As Safir Logo
المصدر:

أسرائيل التاريخية وأسرائيل الدينية:رؤيتان في السجال الثقافي

المؤلف: ونوس سعد الله التاريخ: 1995-04-01 رقم العدد:7048

لو حاول العرب ان يختاروا اسوأ لحظة في تاريخهم المعاصر للتفاوض مع اسرائيل لما كان هناك اسوأ من تلك اللحظة التي قرروا فيها الذهاب الى مؤتمر مدريد... كانت هزيمة الخليج التي طالت المهزوم والمنتصر معا قد فرطت عقد العرب وهلهلت اوضاعهم واضعفت وزنهم الدولي الى حد الهوان، وقد تواقت ذلك كله مع الزلزال السوفياتي الذي ادى الى انهيار قطب التوازن العالمي الذي كان يسند الحق العربي ويناصره. في ذلك الخريف من عام ألف وتسعمئة وواحد وتسعين كنا ممزقين ومحبطين نتلمس تاريخنا فلا نجد إلا الانكسار والذل ولهذا فإن ذهابنا الى مدريد في ذلك الوقت بالذات لم يكن في عمقه الا ذهابا الى الاستسلام. والاتفاقات التي تمت حتى الآن انما تؤكد هذا الطابع الاستسلامي بصورة فاضحة ومخزية وانا اعلم انني اتطاول على الحيز المخصص لي كنفر من الرعية المقطوعة الالسنة واتجاوز حدي فابدي رأيا في قضية لم يطلب احد رأيي فيها ولم يخطر ببال مسؤول ان يستفتيني حولها. وهنا سأقول بصراحة ان اقصاءنا كشعوب بصفة عامة وكنخب ثقافية بصفة خاصة عن مفاوضات السلام والحق في مناقشتها وابداء الرأي حولها انما كان عنصرù من العناصر التي قوت طابع الاستسلام في هذه المفاوضات. في ذلك الخريف وما بعده كنا نتوقع ان يباشر المثقفون العرب نقاشù واسعù وجديù حول المفاوضات والصراع العربي الاسرائيلي ومستقبل هذه المنطقة. كنا نتوقع ان تتجاوز الانظمة والمنظمات ضيق افقها وان تعي تاريخية الخيار الذي تتبناه، اقول تتجاوز ضيق افقها وخوفها على عروشها وتسمح لهذه الامة بأن تفكر ولو لمرة واحدة بالخيارات المطروحة عليها وبمستقبلها وبالفرص المتاحة لها. كنا نأمل ايضا ان يرتفع المثقفون فوق شجونهم الصغيرة وتحزباتهم المتسرعة وان يمارسوا عملية نقد ذاتي جذرية حول الخفة التي تصرفوا بها اثناء هزيمة الخليج وان يبدأوا حوارù واعيا حول المفاوضات والمستقبل. واذ يقارن المرء بين حيوية النقاشات التي دارت في اسرائيل وما زالت منذ بدء التحضير لمؤتمر مدريد وبين غياب النقاشات او فقرها في الساحة العربية يشعر بالاسى ويعرف لماذا لم نستطع الحصول الا على هذه الاتفاقات المخزية التي حصلوا عليها. لا اعني ان المثقفين كان يمكن ان يقلبوا موازين القوى كما يظن بعض الدونكيشوتيون اليوم، ولكن اما كانت الصورة لتكون افضل لو ان المفاوض العربي كان يستند على شعب حر وحي وعلى اجتهادات فكرية متنوعة ومسؤولة، اما كان هذا المفاوض ازداد صلابة واستطاع ان يصل الى اتفاق افضل مما وصل إليه، للاسف لم يتم هذا النقاش وحرم المفاوض العربي نفسه (بسبب الخوف، وعدم الثقة بالشعب والافتقار الى الشرعية) من دينامية شعبه واجتهادات مثقفيه وكوادره. وفي الوقت الذي كنا ننتظر فيه هذا النقاش، يشارك فيه كل المثقفين بمختلف اتجاهاتهم وانتماءاتهم، فوجئنا بضوضاء عالية النبرة تفتعل وقبل ان يوقع اي اتفاق، معركة حامية الوطيس ضد التطبيع الثقافي. كانت هذه الحملة تركز على مقدمة عابرة مفادها ان السياسي يحق له ان يناور وان يفاوض وان يصل الى الاتفاق الذي يجده مناسبا. لكن الثقافة يجب ان تحافظ على نقائها والا تلوث شرفها بالاتفاقيات المعقودة او بالتطبيع وان تبقى حصن الامة المنيع الذي يحفظ لها قضيتها فلا يبلوها النسيان او الضياع. اني لا اشكك في النوايا الحسنة للذين خاضوا هذه المعركة ورفعوا اصواتهم ضد هذا الخطر ولكن ما كان بوسعي إلا ان اجد في هذه المعركة الكثير من الافتعال والتهافت ايضا فهذه المعركة بالمقدمات التي استندت اليها وبتجنبها (تقية او نفاقا) التعرض للسياسي ومجمل عملية التفاوض انما كانت واعية او لا واعية تتستر على السياسي وتشغل الحياة الثقافية بقضية جانبية هي جزء من المسألة وليست المسألة كلها وحين سيقرر السياسي ان يوقع في اوسلو فانه سيوقع على اتفاق يشمل الجغرافية والتاريخ والاقتصاد والثقافة ايضا ولن يترك للمثقف الذي تستر عليه ان يلتحق به او ينزوي في مهجر يعول فيه. كذلك لم استطع إلا ان الاحظ غموض المصطلح ذاته. ان احدا بمقدار ما اتيح لي ان اتابع واقرأ، لم يحدد بدقة ما الذي يعنيه بالتطبيع الثقافي. وليس في ذلك ما هو غريب، فحين يؤثر المثقف السكوت عن السياسي لا يعود يعرف كيف يحدد الثقافي ولكن لنفترض ان بالامكان عزل الثقافي وان ما يعنيه بالتطبيع الثقافي هو اقامة اي نوع من العلاقات بين المثقف العربي وبين اسرائيل بالمطلق مجتمعا وثقافة ترى الا نظلم انفسنا لو اعتمدنا هذا التعريف وبشكل مطلق الا يعني هذا اننا نحرم انفسنا من عون اسرائيليين معارضين لدولتهم مدافعين عن الحق العربي ومثقلين بشعور بالذنب حيال المأساة الفلسطينية، الا نحرم انفسنا من عون جماعات او افراد مثل فليسيا لانفر او ليّا سيميل او سواهما من المحامين او المثقفين المعارضين للصهيونية والمعترفين بأن للفلسطينيين حقا في هذه الارض التي سموها اسرائيل. ان التعامل مع اسرائيل على انها كيان واحد متجانس، انما ينم عن نظرة دينية اكثر مما هي تاريخية، وهي في النهاية لا تخدمنا في شيء لانها تساعد العدو في العمق على تجاوز تناقضاته بدلا من تعميقها وتوسيعها، هل يعني هذا اني اجيز اقامة علاقات بين المثقفين العرب وبين الكيان الاسرائيلي. يقينا لا وانما احاول ان ابين خطورة الاحكام المطلقة. هذا السياق التاريخي المعقد والمتشابك واني لا اظن ان المثقف العربي الذي تحاور مع فليسيا لانفر انما قد مارس تطبيعا ثقافيا مع العدو. ولكن ربما كان ما يعنيه معارضو التطبيع هو نوع من الغزو الذي قد يخترق ثقافتنا ويخرب الطابع الوطني لهذه الثقافة وفي هذه الحالة فاني ايضا لا استطيع إلا ان اندهش من النظرة التجزيئية التي يعامل بها موضوع الغزو الثقافي. نعم، قد تحاول اسرائيل غزونا ثقافيا وحين سنصطدم بذلك الغزو ينبغي ان نواجهه بحزم وجذرية ولكن كيف يجوز لنا ونحن نلوح بذلك الخطر الذي سيأتي، ان ننسى الخطر الراهن والداهم الذي نعيشه في الحاضر والذي يهيء التربة خصبة للغزو الثقافي الاسرائيلي، الم نسكت على الغزو الثقافي الاميركي الذي يخترق بثقافته ومفاهيمه ونمط معيشته اوصال الحياة العربية الا يكفي ان نطل على اي شاشة من شاشات التلفزيونات العربية كي نرى التوليفة الثقافية الاميركية او محاكاتها المحلية، كيف نسكت على تعميم بعض دول النفط لمفاهيم القبلية والقروسطية عبر عمليات التمويل والرقابة على معظم ما تبث محطات التلفزيون العربية ومؤسساتها الاعلامية الفنية والحديثة. هذا الغزو الراهن واليومي هو الذي يهدد ثقافتنا الوطنية وهو الذي يخرب ذاكرتنا والسكوت عليه هو بمثابة تهيئة الارض للتطبيع الثقافي مع اسرائيل. ثم الا يضعف ثقافتنا الوطنية هذا الذبح اليومي الذي يطال المثقفين من الجزائر الى العراق مرورù بكل اقطار العرب، قولوا لي، لو ارادت اي قوة عدوة متخمة بالحقد والكراهية ان تغزو شعبنا وتدمر ثقافته هل تفعل اكثر مما يفعله ذابحو مثقفي هذه الامة ووجوهها المستنيرة ومن الغريب ان تنفق اتحادات الكتاب كل هذه الجهود المشكورة للتحذير من التطبيع ولمهاجمة التطبيع والا تجد في زحمة هذه المعركة الزائفة التي تخوضها برهة قصيرة تستنكر فيها ذبح كتابها وتشريدهم واخماد اصواتهم؟ هنا ايضا اقول دون وجل ودون مداورة ان الذين يسكتون عن ذبح مفكري هذه الامة وبصائرها انما يمهدون الارض لنجاح الغزو الثقافي الاسرائيلي للتطبيع الفعلي. وغياب الديموقراطية وقبول المشاركة في مؤسسات ثقافية، كل ما فيها يتم بالتعيين ويكون عملها الفعلي هو استيعاب الكتاب وترويضهم لا لدفاع عنهم وحفظ حقهم بالقول والحرية وينبغي ان نضيف في هذه الايام الحياة الا يحزب الثقافة الوطنية ويوهن حيويتها وقدرتها على المبادرة. او لعل ما يعنيه بعض الذين يشعلون معركة التطبيع الثقافي ويؤججون نارها هو ان تظل اسرائيل حرمù مجهولا ورجسù لا ينبغي ان نلامسه وبالتالي ان نعرفه، ان التجاهل هنا ونفي الآخر الى زاوية مجهولة ومعتمة هي واحدة من آليات الفكر اللاهوتي في تغلبه على المشكلات والصعاب وقد مارسنا هذه الآلية واعتبرنا اسرائيل كيانا مزعوما وما زال حتى الآن ممنوعا وعملا خيانيا ان نتداول نصا كتبه اسرائيليون وان هذا في رأيي جزء من عجزنا عن مواجهة انفسنا وجزء من بنيتنا الاجتماعية التي لا يمكن ان ننهض من عثارنا ان لم نبدلها. ان مواجهة العدو من منظور الوعي التاريخي تقتضي ان نعرف كل شيء عن هذا العدو وان ندرسه وبعمق من خلال تعدده وتناقضاته وكما ان اسرائيل حرصت على ان تترجم كل ما يصدر بالعربية ومنذ الاربعينات كان ينبغي على العرب لو كانوا جادين في مواجهة اسرائيل ان يترجموا كل كلمة تكتب في اسرائيل وان تدرس اعمالهم وان تحل انماط تفكيرهم اذا كان ما يقصده محاربو التطبيع هو ان نستمر في جهلنا وان نظل مغلقين لا نعرف شيئا عن عدونا وان تكون الترجمة اثما او خيانة، فان رفض التطبيع في هذه الحالة هو مواصلة للنهج الذي انزل بنا كل هذه الهزائم المتوالية واوصلنا الى تفاوض الاستسلام. كذلك لاحظت ان العنف الذي يسم بعض المقالات المناهضة للتطبيع انما يشي بخوف غامض من هول الآخر وقوته. انهم يتصورون ان هذا الآخر المتفوق عسكريا لابد ايضا ان يكون متفوقا على المستوى الثقافي وان لديه من الدينامية الفكرية والمكر الاعلامي ما يجعله يهزم ثقافتنا ويمحو انجازاتها تماما كما فعل في الميدان العسكري وهنا يصبح لمناهضة التطبيع معنى تجنب معركة خاسرة، إلا ان بوسعي ان اؤكد لهؤلاء الاخوة ان اسرائيل لا تملك حسبما اعلم ثقافة اغنى من ثقافتنا ولا حتى انجازات فكرية يمكن ان تهمش ما انجزه الفكر العربي منذ قرن ونصف القرن وحتى لو افترضنا العكس فاننا لا نستطيع ان نواجه اي فكر بالتقوقع ودس الرأس في الرمل بل ينبغي ان تكون لدينا الثقة والحيوية الفكرية اللتان تسمحان بمقاومة ثقافة العدو وبالاغتناء عبر هذه المقاومة الحية والفعالة. انا لست خائفا من خطر اسرائيل الثقافي كما اني لم اشعر في يوم ان جيشها رغم الجهد الاعلامي الغربي لاحاطته بمسحة اسطورية لا تقهر كان قادرù على هزيمتنا لولا ضعف بنانا الداخلية وعدم جدية الانظمة السياسية في مواجهة اسرائيل فعلا. ان الذي كان ينتصر طوال هذه السنوات هو ضعفنا الداخلي وتخلفنا والانحلال التي تكبل شعوبنا وسيادة الفكر الغيبي على حياتنا بدلا من الفكر التاريخي واني دائما اشدد على مسألة الوعي التاريخي لان هذا الوعي هو وحده المؤهل لان يجعلني أرى نفسي عاريا في مرآة ولكي يعلمني كيف اعالج مشكلة اسرائيل المعالجة الصحيحة بادئا بتغيير نفسي واستجاباتي وواقعي وقادرا على المواجهة دون خوف او عقد او مراوغات، وفي هذه الحالة فاني اثق بتاريخي واثق بمقدرات شعبي واثق بغنى ثقافتي الوطنية واثق ايضا بأن المستقبل ما زال مفتوحا لتغيير هذه الخريطة المجحفة والرثة. ان المعارك التاريخية لا تخاض بالجهل ولا بالشعارات ولا بالارهاب البوليسي. ان المعارك المصيرية تحتاج الى بصائر متفتحة ورؤى واعية وبنى اجتماعية محدثة تتحمل التعدد وتتسم بالحيوية وتسمح للفرد ان يتفتح وان يكون مواطنا فعليا. ما زلت اعتقد ان اسرائيل مشروع خاسر ولن يكون بوسعها في المستقبل ان تستمر إلا اذا تغير جوهرها الصهيوني واختفى وتلاشى طابعها الديني واذا اردنا ان نعجل بمثل هذه النبوءة، فلا بد من ان تتغير كل هذه الصور الممسوخة التي انتهت إليها اقطارنا العربية، لا بد ان تنتهي الخطابة والبلاغة وان يتراجع الفكر الغربي. لا بد ان يولد المجتمع المدني وان يولد المواطن، لا بد ان نقبل التعدد وان نتعلم الحوار. وفي كل الاحوال، فاننا نحتاج الى كثير من المعرفة والتحليل والشعور العميق بالمسؤولية بدلا من التحريم والتخويف والانشغال بالعرضي بدلا من الجوهري. وفي كل الاحوال حين تقوم مواجهة فعلية بين الثقافة العربية والثقافة الاسرائيلية، لن يخطر ببال احد ان يتباهى باتحادات الكتاب في معرض دفاعه عن الثقافة العربية، لكنه يقينا سيتباهى بنجيب محفوظ وادونيس وسواهما من المبدعين العرب.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة