As Safir Logo
المصدر:

الحدود الشمالية للوطن العربي:المراجعة المطلوبة للعلاقات مع تركيا وأيران

المؤلف: سحاب الياس التاريخ: 1995-03-07 رقم العدد:7026

في هذا الشهر الذي تحل فيه الذكرى الخمسون اليوبيل الذهبي لتأسيس جامعة الدول العربية (22/3/1945 22/3/1995)، نجد امامنا مشهدا عربيا ذا لوحات متعددة: 1 على المستوى العام، تحل ذكرى جامعة الدول العربية الخمسون بينما العمل العربي العام في حالة من التفكك والارتباك على الصعيدين النظري والعملي، فلا خطة قومية عامة، ولا خطة عمل في اي مجال من المجالات، ولا نية لتنفيذ اي خطة اذا وجدت الخطة، ولا قدرة على التنفيذ اذا وجدت الخطة والنية، يقابل ذلك مشروع مضاد جاهز عنوانه »الشرق اوسطية« يريد ان يحل محل جامعة الدول العربية، اما باحتلالها من الداخل وتغييرها في الشكل والجوهر، وحتى الاسم، او ان يطلق عليها رصاصة الرحمة الاخيرة، ويبني نفسه على انقاضها. ولعل ابشع ما في هذه اللوحة من المشهد العام، الحالة النفسية العربية التي تتعامل مع هذه السيناريوهات ببلادة عجيبة، وكأنها تتفرج على مسلسل تلفزيوني، ستعاود بعد المشهد الاخير منه متابعة حياتها الطبيعية، او كأن اقتناعا عاما يسود عرب اواخر القرن العشرين، بأن كل ما يقرر في الخارج لهذه المنطقة هو قدر محتوم لا سبيل الى رده، او حتى الى تعديله. 2 في الزاوية الشمالية الشرقية من الوطن العربي وعلى الحدود المائية مع ايران، وفي الزاوية الشمالية على الحدود البرية مع تركيا لوحتان آخريان من المشهد العام، قلما تشدان انتباه واهتمام المواطن العربي العادي بما تستحقانه، وبما تمثلانه من اهمية استراتيجية على حاضر العرب ومستقبلهم، عنيت باللوحة الاولى الحديث الاميركي عن وجود صواريخ على الحدود الايرانية موجهة الى دول الجوار الخليجي، وباللوحة الثانية مشكلة المياه المزمنة بين تركيا من جهة، والعراق وسورية من جهة ثانية. طبعا، هناك لوحات اخرى تتحرك فيها الاحداث بقوة، في اطار الحركات الاصولية في الجزائر والسودان ومصر، وفى حصار لا آخر له لشعبي ليبيا والعراق، وفي مخاض قاس في المشرق العربي ضمن اطار محاولات التسوية التي تحولت من مؤتمر دولي للسلام العادل، الى غطاء واضح لخطة اميركية اسرائيلية تندفع الى الامام في موضع، وتتعثر لحسن الحظ في مواقع اخرى، غير اني اخترت في هذا المجال التوقف عند لوحات المشهد على الحدود الشمالية، والشمالية الشرقية للوطن العربي، لان الامور هناك تهدد بأن تسير، مرة اخرى، وفقا للخطط الخارجية، بينما نحن امام فرصة لو احسن العرب التعامل معها لوجدوا امامهم منفذا يضعون فيه حدا للاستسلام الدائم والمطلق للارادات الخارجية، ويضعون نقطة انطلاق لتعامل عقلاني مع الاحداث وفقا لمقتضيات المصلحة العربية، ان لم يكن وفقا لخطة استراتيجية عربية، تعتبر في الظروف الراهنة من احلام اليقظة، غير القابلة للتحقيق. عند هذه النقطة بالذات، المتعلقة بالمشكلات المعلقة بين ايران وتركيا من جهة، والدول العربية المجاورة لها من جهة اخرى، يمكن ان نسجل الملاحظات التالية: اولا على كثرة الكتابات النظرية التي عالجت موضوع الأمن القومي العربي، نلاحظ ان القرارات السياسية العربية التي كانت تتخذ من زاوية تراعي متطلبات الأمن القومي العربي، هي قراءات نادرة، وانها قد انقرضت في العقدين الاخيرين بالذات، لاسباب عديدة، لا داعي الآن الى نكأ جراحها، ولكيفينا هنا التذكير بسبب واحد، هو النظرة الضيقة التي لا ترى جدلية التشابك البديهي بين المصلحة الوطنية لكل بلد عربي على حدة (خاصة بلاد الاطراف العربية في الشمال والشرق والجنوب) ومصلحة الأمن القومي العربي ومتطلباته، كما ان هذه النظرة الضيقة تحصر نفسها دائما في المدى الزمني المباشر، فتخضع لمحركات آنية قصيرة المدى، غالبا ما تكون في تعارض على المدى الطويل مع المصلحة الوطنية الضيقة والمصلحة القومية العامة، على حد سواء. ثانيا مع ان ايران وتركيا مسؤولتان بنسبة معينة عن جانب هام من سوء التفاهم الذي خيم على القسم الاكبر من علاقاتهما بالعرب في القرن العشرين، فان من المفيد ان نلقي ضوءا على ملامح المسؤولية العربية في سوء التفاهم هذا واهم هذه الملامح عدم امتلاك وعي عربي دائم للفصل بين ما هو ثابت وما هو متغير في العلاقات والمصالح بيننا وبين ايران من جهة وتركيا من جهة ثانية، بين ما هو استراتيجي وما هو تكتيكي في هذه العلاقات، بين ما هو دائم وما هو عابر. ففي مجال الثوابت كثيرا ما كنا كعرب نكتفي بالذكريات التاريخية السيئة بيننا وبين تركيا من جهة، وايران من جهة ثانية. اما في مجال المتغير، فكثيرا ما كنا نقع في فخ التعامل مع النفوذ الغربي في انقرة وفي طهران كأنه حقيقة تاريخية خالدة في هذه المنطقة من العالم، مهملين عناصر العلاقات التاريخية الغنية بين شعوب هذه المنطقة، وفيها ما فيها من القواسم المشتركة العميقة والثابتة. وكان الغرب، الذي يملك النفوذ السياسي في طهران (سابقا) وانقرة وعدد من العواصم العربية، يرتاح كثيرا لسوء التفاهم هذا، ويوظفه في خدمة نفوذه وحرية الحركة السياسية لهذا النفوذ. ثالثا غير ان كل اخطاء الماضي في العلاقات العربية الايرانية من جهة والعربية التركية من جهة ثانية، لا توازي في حجمها وفي خطورتها الخطأ الكبير الذي يشكل حاليا فخا تاريخيا كبيرا يجدر بالدول العربية، خاصة ذات الجوار مع تركيا وايران ان لا تقع فيه، وهو خطأ مرشح للتفاقم كلما تقدمت وتحسنت فرص السلام العربي الاسرائيلي. اننا نرى بين الدول العربية من يساوي حاليا بين المشكلات مع ايران وتركيا من جهة، والمشكلات مع اسرائيل من جهة اخرى، بل اننا نرى ما هو اسوأ من ذلك واشد خطورة علينا وعلى مستقبل المنطقة ككل، دولا عربية ترى في اسرائيل على المستويات السياسية والاقتصادية والثقافية الصديق او الحليف، بينما لا نرى في ايران او تركيا (او كليهما معا) الا العدو الازلي. ان لسذاجة وسطحية هذه النظرة، وخطورتها اثرها في مراكز صنع القرار العربي في هذه المرحلة الانتقالية الحساسة، لا يضاهيها الا الموقف الاميركي الذي يبدو هذا الاتجاه بالنسبة لاستراتيجيته في هذه المنطقة من العالم، ذا قيمة لا تقدر بثمن، لانه يبتعد بالدول العربية (خاصة الدول الشرقية والشمالية) ابتعادا تاما عن احتمالات امتلاك رؤية واضحة للجغرافيا السياسية لهذه المنطقة، في لحظة تاريخية تبدو فيها الحركة السياسية الراهنة نادرة على ادخال المنطقة باسرها في وضع عام قد يصعب تغييره او العودة عنه قبل الربع الاول من القرن القادم. ولعل ذروة المأساة العربية في هذه المسألة، هي في اتجاه العرب الى واشنطن لتحميهم من صواريخ ايرانية، بدل السعي الى محاولة جادة لتحديد المصالح المشتركة بين العرب وجيرانهم التاريخيين (في الشمال والشمال الشرقي) ثم وضع هذه المصالح المشتركة، خطوة خطوة في مشاريع تؤمن لاصحاب المنطقة الاصليين مصالحهم القومية، كاصحاب تاريخيين لهذه المنطقة، في مواجهة المشروع الذي يحاول ان يعيد صياغة المنطقة باسرها، وفقا للمصالح الخارجية، ولمصالح الاقليم المصطنع الذي ما قام وما استقوى وما استمر، الا بارتباط كامل بتلك المصالح الخارجية. *** واذا عدنا في السطور الاخيرة من هذا المقال الى اليوبيل الذهبي لجامعة الدول العربية، فان من اهم دروس الفشل التاريخي الذي يهيمن على هذه الذكرى، اننا لم نحسن الانطلاق من خطة استراتيجية شاملة لنهضتنا الحضارية وامننا القومي (لكل مستلزماته العسكرية والاقتصادية والثقافية)، كما لم نحسن في غياب هذه الاستراتيجية التعامل مع اي من تفاصيل العناصر التفصيلية لمثل هذه الاستراتيجية العامة. لعلنا اذا عثرنا على قواعد التعامل مع الجوار الجغرافي السياسي للوطن العربي، نضع يدنا اخيرا على قواعد التعامل مع المشكلات الداخلية لهذا الوطن، ومشكلته الكبرى مع الاقليم المصطنع في وسطه.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة