عندما اطلق سيلفيو برلوسكوني حملته الانتخابية نام الايطاليون على حرير الوعد بمليون فرصة عمل جديدة. بعد فوزه الكاسح في الانتخابات وتوليه رئاسة الحكومة بالتحالف مع ضدين (قدامى الفاشيين والرابطة اللومباردية) بدأت المتاعب مع طغيان نزعة التفرد والضيق بالرأي الاخر وعدم الاخذ بما يشيد به الخبراء، فكانت النتيجة نصف مليون عاطل عن العمل اضيفوا الى من سبقهم في البطالة. مع ذلك استمر ال»كافالييري« في بيع الاحلام الى حين اصطدم بالواقع في خريف حار بلغ درجة الذروة في الاضراب العام الذي نظمته النقابات في تشرين الثاني الماضي مع تصاعد الرفض الشعبي لاستراتيجية تقشف جديدة استهدفت، من بينما استهدفت، قضايا اجتماعية حيوية أخصها التقاعد والرعاية الصحية. بعد استقالة برلوسكوني التي كادت ان تتسبب بازمة مفتوحة، ظن ان مجيء خلفه لامبرتوديني، التكنوقراطي المستقل والمرجع الموثوق في شؤون النقد، سيضمن استقرارù ماليù واجتماعيù يبطل الحاجة الى اجراء انتخابات مبكرة كما يطالب بذلك رئيس الحكومة السابق وكان اكثرهم تفاؤلا رئيس الحمهورية اوسكار سكالفارو المتحفظ عن دعوة الناخبين الى اختيار برلمان جديد رجح المراقبون ان الاغلبية فيه ستكون لبرلوسكوني، لكن، سرعان ما اتضح ان الاستقرار مازال بعيدù. واخر الادلة على ذلك اعتراض »فورزا ايطاليا« وحلفائها على مشروع موازنة الطوارئ الذي اعدته حكومة ديني باعتباره السبيل الوحيد لتمكين ايطاليا من استعادة صدقيتها في الاسواق. بغض النظر عن بعض اوجه الشبه بين مشروع الموازنة الجديد وبينما سبق لبرلوسكوني ان طرحه، ثمة في هذا المشروع ما يعطي ايطاليا فرصة كبيرة لضبط النزاعات الاجتماعية وتعميم مناخ سياسي واقتصادي يبدل من الصورة السائدة عن ايطاليا في الخارج. صحيح ان المشروع يلحظ ضرائب جديدة اضافة الى خفوضات في الانفاق الحكومي تطال بعض التقديمات الحيوية، لكن اذا قيس ذلك بالفوائد التي يمكن ان يحققها في مرحلة لاحقة، يمكن القول ان هذا هو ما تحتاجه ايطاليا للخروج من دوامة مفارقاتها. ولعل اخطر ما في الوضع الايطالي الراهن، ان برلوسكوني افاد، وهو في الحكم، من توسيع »ثقافته« التلفزيونية التي ركزت، في شكل مداور، على المصالح الفردية والكثلية على حساب المنفعة العامة، ما يعني ان سقوط مشروع الموازنة في البرلمان واستقالة حكومة ديني، سيعيدان المشهد اياه الذي عرفته ايطاليا في العام الماضي: اكتساح جديد للساحة الانتخابية من قبل قوى نفعية مأخوذة بفردية رجل اعمال يفصل السياسة بقياس الاسهم. وحدهم الشيوعيون اذا عادوا عن رفضهم لمشروع الموازنة قد يجنبون الحكومة الاستقالة، فيحرمون بذلك سيلفيو برلوسكوني من قطف ثمارها. الى ان يقول البرلمان كلمته هذا الاسبوع، لعله يفيد التذكير هنا بما قاله اشهر المعلقين في ايطاليا (اندرو مونتانيللي) في شخصية برلوسكوني: »وما اخشاه هو انه، اذا كنت انا الخبير العارف بشخصيته والذي املك قدرù كبيرù من المعلومات، بحكم مهنتي، كدت ان اقتنع بما يقوله، فكيف يمكن ان نتصور مواطنù عاديù لا يؤخذ بما يقوله بارع في جعل التمييز بين الابيض والاسود مستحيلا«. مرة اخرى، برلوسكوني بائع احلام، فيما ايطاليا في دوامة. سعيد صعب