يقوم معظم الانظمة الدستورية في الدول العربية المعاصرة ضمن شكل الاطار الدستوري الحديث المبني على الفصل بين الدولة والدين، إلا ان كون الاسلام هو دين الغالبية من العرب وكونه لعب ويلعب دورù بارزù في حياتهم العامة، ماضيا وحاضرا، انعكس في الدساتر العربية المختلفة التي دونت في مواد اساسية منها وباشكال متعددة ان الاسلام هو دين الدولة. وفي مطلع القرن العشرين اورد دستور مصر الصادر سنة 1923 ان: »الاسلام دين الدولة« في وقت اصبحت فيه مصر ملكية دستورية. وكذلك اورد دستور جمهورية مصر العربية في المادة الثانية منه ان: »الاسلام دين الدولة« وكان القانون الاساسي العراقي الصادر سنة 1925 ينص في المادة 13 منه ان: »الاسلام دين الدولة الرسمي« عندما تحول العراق بعد الحرب الكونية الاولى الى ملكية دستورية، ونص الدستور العراقي المؤقت الصادر سنة 1958 في المادة الرابعة منه على ان: »الاسلام دين الدولة« بعد ثورة 14 تموز (يوليو) 1958 والقضاء على الملكية، وكذلك فعل الدستور العراقي المؤقت الصادر سنة 1964 في مادته الثالثة عندما نص على ان: »الاسلام دين الدولة والقاعدة الاساسية لدستورها«. واوردت المادة الرابعة من الدستور المؤقت الصادر سنة 1970 ان: »الاسلام دين الدولة«. اما المادة الثانية من دستور الكويت فقد نصت على ان: »دين الدولة الاسلام والشريعة الاسلامية مصدر رئيسي للتشريع«. واوردت ديباجة الدستور المغربي ان المغرب دولة اسلامية، وجاء النص في الفصل السادس على ان: »الاسلام دين الدولة، والدولة تضمن لكل واحد حرية ممارسة شؤونه الدينية«. واكدت ديباجة الدستور التونسي على تصميم الشعب التونسي على تعلقه بتعاليم الاسلام، وورد النص في الفصل الاول منه على ان: »الاسلام دين الدولة« وكذلك فعل دستور المملكة الاردنية الهاشمية في المادة الثانية منه عندما نص على ان: »الاسلام دين الدولة«. واكتفى الدستور لعام 1950 بالنص على ان: »دين رئيس الجمهورية الاسلام، والفقه الاسلامي هو المصدر الرئيسي للتشريع«، ونصت المادة الثالثة من الدستور السوري الصادر في الرابع عشر من شهر آذار (مارس) 1973 على ان: »دين رئيس الجمهورية الاسلام والفقه الاسلامي مصدر رئيسي للتشريع«. واوردت المادة الثانية من دستور الجمهورية العربية اليمنية ان: »الاسلام دين الدولة«، وكان معبرا ان يورد دستور جمهورية اليمن الديموقراطية الشعبية التي كانت قائمة في الشطر الجنوبي من اليمن قبل الوحدة، والمتأثر بالنظرة الماركسية، في المادة 46 منه ان: »الاسلام دين الدولة وحرية الاعتقاد باديان اخرى مكفولة، وتحمي الدولة حرية الاديان والمعتقدات طبقا للعادات المرعية، شريطة ان يتمشى ذلك مع مبادئ الدستور«. وكان الدستور المؤقت لدولة الامارات العربية قد نص في مادته السابعة على ان: »الاسلام هو الدين الرسمي للاتحاد والشريعة الاسلامية مصدر رئيسي للتشريع«. اما الدستور اللبناني الذي هو اليوم عميد الدساتير العربية لقيامه باستمرار منذ اقراره في الثالث والعشرين من ايار مايو 1926، مع التعديلات المتتالية الطارئة عليه، فانه لم ينص على دين للدولة ولا لرئيسها بل نص في المادة التاسعة منه على ان: »حرية الاعتقاد مطلقة والدولة بتأديتها فروض الاجلال " تعالى تحترم جميع الاديان والمذاهب وتكفل حرية اقامة الشعائر الدينية تحت حمايتها على ان لا يكون في ذلك اخلال في النظام العام وهي تضمن ايضا للاهلين على اختلاف مللهم احترام نظام العام وهي تضمن ايضا للاهلين على اختلاف مللهم احترام نظام الاحوال الشخصية والمصالح الدينية«. كما ونصت المادة العاشرة منه على ان: »التعليم حرّ ما لم يخلّ بالنظام العام، وينافي الآداب او يتعرض لكرامة احد الاديان او المذاهب ولا يمكن ان تمشي حقوق الطوائف من جهة انشاء مدارسها الخاصة، على ان تسير في ذلك وفاقù للانظمة العامة التي تصدرها الدولة في شأن المعارف العمومية«. كما كانت المادة 95 من الدستور قبل التعديل الاخير سنة 1990 تنص على انه: »بصورة موقتة والتماسا للعدل والوفاق تمثل الطوائف بصورة عادلة في الوظائف العامة وبتشكيل الوزارة دون ان يؤول ذلك الى الاضرار بمصلحة الدولة«. ثم الغيت هذه المادة في الحادي والعشرين من ايلول (سبتمبر) 1990 واستعيض عنها بالنص الآتي: »على مجلس النواب المنتخب على اساس المناصفة بين المسلمين والمسيحيين اتخاذ الاجراءات الملائمة لتحقيق الغاء الطائفية السياسية وفق خطة مرحلية وتشكيل هيئة وطنية برئاسة رئيس الجمهورية، تضم بالاضافة الى رئيس مجلس النواب ورئيس مجلس الوزراء شخصيات سياسية وفكرية واجتماعية، مهمة الهيئة دراسة واقتراح الطرق الكفيلة بالغاء الطائفية وتقديمها الى مجلس النواب والوزراء ومتابعة تنفيذ الخطة المرحلية. »وفي المرحلة الانتقالية: أ تمثل الطوائف بصورة عادلة في تشكيل الوزارة. ب تلغى قاعدة التمثيل الطائفي ويعتمد الاختصاص والكفاءة في الوظائف العامة والقضاء والمؤسسات العسكرية والأمنية والمؤسسات العامة والمختلطة وفقù لمقتضيات الوفاق الوطني باستثناء وظائف الفئة الاولى فيها وفي ما يعادل الفئة الاولى فيها وتكون هذه الوظائف مناصفة بين المسيحيين والمسلمين دون تخصيص اية وظيفة لاية طائفة مع التقيد بمبدأي الاختصاص والكفاءة«. ان هذه المادة تشير بوضوح الى النظام الطائفي القائم في لبنان والمزمع الغاؤه دون تحديد مدة معينة اذ الامر متروك للظروف المناسبة، وهو يقوم ضمنيا على توزيع المناصب العليا في الدولة على اساس طائفي سواء في الرآسات او في مجلس الوزراء او المجلس النيابي مع اعتماد المناصفة في الحكومة ومجلس النواب، اما لجهة التشريع فان قوانين الاحوال الشخصية هي ذات منشأ ديني ومذهبي تعود للطوائف السبع عشرة التي يتألف منها لبنان (فيما يتعلق بالزواج خاصة وبالارث والوصايا)، ولم يوضع قانون عام للاحوال الشخصية لطائفة الحق العام التي نص عليها قرار المفوض السامي عهد الانتداب في 13/3/1936 وهي تخص الاشخاص الذين لا يودون اتباع احدى الطوائف القائمة. نستخلص مما سبق، انه باستثناء الدستور اللبناني، فان الدساتير العربية التي اشرنا اليها تنص بصورة او باخرى على ان الاسلام هو دين الدولة او رئيسها او على انه مصدر رئيسي من مصادر التشريع. والذي يهمنا طرحه هو السؤال التالي: ماذا يعني ان تكون الشريعة الاسلامية مصدرù رئيسيا من مصادر التشريع؟ يجب باديء ذي بدء ابداء الملاحظة ان الشريعة الاسلامية في معظم الدول العربية ليست المصدر الرئيسي ولا المصدر الوحيد للقانون، ولعل ذلك مرتبط بالاوضاع الدستورية الراهنة للدول العربية وهي اوضاع تراعي متطلبات العصر وخاصة وان البحوث الفقهية لم تقدم صيغا بديلة لمعاملات عديدة تهم المجتمع من النواحي الاجتماعية والمالية والاقتصادية والتجارية والمصرفية والائتمانية وسواها وان الاجتهاد، بعد قرون من اغلاق بابه، لم يستطع بعد ان يعيد دفعه الحياة الى شرايين الفقه المتيبسة والمتجمدة على اوضاع قديمة وحالات سالفة، مع ان الفقه الاسلامي قد كان في عصور التنوير العربية العطاء الاساسي للحضارة. ولعل النص الحالي على ان الشريعة الاسلامية هي مصدر للتشريع يدفع الفقهاء المجتهدين الى بذل الجهد، ما وسعهم ذلك، لاعادة تكييف النصوص والآراء والمذاهب وتأويلها وفق متطلبات العصر، اذ القاعدة الشرعية هي على انه لا ينكر تغيير الاحكام بتغير الزمان والمكان، مما يحمل المشترعين العرب عندها على استلهام الشرع في التقنين بصورة موضوعية. ولا يرد على ما سبق بأن الصيغة الحالية الغالبة في جعل الشريعة مصدرا رئيسيا من مصادر التشريع لا تلزم المشترع باتباع احكام الشرع الاسلامي، اذ ان الغالبية الكبرى من القوانين في مختلف البلدان العربية لا تخالف في جوهرها الشريعة الاسلامية منظورا اليها في مختلف مدارسها ومذاهبها ودون التقيد بمذهب معين ومع مراعاة التنسيق بين الفقه الاسلامي والاحكام والمباديء العامة التي يقوم عليها التشريع العصري في جملته. عدا عن ان الصيغة الحالية لا تحول دون المشترع والاخذ من مصادر اخرى عندما تدعوه المصلحة العامة الى ذلك، وخاصة وان مقاصد الاحكام في الشرع، برأي الامام ابي اسحاق الشاطبي مثلا في كتابه »الموافقات«، هي تحقيق مصالح العباد. والواقع ان القوانين المدنية العربية الحديثة نصت على ان مبادئ الشريعة الاسلامية هي مصدر من مصادر التقنين المدني على ترتيب معين، اذ اوردت المادة الاولى من القانون المدني المصري انه: »اذا لم يوجد نص تشريعي يمكن تطبيقه حكم القاضي بمقتضى العرف، فاذا لم يوجد فمقتضى مبادئ الشريعة الاسلامية، فاذا لم توجد فبمقتضى مبادئ القانون الطبيعي وقواعد العدالة«. وعلى غرار القانون المصري، تمشى القانون المدني السوري في الفقرة الثانية من المادة الاولى منه، مع تقديم الشرع على العرف، وتدور »النص كالآتي: »فاذا لم يوجد نص تشريعي يمكن تطبيقه، حكم القاضي بمقتضى مبادئ الشريعة الاسلامية، فاذا لم توجد فمقتضى العرف، واذا لم يوجد فبمقتضى مبادئ القانون الطبيعي وقواعد العدالة«. ونصت الفقرة الثانية من المادة الاولى من القانون المدني العراقي على انه: »فاذا لم يوجد نص تشريعي يمكن تطبيقه حكمت المحكمة بمقتضى العرف فاذا لم يوجد فبمقتضى مبادئ الشريعة الاسلامية الاكثر ملاءمة لنصوص هذا القانون دون التقيد بمذهب معين فاذا لم يوجد بمقتضى قواعد العدالة«. ان هذه النصوص تعني ان مبادئ الشريعة الاسلامية هي مصدر احتياطي عام من مصادر القانون تنطبق احكامه على جميع المواطنين، على اختلاف اديانهم، بصفة عامة، عند عدم وجود قاعدة تشريعية معينة. والمقصود بالمصدر الاحتياطي هذا المبادئ العامة او المبادئ الكلية دون التفصيلات، كما هو الشأن مثلا في قاعدة ان: »كل خطأ سبب ضررا للغير، يلزم من ارتكبه بالتعويض« او ان: »العقد شريعة المتعاقدين« ولعل ما ورد في مقدمة »مجلة الاحكام العدلية«، القانون المدني العثماني محررا بحسب المذهب الحنفي، في المواد المائة الاولى ما يكشف عن تلك المبادئ والاحكام العامة الواسعة النطاق، التي تبنت قسما منها النصوص القانونية، ومنها ما استقر في التعامل بفضل العرف، ومنها ما اختلط بالمبادئ القانونية العامة، التي لا نص عليها، واقرتها مثلا محكمة النقض (التمييز) اللبنانية كمبادئ عامة مع ان قانون الموجبات والعقود اللبناني لا ينص على ان الشريعة الاسلامية مصدر احتياطي رسمي من مصادر القانون. ولا بد هنا الملاحظة ان مبادئ الشريعة الاسلامية كمصدر احتياطي، ترد في القوانين المدنية العربية مقدمة على مبادئ العدالة والقانون الطبيعي، ويتفاوت مركزها باختلاف بالنسبة الى العرف، على ان القاضي لا يستوحي هذه المبادئ عندما يوجد نص واضح وصريح في احد الامور، كما ولا يطبق قواعد الشرع الاسلامي اذا تعارضت مع قواعد القانون ومبادئه العامة والاساسية، من ذلك مثلا ان محكمة النقض السورية لم تأخذ بالرجوع عن الصلح المبرم ما بين الوقف وشخص ما بصورة انفرادية، مع ان الشرع يعترف بهذا الحق للوقف لان ذلك يخالف مبدأ المساواة، وقد جاء في قرارها: »لما كان نقض الصلح اذا جاز بموجب احكام الشريعة فانه غير جائز في تشريعنا يعد تطبيق قانون الاصول التي يتساوى امامها جميع الفرقاء ولا تنطوي على نص يجيز نقض عقد المصالحة بالنسبة لمال الوقف«. وكذلك الامر اذا الغى قانون عقاري الشفعة او لم يأخذ بها، فلا يجوز بالطبع الاستناد الى الشرع الاسلامي للمطالبة بتطبيق احكام الشفعة في بيع العقار. ويطرح تفسير القاعدة الشرعية الاسلامية في حال الاخذ بها مسألة هامة جدا وهي التالية: هل يتمتع القاضي الذي يطبق تلك القاعدة بحرية التفسير او انه يتقيد بالتفسير المعطى لها في الشرع؟. وفي حقيقة الامر فان المحكمة تستند في تفسيرها الى اجتهاد القضاء في المسألة بما استقر عليه من مبادئ، ولها ان ترجع الى الكتب المعتمدة في الفقه الاسلامي دون التقيد بمذهب معين مع مراعاة التنسيق مع الاحكام والمبادئ العامة التي يقوم عليها التقنين المدني في مجمله كما سبق القول. على انه لتوضيح الصورة فلا بد من التنويه بأن الشريعة الاسلامية تعتبر مصدرا رسميا في نطاق الاحوال الشخصية في الدول العربية التي قننت تشريعها المدني من مثل لبنان وسوريا ومصر، اذ يعتبر الدين مصدرا رسميا في نظام الاسرة، وان كان يراعى ان المشترع قد تدخل حتى في هذا المجال فوضع قواعد كثيرة بحيث صار التشريع هو مصدر تلك القواعد من الناحية الرسمية (قانون اصول المحاكمات الشرعية في لبنان مثلا)، وفي قواعد الميراث والوصية يكاد يقتصر دور المشترع على تقنين احكام الشريعة الاسلامية بصفة عامة، وهكذا الامر ايضا بالنسبة للوقف. اما بالنسبة لغير المسلمين، فانه فيما يتعلق بنظام الاسرة والخطبة والزواج وما يتصل به والنسب وآثاره، فان للاعراف الدينية دورù اساسا في نطاقها كمصدر اصح، اذ حافظ غير المسلمين منذ صدر الاسلام على قوانين احوالهم الشخصية وعلى التقاضي بشأنها امام المحاكم الروحية (كما هي الحال في لبنان مثلا)، كما وصدر في لبنان قانون ارث لغير المسلمين في 23/6/1959 يستوحي بعض الاحكام الارثية المعروفة في الغرب وخاصة بشأن المساواة بين الذكر والانثى وحق الخلفية والتنزيل والحصة المحفوظة. في الختام تقتضي الاشارة الى ان تجربة التقنينات المدنية عامة في الدول العربية تجربة ناجحة وماشت التطور ولم تصدم الارث الفقهي، ويبقى حديث التشريعات الجزائية بحاجة الى تفصيل خاص ليس هذا البحث ميدانه. (*) قاض وباحث.