غنىٍ وسلاسة، في تجربة الروائية رجاء نعمه، يردان الى خميرة تجربة حياتية. وهي في حالات انتحالها صفة او شخصية، او متلطية خلف حدث، فانما تنتحل نفسها، من دون الآخرين. كامل غير منقوص، يبقى شغف القراءة الاجتماعية، المتبلورة في صيغ أدبية، نشأت من افتتان أكيد، مرده حكايات »ألف ليلة وليلة«، بصياغاتها المتداخلة، التي ما أن تغلق بابù، حتى تنفرج أبواب عديدة. الأصل العربي يشد الرواية الى تحولاتها، تلك التحولات التي لا علاقة بها للظلال. هي حكايا تفقد هيئتها ونسقها التقليدي لصالح الرواية، حيث أن »مريم النور« الرواية الصادرة عن »دار الآداب« تؤلف متنù من متون عدة. أي انها تغزل نسيجù لا يغادر مرجعه، قدر ما يستفيد منه. الحيز المكاني يلعب بطلاً مهيمنù في تلك الانتقالات اللفظية والحقيقية بين أميركا وباريس، باعتبار أن الامكنة، هي الحيز المقترح لأشكال علاقات جديدة دائمù، والجدة عائدة الى تطلع واستشراف مستقبلي حاد، كما عائدة في الوقت عينه الى منشأ التفصيل بذاكرة صاخبة وضاجة بالتذكر. اطلالة في التوقف أمام اسم البطلة »مريم النور«، بتماثله واقترابه من اسم الجدة الأجنبي »سانتا كلارا« نجد مفتاحù من مفاتيح عدة، في الاطلالة على الرواية، المؤلفة عالمù من عوالم، يجمعها الاحباط المر، كما البحث عن الجديد العالمي، من خلال محاولة بلورة أسئلة جديدة تنتمي الى العصر الجديد. الرواية تبدأ، آن يطلب السيد آلدو مدير السكن الجامعي في باريس، من مريم النور الانتقال من غرفتها، الى غرفة الفتاة الأميركية السوداء »دورù« التي اصابها عارض، ومنه، سوف تتوالى الاحداث حين تروي دورا، على مراحل متباعدة، ازمتها الحادة، المتمثلة في تخيلها لعملية انعتاقها وحريتها المرجوة. هي كتابة تفاصيل، تتعامل معها الكاتبة بحرفة، ودراية بأن مجموعة تفاصيل تشكل عالمù نادرù ان وضبت بمخيلة حالمة وجدية على السواء. تتداخل ألوان عوالم رجاء في محاولة رسم أخير، لتتشكل الصور متراوحة بين الزهو والصحو، وبين امتدادات الكآبة الكالحة في بطانة النص المشدود الى رؤى محتملة تستفيد من التجربة الفرنسية الجديدة في القص والروي. تاريخ ذهبي إيغال الكاتبة في محاكاة الأشياء وأنسنتها تحيل على ذلك التاريخ الذهبي المذكر بكاتبات كبيرات، في مزاوجة أسلوبية مع أنساق عربية محددة، ولكنها حرة، بل في حريتها رحابة غير عادية لغاية تحديد الأطر والمصائر. وهي الى كونها كتابة تفاصيل، هي كتابة أنفاق أيضù، يجر واحدها الى الآخر قبل انقلاب النفق على اضاءة الرؤية الكاملة من خلال قراءات تحاول سبر أغوار النفس البشرية، بطريقة لا تني تجذب الى مرتكزات الرواية ومحطاتها، التي تتفاوت بين اختيار وآخر، حتى ليبدو الحيز اليومي موصولاً بتوتيرات الأسطورة، وحتى لتبدو واقعية الأشخاص، أقرب بواقعيتها من خيال جامح مديد. ان الكلام على اليومي، يشي بكتابة ليست بالبسيطة، ولو جاءت تماثلها، لأنها ابنة المعيش الصاخب بالتجارب، والغني بالأدوات، التي كلما أمعنا في اكتشافها ازداد تألقها. صوغ الكلام لا يجاري نسقù بقدر ما يحاول ابتداعه، سواء أتى الأمر عبر السرد أم عبر ادراج بعض الحوارات المتوترة في هذا المكان أو ذاك. الا انني أميل الى مريم النور، من لحم ودم، كما روايتها التي تتبدى حقيقية، لأنها تنتمي حكمù، أو تنحاز وتستفيد من أدب السيرة، وصولاً الى تحويله الى أدب يفترق عن صاحبه كلما تبدت قرابة ما. تلوين بقدر ما توغل رجاء نعمه في قسوتها، بقدر ما تحنو على تلك الأطر التي احتضنتها في ماضيها. وحنوها هذا، مسربها الكتابي الى تلوين الكلمات بأنفاس الكاتبة المتلونة. ثمة لا تقليدية في السرد، لن تصالحها الخواتيم، فهي اذ تبدأ بحكاية »دورا« تنتهي بها، الا أن المسافة الفاصلة، والنابضة، بين البداية والنهاية، تختزل تجارب نرى من خلالها »دورا« تمارس غناءها أخيرù، وتتوصل الى تحقيق ذاتها من خلاله، بما معناه وقوع الفعل في التطَّهر من جهة، وامساك الذات من دون مبارحتها عند مريم من جهة أخرى. الكتابة مخلَّص، ووسيلة من جملة وسائل عند رجاء نعمه، جوهرها التعبير من دون تفلّته عن اكتشافات تتمظهر في السياق، أو تتبدى منذ لحظة الكتابة الأولى. في ص 145 تقول الراوية: »ان أعظم الفنون أشدها تواضعù وبساطة«. كأنها في بوحها هذا انما تعلن هدف المحاولة التي يبقى هاجسها مدن ملونة لم تعد ماثلة، بقدر غروبها في التحصيل الأخير. تحصيل لغة، هو تحصيل حضور، أما الروي بلغة رقراقة، والانتهاء بدمعة في الصفحة الأخيرة فان لذلك معنىٍ أوحدù هو أن الكتابة حقيقية محضة. عناية جابر