديث معك، فأنا لم انس ان للجدران اذاناً!! أسند ظهره بين جداري زاوية المسجد، واستطرد قائلا: عندما جاءنا (تريفور) المقيم السياسي البريطاني في (ابو شهر) في اوائل شباط 1921 م. حاولنا استغلال زيارته، لإطلاعه على شكوى تتضمن مظالمنا. فأعددنا عريضة لا زلت احفظ شيئا من نص مقدمتها، وهي كالتالي: (اننا نرجو ان نوضح من خلال هذه الشكوى، ان طائفة الشيعة تعيش حياة ملؤها الذل، وهي عرضة للمذابح الجماعية وليس لها ملجأ، كما ان شهادة اي فرد من افرادها لا تقبل في المحاكم، اضافة الى ان ممتلكاتها عرضة للسلب والنهب، عدا كون افرادها معرضين للمعاملة السيئة في اي وقت). فسألته: وهل استجابت الحكومة البريطانية لهذه الشكوى؟ قال: لم تستجب لذلك بدعوى ان الامر يخص الشيخ.. ولكن من منطلق إلقاء الحجة والنصح، تقدمنا مرة اخرى بمطالب جديدة الى حاكم البحرين آنذاك، الشيخ حمد بن عيسى، تتضمن مطلب اخراج البلاد من اطار الادارة القبلية الى نمط متقدم من الادارة الحديثة. رفض الشيخ مطلبين رئيسيين هما: ايقاف العمل بنظام السخرة، والغاء ضريبة الرؤوس (الرقبية) التي تدفع عن كل رأس شيعي من البالغين. ومطلب آخر متعلق بالمعتقلين والسجناء السياسيين واصلاح النظام القضائي واوضاع السجون. ثم استدرك حديثه: من المستبعد جدا ان تستجيب الحكومة لما ذهبت اليه الانتفاضة الراهنة من مطالب في الوقت الراهن على الاقل. فالحديث عن ضرورة المشاركة في ادارة شؤون نظام حكم، وادخال اصلاحات على الصعد السياسية والاقتصادية، امر قديم اثرناه قبل 66 عاما، ولكن اتجهت الحكومة آنذاك الى اتهامنا بالطائفية والتخريب وزعزعة استقرار الوطن... في وقت يعلم الجميع ان الاستبداد كان يمس الطائفة الشيعية بادئ الامر، باعتبارها الطرف المتصدي لمواجهة احتلال آل خليفة لجزيرة البحرين منذ العام 1783 م. يضاف الى ذلك تصدي قادتها للدفاع عن حقوق عامة الشعب من دون تمييز. ولذلك كان سعينا للتعبير عن مظالمنا متقدما). واذا ما تتبعنا الموقف الحكومي من الانتفاضة الراهنة وتطوراتها، فهو لا يشذ عن المواقف السابقة التي استتبعت الانتفاضات منذ بداية عقد العشرينات من كونه متجاوزا للحقائق الدامغة التي تستعرضها مطالب الانتفاضات، ومتجاهلا ما ذهبت اليه وسائل الانتفاضات واهدافها. وكان من السهل على الحكومة البحرانية ان تتهم المتظاهرين والمحتجين على تقويض دعائم الدستور والديموقراطية، بإثارة الشغب واشعال الحرائق في المصالح العامة وزعزعة الامن والاستقرار. ولكن يصعب على الحكومة البحرانية الاعتراف بالمسيرة الديموقراطية وما ذهبت اليه من مطالب، فضلا عن الاسباب الحقيقية التي ادت الى تحول البحرين الى ساحة مواجهة سقط فيها عشرات الجرحى والقتلى، ولم تعد حتى السجون تحتمل الاعداد الهائلة من المعتقلين. تراكمات الحركة الديموقراطية لم يفاجأ المتتبعون لأوضاع البحرين بما استجد من احداث، ذلك ان تراكمات الحركة المجتمعية الديموقراطية كانت في طريقها لولادة مواقف اكثر جذرية، ونبتت بتصاعد مستوى المواجهة بشكل يتجاوز القدرات الامنية للسلطات. وهناك اعتقاد راسخ بأن العقود القادمة ستشهد خلالها جزيرة البحرين احداثا خطيرة جدا، اذا ما اصرت الحكومة على الاستمرار في تجاهل هذه الحركة، او تحشيد امكاناتها السياسية والامنية لتجهيل العالم بحقائقها، وملاحقتها بوصف التخريب وزعزعة استقرار الوطن.. ولو افترضنا جدلا ان الانتفاضة القائمة هي حدث جديد على الساحة الشعبية، يشذ عن مسيرة النضال الديموقراطي التي استمرت 84 عاما، او انها نتجت عن متغيرات عقدي الثمانينيات والتسعينيات الداعية لبناء نظام ديموقراطي دولي، لما كانت هذه الانتفاضة بهذا المستوى الخطير بحيث تعددت خلالها المطالب السياسية، حتى وصل بعضها الى درجة من الجذرية اكدت على ضرورة تقويض النظام بأكمله. ولحق بهذه المطالب موقف شعبي مميز، معزز بعدم الثقة في نهج الحكومة في التعاطي مع الاحداث، انطلاقا من تجارب الماضي. فقد استتبعت حركة 1921 م. الديموقراطية بحركة اخرى في عام 1924 م. شملت دعم الاكثرية الشيعية والاقلية السنية، كتعبير عن تلاحم المجتمع البحراني. ثم توسعت الحركة الشعبية الديموقراطية في عام 956 م.وتجاوزت السلطات بعدما تجاهلت مطالبها واهدافها، فأقامت بديلا سياسيات سُمّْي (بالهيئة التنفيذية العليا) التي قادت انتفاضة شعبية عمت البلاد من اقصاها الى اقصاها. ولم تكد السلطات تنجح في اخفاء معالم هذه الانتفاضة، حتى برزت على السطح انتفاضة اخرى سميت بانتفاضة (مارس) وذلك في عام 1965 م. وهكذا تجري امور البلاد الى غير مستقر. وكلها تؤكد ان هناك مدا وجزراً تمثل في صراع جاد وحقيقي ودائم بين المجتمع البحراني والنظام السياسي. واما فترة السبعينيات التي انتجت حياة برلمانية وعقدا اجتماعيا تمثل في الدستور. فقد كانت مثارا للجدل. فلم يعدها البعض فترة ديموقراطية حقيقية، ولم تكن انتصارا سياسيا نتج عن نضالات الستينيات، كما صورها بعض القوى السياسية البحرانية، بل كانت مكيدة نصبتها سلطات البحرين بمعونة المستشار البريطاني في البحرين، في سبيل تقدير الحجم الحقيقي لقوى المعارضة ومدى عمق التباين بينها على الصعد السياسية والايديلوجية، فضلا عن قياس المزاج الشعبي في التعاطي مع هذه الاتجاهات، ولذلك تمكنت السلطات من تعميق هذا التباين وتوسيع رقعته، واختلاق قطيعة بين الاتجاهات السياسية والمجتمع البحراني، بحيث سرى تصور شعبي يفيد بعدم جدوى العمل السياسي عبر التنظيمات السياسية. وذهبت السلطات الى تغذية هذا التصور، حتى كاد ان يكون اعتقادا راسخا لولا الدور النبيل الذي لعبته بعض الفاعليات الاجتماعية والسياسية المستقلة في كشف هذا المطب. وذهب البعض الى القول ان ديموقراطية 1973 م. جاءت مبتورة، لأنها اعطت ثلاثين نائبا الفرصة للادلاء بآرائهم في قاعة المجلس فقط، دون ان تتسع لتشمل كل الشعب. واذا ما تتبعنا المسلك الحكومي تجاه هذه الديموقراطية نجد انها لا تملك الاستعداد لتفهّم الديموقراطية بمفهومها الصحيح. فقد كانت ترى ان كل الديموقراطية هي اقامة مجلس وطني منتخب تنحصر فيه الديموقراطية ولا تخرج عن اطاره. ولذلك منع المواطن من الادلاء بآرائه في الصحافة المحلية. وفرض حظر على موظفي الحكومة ويشكلون اكثر من 18 الف موظف من التدخل في الشؤون السياسية، وذلك وفقا لقانون اصدره المقيم البريطاني (بلغريف) في البحرين. ومنع اعضاء البرلمان من اقامة الندوات والمحاضرات لإطلاع المواطنين على ما يجري في قاعة المجلس وذلك بعد شهر من الانتخابات، بحجة انها تعكر صفو الامن. وقال احد اعضاء المجلس في هذا الصدد (ان الصحافة لم تعكس الوضع الديموقراطي، فهي تقف في طريق ادلائنا بالاصوات، ولا تنشر آراءنا بتاتا، وتتعمد حذف ما نقوله في المجلس، ولا تنقل وقائع الجلسات بأمانة. وبادرنا الى طرح هذا الامر في المجلس وعلى الحكومة في لقاءات جانبية. وكما يبدو ان هناك وفاقا تاما بين الحكومة والصحافة مما اضطر المعارضة الى الاتصال بالصحافة الكويتية التي قامت بنقل وقائع جلسات المجلس، مع العلم ان هذه الصحافة تتعرض للمصادرة من قبل وزارة الاعلام في البحرين. ورفضت الحكومة اعطاء ترخيص لإصدار صحيفة معارضة وكان وزير الاعلام طارق المؤيد يرد بأن هذا الطلب لا زال قيد الدرس. من جهة اخرى، اطلقت الصلاحيات لرجال المخابرات بملاحقة واعتقال المواطنين وابقائهم رهن الاحتجاز دون محاكمة. وانتهت ديمقراطية 1973م. باتهام وجهه رئيس الوزراء، وصف فيه البرلمان (بالاجرام)، وذلك في مقابلة اجرتها جريدة »السياسة« الكويتية الصادرة في 26 آب 1975م. فقد صرح بأن (ممارسات المجلس النيابي اوصلت الامور الى استحالة التعاون بين السلطتين التشريعة والتنفذية، فارتكب بذلك جريمة اهدار وقت الحكومة واضاعة مصالح المواطنين، ولذلك اضطررنا الى اعلان توقف الحياة البرلمانية وتجميد بعض مواد الدستور التي تتعارض مع مرونة حركة الحكومة، غير ان الدستور سيظل قائماً، والانتخابات ستعاد بعد دراسة الاوضاع. الذي حصل ليس تراجعاً عن الديموقراطية، وانما هو مجرد فرصة لاخذ النفس بشكل هادئ). استمرت القطيعة تسعة عشر عاماً بعد حل المجلس الوطني من دون ان تولي الحكومة البحرانية اهتماماً بالمادة الدستورية الرقم (65) التي توجب استرداد المجلس الوطني المنحل كامل صلاحياته الدستورية اذا لم يتم انتخاب مجلس جديد خلال شهرين من حل المجلس الاول. ثم فوجئ المواطنون بصدور مرسوم اميري رقم (9) لسنة 1992م. يقضي باقامة مجلس للشورى باعضاء يعينهم امير البحرين، ويكون بديلاً عن المجلس الوطني الذي توجب المادة (65) اقامته. استفزت الحكومة مشاعر المواطنين باقامتها مجلس الشورى. وتفاعل هذا الامر حتى قررت بعض الشخصيات الاجتماعية وعدد من اعضاء البرلمان السابقين، في 15 آب 1992 م. اعداد عريضة شعبية تطالب امير البحرين باعادة انتخاب مجلس وطني وتفعيل الدستور. وتجاهلت الحكومة هذه العريضة. فما كان من المهتمين بالحقوق الديمقراطية الا ان اعدوا عريضة اخرى، وقع عليها اكثر من 25 الف مواطن. وجاء في بعض فقراتها »اذا كان قد عانى وطننا الكثير بعد حل المجلس الوطني منذ يوم 26 آب 1975م. وحتى يومنا هذا، وتراكمت من جراء ذلك العديد من الرواسب نتيجة تعطيل المسيرة الديمقراطية الرائدة.. فان املنا كبير في فتح باب الحوار معكم (الامير) حول مستقبل الوطن. والحقيقة التي تظهر امامنا كمواطنين ومسلمين هي اننا سنكون مقصرين في تحمل المسؤولية ما لم نصارحكم بما نلمسه من اوضاع غير سوية يمر بها بلدنا في ظل ظروف من المتغيرات الاقليمية والدولية في ظل تعطيل المؤسسة الدستورية التي لو انتهى عطلها لكانت خير معين على ايقاف التراكمات السلبية التي تكاد تسد مجرى حياتنا كمواطنين«. لم تستجب الحكومة والامير لمطالب هذه العريضة، وكان الرد غير حكيم. اذ شنت الحكومة حملة اعتقالات واسعة شملت اكثر من 500 مواطن وقعوا العريضة، فثارت البلاد من اقصاها الى اقصاها لتقيم انتفاضة لم تنته حتى لحظة كتابة هذه المادة. تراجع اقتصادي وتضخم عمالي وافد لم تكن الاسباب السياسية وحدها وراء تفجر الانتفاضة الشعبية في البحرين، بل ان هناك عوامل متعددة لا تقل اهمية عن العوامل السياسية، ويأتي في صدارتها الكوارث الاقتصادية وما نجم عنها من تهديد للبنية المجتمعية لجزيرة البحرين. ولذلك كان السعي الحكومي لايجاد فرص عمل لاكثر من 30 الف مواطن عاطل عن العمل، هو البادرة الاولى التي اعقبت عمليات القتل التي ارتكبتها وزارة الداخلية بحق المواطنين، على طريق تطويق الانتفاضة واثارها. واشارت وكالات الانباء يوم الخميس الموافق 5 كانون الثاني 1995م. الى عزم الحكومة البحرانية على تفعيل برنامج (بحرنة الوظائف) لحل ازمة البطالة. ووعد وزير العدل عدداً من الشخصيات الاجتماعية باعادة النظر في الاوضاع الاقتصادية القائمة. واشراك اكبر قدر ممكن من القطاعات الوطنية في تسيير عجلة الاقتصاد. لكنه اكد من جهة اخرى رفض الحكومة بشخص رئيس وزرائها، الدعوة الشعبية لتفعيل الدستور والمجلس الوطني. لم يكن التصريح بتفعيل برنامج (بحرنة الوظائف) بالامر المستجد. الا ان تساؤلاً جرى في الوسط البحراني المعارض، عن امكانية حل مشكلة البطالة في ظل انهيار امني واقتصادي. فالمراحل الماضية من عمر النظام الاقتصادي اكدت ان جميع الحلول التي انتهجتها الحكومة في طريق (البحرنة)، كان مصيرها الفشل الذريع. وهنا نشير الى ما طرأ من اوضاع اقتصادية انتجت برنامج (البحرنة) من قبل، ثم اودت به الى المقولة الحكومية بالتفعيل. فلم يكد عام 1974م. ينتهي حتى فوجئنا بايرادات نفطية ضخمة، كان ابرز مظاهرها، ارتفاع مؤشر العمران الذي لم يتجاوز العاصمة المنامة. فاستدعى ذلك بعض الخبراء الاقتصاديين البحرانيين في الاشارة الى ضرورة اعتماد مخططات اقتصادية تأخذ بالاعتبار التنمية الشاملة بمختلف ابعادها. وعدم الاقتصار على المظاهر العمرانية. الا ان هذه الاشارة جاءت متأخرة، اذ ان زمام السيطرة الحكومية على الموارد والامكانات المتوفرة الناتجة عن الوفرة المالية، قد فلت الى حد دعا النظام الاقتصادي البحراني الى الاعتقاد بأن لا جدوى للمشروعات الاقتصادية الا بالاستناد الى الخبرات الاجنبية التي كانت تتحين الفرص آنذاك. فطغت احاديث الامل والرخاء على احاديث الترشيد الاقتصادي التي كانت سائدة قبيل السبعينات، وسادت مقولات جديدة لم تكن دارجة من قبل. وبرزت الاثار السلبية على الصعد الاقتصادية والاجتماعية بعد مضي سنوات قليلة. وجمد الحديث عن المشروعات الانتاجية في حقول الصناعة والزراعة، وتكدست الايدي العاملة المحلية والاجنبية وكذلك المواد الاولية دون ان تكون هناك اجراءات استيعابية مسبقة.. الا ان ذلك لم يشد الاهتمام الحكومي، وذلك لطغيان الوفرة المالية التي تستبعد اي عجز في موازنة الدولة السنوية. واقتصرت على ابراز الاهتمام ببعض مشروعات البنية الهيكلية، كاقامة الطرق والمستشفيات وتوسيع المطار والامدادات الكهربائية والمائية. واطلت التسعينات على البحرين، لتكشف قصور مخططات التنمية التي اعتمدت على تصورات مفرغة، بعثرت الوفرة المالية على اهداف آنية لم تتكفل بايصال البلاد الى حيث تنمية حقيقية وشاملة. وكانت النتائج وخيمة، جاء في طليعتها، بطالة قدرت ب30 الف عاطل عن العمل، وعملية ترشيد وضعت مؤسسات الدولة في حالة جمود، ووضع اجتماعي مزر. ولجأت الحكومة البحرانية الى تجاهل الحجم الحقيقي للازمة الاقتصادية وما نجم عنها من اثار سلبية على البنية المجتمعية للشعب البحراني ودعت الجهات الرسمية المختصة الى الحديث عن الثقة والامل فيما ذهبت اليه الحكومة في تصعيد وتيرة النمو الاقتصادي، واعتبار الازمة حالة طارئة في طريقها للزوال على المدى القصير، وان كل ما هنالك هو انخفاض لم يتجاوز معدلات الزيادة، ولم يمس حجم النمو نفسه، فالتجارة الخارجية والعروض النقدية والاحتياطات المالية والمشاريع الانشائية ما زالت تسجل ارتفاعاً سنة بعد اخرى. واما على صعيد البطالة ومزاحمة العمالة الاجنبية فلم تكن هناك اشارة اليها، سوى الاستمرار في القول بمتابعة مشروع (بحرنة الوظائف) الذي بدأ الحديث عنه قبيل انشاء المجلس الوطني الذي حله امير البحرين في عام 1975م. وعلى حد قول احد اعضاء مجلس الشورى الذي انشئ في العام 1992م. (كيف يمكننا الدعوة لبحرنة الوظائف وكل عضو في هذا المجلس يجر ورائه جيشاً من العمال الآسيويين، يديرون ويعملون في مؤسساته التجارية، فالخسارة ستطال اعضاء مجلس الشورى فضلاً عن افراد العائلة الحاكمة، وهذا امر غير مستساغ فضلاً عن انه بعيد المنال). وفي تقديرات اجازات برنامج التنمية الاقتصادية والاجتماعية (82 1985م.) بلغ حجم القوى العاملة غير البحرانية 96843، اي بنسبة 58$ من اجمال القوى العاملة. واكدت جريدة »اخبار الخليج« البحرانية الصادرة في 21 آذار 1988م، ان حجم العمالة الوافدة وصل الى 80714 اي بنسبة 5.58$ من اجمالي القوى العاملة في البحرين. واما على صعيد الاوضاع المالية والمصرفية. فقد كانت القاعدة الاقتصادية في البحرين مبنية على الايرادات النفطية، ولم يكن هناك مناخ ملائم يساهم في عملية تنموية شاملة تضع هذه الايرادات في اطار يهدف الى بناء الهياكل الاساسية للبلاد، ولذلك ذهب الانفاق العام للعب دور مؤثر في مستويات ومعدلات نمو النشاط الاقتصادي بما في ذلك حجم العمالة ومستوى السيولة. ومن واقع بيانات الانفاق الحكومي نجد ان معدل النمو قد ارتفع من حوالى 4.5 مليون دينار عام 1960م. الى 3.18 مليون دينار عام 1970م. ثم قفز الى 1.308 مليون دينار عام 1980، اي اكثر من خمسة عشر ضعفاً عما كان عليه عام 1970م، وذلك بسبب تحسن العوائد النفطية. واستمر في الارتفاع ليبلغ 5.508 مليون دينار و6.536 مليون دينار في العام 1985م. تبدو هذه البيانات لأول وهلة وكأنها قد حققت نجاحاً اقتصادياً، وهذا امر لا يختلف فيه اثنان، الا انه لم يعد بالنفع على المواطن البحراني الا بالنزر اليسير، فمعدلات النمو الاقتصادي لم تشمل العمالة البحرانية بشكل عام فضلاً عن المؤسسات الوطنية. فقد ذكرت احصائيات وزارة المالية والاقتصاد الوطني لعامي 1971 و1981م، ان القوى العاملة الاجنبية اظهرت تطوراً ملحوظاً في العدد ونوع النشاط الاقتصادي عند مقارنة الوضع في العام 1971م. مع عام 1981م. حيث قفز عدد العمالة الاجنبية في العام 1981م. الى 714.80، عاملاً اجنبياً في مقابل عدد من العمالة المحلية بلغ 178.57 عاملاً، بينما كان عدد العمالة الاجنبية قبيل ارتفاع ايرادات النفط في العام 1971 م. قد بلغ 932.21 عاملاً في مقابل 311.36 عاملاً محلياً. واطل عام 1986 م. علينا بايرادات نفطية هابطة نتيجة تدني اسعار النفط حتى سجلت الحكومة اعلى مستوى للعجز في موازنة 1988م. بلغ 3.77 مليون دينار رغم محاولات الحكومة الضغط على جانب المصروفات مع بداية النصف الثاني من عقد الثمانينات، واستمرت معدلات النمو في اتجاه سالب خلال السنوات الست الماضية، واما ايرادات الخدمات الاقتصادية فقد تبعت في نموها وهبوطها، معدلات النفط، اذ ارتفعت من حوالي 5.10 مليون دينار عام 1970م. الى 9.409 مليوناً عام 1982، اي في غضون اثني عشر عاماً. ثم بدأت في الهبوط الى 1.246 مليون دينار و345 مليون دينار في عامي 1988 و1990 على التوالي.ولم يستتبع انخفاض ايرادات النفط وتراجع معدلات النمو اي اجراء يتعلق ببرنامج (بحرنة الوظائف)، فتقديرات المجموعة الاحصائية التابعة لوزارة المالية والاقتصاد الوطني ذكرت ان اعداد العمالة الاجنبية لا زالت في خط تصاعدي، فاجمالي عدد القوى العاملة الاجنبية في عام 1981م. بلغ 185.81 عاملاً، يقابله عمالة وطنية تعدادها 199.61 ثم ارتفع اجمالي القوى العاملة الاجنبية ليصل الى 469.113 عاملاً، يقابله عمالة وطنية تعدادها 276.91 عاملاً. وبمقارنة هذه البيانات للقوى العاملة مع التعداد السكاني للبحرين يتضح ان العمالة الاجنبية تشكل الغالبية من اجمالي عدد الاجانب في البحرين بينما القوى العاملة البحرانية قدرت نسبتها بالثلث. ففي الاحصاءات التقديرية لمجموعة الاحصاء لعام 1981م. بلغ عدد البحرانيين 420.238 بحرانياً يقابل عدداً من غير البحرانيين 798.350 اجنبياً، واما اجمالي عدد البحرانيين لعم 1990م فقد بلغ 165.336 مواطناً يقابلة عدد غير البحرانيين 022.503 اجنبياً. ولجأت الحكومة للبحث عن ايرادات مساعدة، تغطي العجز في الموازنة غير المستقرة، فأعدت بحوثù عن امكانية تحويل البلاد الى مركز مالي بديل عن العاصمة اللبنانية التي دمرتها الحرب والاجتياح الاسرائيلي، ويكون ايضù مخرجù للحكومة من الازمة السياسية التي نجمت عن حل المجلس الوطني المنتخب، فقد صرح رئيس الوزراء عقب حل المجلس، للصحافة المحلية بذلك حين قال: (اننا اتجهنا الان لحل المجلس، وانا اعد المواطنين خلال الشهور العشرة القادمة، عملاً يفوق وعود المجلس الوطني خلال السنين الماضية، وسيرى الناس هنا ان الوضع اختلف وسأتولى بنفسي الامر، وسأشكل لجانù للمتابعة). فأعلنت الحكومة عند ذلك عن عزمها تفعيل دور المؤسسات المالية والمصرفية، وتحويل البلاد الى مركز قادر على استيعاب واستقطاب رؤوس الاموال الاجنبية، ثم شرعت وزارات الدولة باعداد العدة للدور الجديد وبدأ العمل بتطوير شبكات الاتصال، وتشريع قوانين تشجع الاستثمار بأشكاله المختلفة. وقد تغاضت مؤسسة نقد البحرين بتوجيه من وزارة المالية والاقتصاد الوطني، عن تطبيق القواعد والشروط التي اصدرتها في ت 1 من عام 1977م، الواجب توفرها لعمل المؤسسات المصرفية في سوق البحرين المالي والتي بلغ عددها 21 بنكù مع نهاية عام 1989، ولعمل الوحدات المصرفية الخارجية التي بدأت عملها في نهاية 1975م بوحدتين مصرفيتين هما بنك هولندا العام وستي بنك وبلغ عددها 56 وحدة بنهاية عام 1989م اضافة الى وجود 48 مكتبù تمثيليù لوحدات اخرى لجمع المعلومات المالية. ثم قيدت الحكومة صلاحية مؤسسة نقد البحرين في فرض رقابة على المؤسسات المالية والاجهزة المصرفية، واعتبر بعض المراقبين للسوق الاقتصادي البحراني هذه القيود خرقù للشخصية الاعتبارية لمؤسسة النقد، وتجاوزù للمواد رقم (1) و(2) و(3) من المرسوم بقانون رقم 23 الصادر في الخامس من كانون الاول 1973م التي تنص على عدم جواز تدخل اي هيئة بأي صورة من الصور في تسيير اعمال مؤسسة النقد او التعرض لسياساتها. وقد اسفر النظام المالي عن مشكلات لا تحصى، ووجدت الحكومة نفسها متورطة في صراع بين ثلاثة اتجاهات نفعية هزت سوق البحرين، وتركت الامور تجري في غير مستقر. فالمضاربون الى حد الجشع والارباح الفاحشة، مثلوا اتجاهù ساهم في توسيع الاقتراض باعداد مالية وشروط غير قائمة على اسس تجارية سليمة، انتجت زيادة في عدد المتعاملين بالديون. والمدينون الذين لا خبرة لهم في شؤون التعامل مع المضاربة طمعوا في ارباح سريعة. والدائنون الذين مثلوا مؤسسات مالية ومصرفية اجنبية قدمت مبالغ كبيرة من المال طمعù في اسعار الفائدة. وكانت الضحية هي الاموال العامة التي صرفتها الحكومة لسداد الديون، فضلاً عن مواطنين اودعوا السجون وحجر على اموالهم. رؤي ومواقف الحركة السياسية ترى المعارضة البحرانية ان ما يجري في البحرين، هو وليد تراكمات حركة مجتمعية ديموقراطية عانت الكثير. ولديها اعتقاد راسخ بأن العقود القادمة ستشهد خلالها جزيرة البحرين احداثù خطيرة جدù، اذا ما اصرت الحكومة على الاستمرار في تجاهل هذه الحركة، او تحشيد امكاناتها السياسية والامنية لتجهيل العالم بحقائقها، وملاحقتها بوصف التخريب وزعزعة استقرار الوطن. واما على صعيد الاوضاع الاقتصادية فالمعارضة ترى ان الحديث عن اعادة تفعيل »بحرنة الوظائف« في ظل انهيار اقتصادي واجتماعي، هو امر غير موثوق في عبوره المنعطفات التي استجدت على الساحة السياسية في البحرين، ولو افترضنا جدلاً ان الحكومة البحرانية جادة في (البحرنة)، فهل ان مسيرة الانتفاضة الشعبية تنتهي الى حد تحقيق (البحرنة)؟. ام ان العديد من المطالب التي سعت الانتفاضة الى استعراضها ضمن برنامجها، هي من الواجبات التي يتعين على الحكومة البحرانية تحقيقها، ولا تقل اهمية عن المطلب الاساس باعادة الحياة الديموقراطية وفق نصوص دستور عادل يكفل للشعب حقه في قول كلمته. وللمعارضة السياسية في البحرين رأيها المميز في تقييم الاقتصاد البحراني، فهي تذهب الى ان طبيعة النظام الاقتصادي في البحرين هي انعكاس لما كان يجول في الرؤية السياسية للنظام من تصورات تتعلق بسبل الالتفاف على الاتجاهات السياسية والاجتماعية المعارضة، بشكل يضمن استيعابها وتفتيتها او احالتها الى ركام. اما هوية مطالب الحركة السياسية البحرانية، فقد تراوحت بين اتجاهين، احدهما كان جذريù، يدعو الى تغيير النظام السياسي واقامة نظام ديموقراطي جديد، قائم على نصوص دستور عصري ينسجم مع متطلبات الساحة الشعبية وتطور المجتمع الدولي. ويرى هذا الاتجاه ان الرجوع الى حيث انتهت اليه ديموقراطية 1973م، هو اعتراف صريح بحق آل خليفة في وراثة الحكم، واقرار بالقوانين الصادرة بمراسيم اميرية قبل الاستقلال وبعده، فضلاً عن اضفاء الشرعية على اعمال القتل والانتهاكات لحقوق الشعب البحراني خلال قرنين من الزمن. وسيستغل النظام هذه الشرعية لدعم موقفه امام الرأي العام الدولي المهتم بالمنطقة، ومن ثم يعيد الكرة بفرض هيمنته وبسط نفوذه لاضعاف الحركة الديموقراطية وتهميشها، ونزع لبابها، حتى لا تنهض الا لاداء وظائف مؤسسة لا تشذ عن بقية المؤسسات الاستعراضية. واما الاتجاه الاخر، فيرى اهمية الاقتصار على مطلب اعادة الحياة الديموقراطية وفق المادة (65) من الدستور البحراني الصادر في عام 1973م، مع انماء ثقة متبادلة مع العائلة الحاكمة، كانت قد تزعزعت خلال المعركة السياسية في برلمان 1973م، في اعقاب اصرار الحكومة على تجاوز الصلاحيات التشريعية للمجلس الوطني، بتطبيق قانون (أمن الدولة) الذي يخول وزير الداخلية اعتقال النشطاء سياسيù بدون اذن قضائي، وسجنهم مدة ثلاث سنوات قابلة للتجديد. وان هذه المطالب (مقبولة ومعقولة) ولا تشكل عبئù جديدù على العائلة الحاكمة، لانها استكمال لمسيرة حكومية، اعتمدت من قبل في السبعينات، وهي ليست مصدر قلق وخطر، بل ان المواد الدستورية المقرة بمجلس تأسيسي في عام 1972م، تخول آل خليفة البقاء على رأس السلطة، وتفيدهم اطمئنانù، وتمدهم بصلاحيات غير محدودة، يأتي في صدارتها حق حل البرلمان ان تطلبت الضرورة ذلك. ومن جانب آخر، هناك نص دستوري، يلزم السلطات باعادة اجراء انتخابات برلمانية اخرى. وسيكون هذا النص مرتكزù تنهض به المعارضة، وحقù تمارسه امام عواصف الحكومة. ورغم الاختلاف في الاتجاهات السياسية والايدلوجية بين اطراف المعارضة البحرانية، وشدة المعركة السياسية مع النظام القائم، الا ان قواسم مشتركة تجمع هذه الاتجاهات. وقد تعاطت هذه الاتجاهات مع الانتفاضة بشكل سليم، ومنسق في احيان كثيرة. وقدرت على رفدها جماعيù بمظهر اذهل السلطات البحرانية. وبات نشاط المعارضة محط اعجاب الكثير من المهتمين بالشؤون السياسية في المنطقة. بقلم: كريم الحروس رئيس مركز حقوق الانسان البحرين