ان الانسان في عصر التكنولوجيا، هو واحد من حالات عديدة، اما مريض واما مستلب واما مهووس. فالخطاب التكنولوجي الذي يربط التقدم الحضاري للبشرية بالتقدم التكنولوجي، وفق رؤية قدرية متعصبة للتقدم التكنولوجي الأعمى. يصر على مخاطبة البشر انهم مرضى، عليهم أن يتكيفو مع عصر التكنولوجيا القادم. فالأزمة الغذائية التي تهدد العالم، سرعان ما تجد حلها على يد خبراء معهد هدسون. فالنفايات من وجهة نظرهم تصلح للمعالجة من جديد واعادة انتاجها على شكل غذاء. فهم يرون ان الطعام اليومي لانسان المستقبل سوف يحتوي على البروتين الوحيد الخلية، واطعمة صناعية تركيبية تعتبر شاذة وغريبة لو رأيناها اليوم، ولكنها قد تذيع وتصبح شائعة في حينها. وسيقبل الناس على الاطعمة السائغة التي تكون ارخص ثمنù او اكثر غذاء مثل اللحوم اللالحمية، أي اللحم المصنوع من فول الصويا، والذي بلغت مبيعاته في 1973 حوالى /10/ مليون دولار. والطعام المصنوع من الحبوب والغني بالقيمة الغذائية والمخصص للافطار. ان تهيئة الجو لتحول تدريجي في عادات الغذاء، ليستقبل الناس غذاءً اكثر احتواء على الفيتامينات، ليشكل احد المقومات الاساسية للخطاب التكنولوجي الذي يتناول الناس على انهم مرضى اكثر من كونهم بشرù يتمتعون بالصحة والعافية. وعلى سبيل المثال فالخطاب التكنولوجي المعاصر، ينصحنا بأكل التفاحة مثلاً، لا لأنها تفاحة، بل لأنها تحتوي على كمية كبيرة من الفيتامين وعلى بعض السكريات والمواد النشوية، وليس هذا الخطاب ان التفاحة هي مبدأ يفوق جميع عناصره، وهي تعبير عن الحياة التي تنمو وتتفتح، في رحاب الطبيعة الجميلة، من هنا كانت الحكمة في تناول التفاحة بجمالها وطعمها ونكهتها لا لأنها تحتوي الفيتامينات فقط. ان التأكيد على فيتامينات التفاحة هي محاولة حثيثة يسلكها هذا الخطاب لتبرير التقدم الأعمى، الذي يبشر بامكانية تحول الحب والجمال والاحساس الى قيم زائدة، يمكن اختزالها وطرحها جانبù، أو الوصول اليها من خلال حبوب الهلوسة والمخدرات التي تفتك بعالمنا المعاصر. يقول هربرت ماركيوز في كتابه الشهير والموسوم ب »الانسان ذو البعد الواحد« ما يلي: »ان ديناميكية التقدم التقني قد تلبست على الدوام محتوى سياسيù، وقد اصبح لوغوس Logos التقنية لوغوس العبودية المستديمة، وقد كان في الامكان أن تكون قوة التكنولوجيا قوة محررة عن طريق تحويل الاشياء الى ادوات، ولكنها اصبحت عقبة في وجه التحرر عن طريق تحويل البشر الى ادوات. ان السيطرة على الطبيعة، كانت باستمرار تتوازى مع الرغبة في السيطرة على الانسان. فعن طريق التكنولوجيا على وجه التحديد يصبح الانسان والطبيعة موضوعين للتنظيم وقابلين لأن يحل احدهما محل الآخر. من هنا تصبح التكنولوجيا، وعلى حد تعبير ماركيوز، هي الناقل الاكبر للتشيوء، لحالة من الاغتراب والاستلاب التي بلغت اوجها في حضارتنا التكنولوجيا المعاصرة. لنقل في حضارتنا الاستهلاكية المعاصرة، والهادفة الى زيادة الرفاه والى اضفاء صفة الحاجة على ما هو زائد عن الحاجة، وعلى تحويل الهدم الى بناء. فالناس يتعرفون الى أنفسهم في بضائعهم، ويجدون جوهر روحهم في سياراتهم وجهازهم التلفزيوني الدقيق الاستقبال، وفي بيتهم الأنيق وأدوات طبخهم الحديثة. وهذا الاستهلاك المتصاعد ليس دليل رخاء بل دليل بؤس، لأنه كما يرى يونيفر مؤلف كتاب »سقوط التكنولوجيا«، متصل مباشرة بالخشية والحرص، بالحاجة والكدح والتقنين. فالسعادة لا تساوي الاستهلاك، الذي يتأسس على البؤس. وحده الخداع البصري الذي يحيكه التقدم التكنولوجي يوحي بأن السعادة كم يرتبط بالأكثر، والأسرع وبالنهم والنهب والتدمير. وهذا من شأنه أن يلفق تهمة جديدة للانسان تجعل منه طفلاً لا يميل للرضاعة. ان التقدم التكنولوجي، بأهدافه السحرية الثلاثة التي تجد تعبيرها في القوة الخارقة والرخاء المادي والذي هو نتيجة وطريق الى السعادة. والقيادة عن بعد (الأتمتة)، يساهم في انتاج انسان مهووس وعلى حد تعبير ممفورد في كتابه الموسوم ب »اسطورة الآلة«، وانسان مستلب ومختزل من جهة ثانية. لماذا؟ والجواب أن التقدم التكنولوجي يتأسس على قهر الطبيعة، الامارة المميزة للحضارة المعاصرة وعلامتها الفارقة، وهذا التقدم يضفي على التوسع في المكان هالة من القدسية تظهر آثارها المدمرة يومù بعد يوم، والهوس يجد تعبيره في منظومة جديد من القوى والمصالح والدوافع، تنتهي الى بعث الآلة القديمة العملاقة وتزويدها ببنية تكنولوجية اكمل قادرة على الامتداد في الكرة الارضية وفيما بين الكواكب ايضù وعلى حد تعبير ممفورد. وبدلالة منظومة القوة هذه، فأن التقدم يعني مزيدù من الربح ومزيدù من الانتاجية ومزيدù من القوة... الخ. يقول ممفورد: لقد تكشف ان المال هو اخطر مولدات الهوس عند الانسان الحديث، وأن مجمع القوة المالي وتظاهراته المختلفة يستبطن بشكل متزايد في كل البنى المؤسسية الحديثة، وأن الواقعة الأبعد أثرù فيما يتعلق بمجمع القوة منذ أن توفرت له السلطة غير الحدودة ومرورù باتساع الربح المالي الى الملذات بدون رادع، هي لا مبالاته بحاجات ومعايير واهداف الانسان الأخرى. ان عمله الأفضل هو ما يسمى بلغة التاريخ صحراء بيئية وثقافية وشخصية. وهنا يحلو ل »ممفورد« أن يعقد مقارنة رائعة بين مركز اللذة المكتشف حديثù في دماغ الانسان وبين مجمع القوة المالي. فقد ثبت عمليù أن تحريض مركز اللذة عند القردة بواسطة الألكترود (تيار كهربائي صغير) يدفع هذه القرود لطلب المزيد، فهي تستمرئ العمل دون الحساب لأية حاجة فيزيولوجية أخرى حتى حاجة الغذاء والى درجة ان تموت جوعù. فشدة المحرض تحدث شيئù ما كالانعدام المطلق للحس العصبي بحاجات الحياة، ويبدو وكما يقول ممفورد أن مجمع القوة يعمل وفق المبدأ نفسه، والمحرض الالكتروني السحري هو المال. فالمركزان (مركز اللذة ومجمع القوة المالي) يعكسان كل الانعكاسات العضوية الأخرى عمليù، ولا يعرفان أي حد كمي. وبذلك تتظافر كل مولدات الهوس عند الانسان التكنولوجي الحديث، والذي يهدد اليوم باطفاء حياته، واطفاء الحياة على الكرة الأرضية ليشمل مركز اللذة عنده. المرض والاستلاب والهوس، علامات فارقة لحضارتنا التكنولوجية المعاصرة. فبدلاً من أن تتحول التكنولوجيا الى أداة تحرير اصبحت اداة لعبودية جديدة. فالتقدم التكنولوجي المتسارع والمتزايد يغذي باستمرار وهم السلطة المطلقة على الطبيعة والانسان، بهذا يصبح الانسان جهاز خدمة رخيص. ان الاغتراب والاستلاب هما ناتج عصر الاكتشافات العلمية وتطبيقاتها التكنولوجية الموجهة بأسرع من قدرة البشر على تمثلها وتوجيهها، فأين هي السعادة في عصر التكنولوجيا العصرية، في عصر الأتمتة الشاملة، التي يراد لها أن تغزو جميع ميادين الحياة. فهل السعادة في أن يحل المذياع محل الغناء، والتلفاز الموجه والممركز محل الاحلام ليصادرها، والسيارة محل المشي. ثم ما هي هذه السعادة، التي تساهم في اسعاد حفنة من البشر على حساب الأكثرية ، حيث يزداد ، الفقراء، حيث تشير التقديرات الحالية، الى ازدياد ضحايا الكوارث وضحايا الجفاف والفيضانات. من /5،18/ مليونù سنويù الى /4،24/ مليونù في مجال الجفاف، ومن /2،5/ الى /4،15/ مليون في اعوام السبعينات للمتضررين بالفيضانات. وتشير التقديات الى وجود /5،35/ مليون انسان تحت خط خطر الفقر والموت. انها ضريبة التقدم على الطريق المسدود. تركي علي الربيعو