As Safir Logo
المصدر:

مسألة حرجة في فقه المرأة(راجعه خليل أحمد خليل)

المؤلف: شمس الدين محمد مهدي التاريخ: 1995-02-17 رقم العدد:7013

لو جاء اليوم اسكليبوس، اله الطب الاسطوري ومعه كل اطباء العالم (حتى عصر كلود برنار، بدء الطب الاختباري)، لما رأوا في جسد الانسان من امراض غير ما شخصوا في ازمانهم. والحال، باية آلة منظارية ينظر الفقيه المعاصر الى جسد الانسان؟ ان النظرة الاعتقادية، كما يقول بوردييه (في كتابه: مسائل اجتماعية)(4)، تحيل الى الظن والانكار (mژconnaissanse)، فكيف يعرف الاعتقادي الجسد الذي يظنه كذا، وينكره كما هو؟ ان الفقاهة منحى او مسلك معرفي، وحتى تكون كذلك، لا بد لها من استجواب الواقع ومعاينة ما فيه، وتشخيص الانسان في كل عصر، بروح العصر اي بعلمه ومعناه. وبما ان آخر القرن العشرين يقدم نموذجين اساسيين للمرأة: نموذج المرأة الجاهلة/ غير العاملة، ونموذج المرأة العالمة/ العاملة الى جانب نماذج فرعية كالمرأة العاملة/ الجاهلة (الامية)، والمرأة العالمة غير العاملة بعلمها او غير الممارسة مهنة تعتاش منها، غير الوراثة وغير الزواج كوظيفة اجتماعية اقتصادية. فان الفقه ذاتها، مثل العلم العام، والعلم الاجتماعي بخاصة، يواجه مسألة منهجية دقيقة، هل يصح الكلام على هذه النماذج وفرعياته بطريقة واحدة؟ واذا صح، فما الجدوى المعرفية المتحصلة من هذا التلبيس الذهني؟ الا نلاحظ مثلا ان عدد المسلمات في العالم يفوق الخمسمئة مليون نسمة، وان ظهور نموذج جديد بينهن، هو نموذج المرأة العالمة (او الدارسة او الطالبة) والعاملة، يستدعي فقها جديدا، ابداعيا، يستند الى خلق »الانسان في احسن تقويم«، والتأمل في معنى »احسن تقويم«، الذي يسهم الطب والتجميل والتزيين وصانعو الازياء والصيادلة الخ، في تحديده وابرازه؟ كيف يكون جسد المسلمة تقويم؟ وما معنى الستر والحجاب (عن الاجنبي، اي غير المحرم) بالنسبة الى المرأة التي تعلم وتعمل، وتكاد تملك جسدها وسلوكها وقرارها، بقوة علمها وعملها؟ يسعى الإمام شمس الدين في كتابه الى انتاج جواب قرآني قوامه »وحدة موقع المرأة والرجل في نظام القيم والحقوق والواجبات في الاسلام«، ويسند جوابه الى »مبدأ الاخوة« او المؤاخاة الذي لم يعمل به طويلا في التاريخ العربي الاسلامي، ان اعتبار المرأة نظيرة الرجل في الخلق وفي الدين، مبدأ تأسيسي لنظرة فقهية جديدة الى المرأة، فالنظير يعني ان المرأة حرة، مستقلة، لا وصاية عليها، ولا على جسدها، بعد بلوغها الجسدي والعقلي. فما بال الوصاية لا الولاية الطبيعية تهبط عليها في الاجتماع العربي والاسلامي المعاصر من كل الجهات؟. أليست العبادة، الواجبة على المسلم، ذكرا كان او انثى، تستدعي المعرفة؟ وفوق ذلك اليست عبادة ا" نبراثها معرفة؟ والحال، كيف يتأتى للمسلمة ان تعبد دون ان تعرف، حتى قراءة آية من القرآن الكريم، وتفهم ما جاء في كتاب الستر والنظر مثلا؟ الى ذلك، ماذا تملك المرأة الجاهلة/ غير العاملة، من خيارات، سوى تمليك جسدها، توظيفه في الزواج او سواه، لكي تعمر، ولا تبقى مهجورة؟ ان المرأة، مثل الرجل، ذات حق في الاستمتاع بنعم ا"، وتعليم المرأة أليس من اهم المتع واولاها؟ ان الجاهلية القديمة تتجدد اليوم في امية المجتمع العربي، وخصوصا في امية النساء، وان التخلف العربي، الذاتي، يتجلى في جهل الجاهلين، وبطالة العاطلين عن العمل، الرجال والنساء على حد واحد. ونرى ان فقه التحرير يبدأ من تمليك المرأة حقها في العلم وفي العمل المنتج لا العمل المنزلي والوظيفة الزوجية خدمة المالك/ الساتر، والوظيفة الاجتماعية وحسب، اما فقه الامتلاك فيواصل السير في خط امتلاك السلطة الناس واشياءهم واموالهم، الذي اشار اليه ابن خلدون في مقدمته، حين رأى ان معاوية قد قلب الخلافة ملكا ونحن نخالفه التوقيت، اذ نرى ان الخلافة انقلبت ملكا قبل ذلك بكثير، والا ما معنى الخلاف، والفتنة، منذ اجتماع السقيفة، حتى مقتل علي بن ابي طالب، اول قارئ وكاتب ومفكر اسلامي، في الكوفة!. لا مشاحة ان المرأة المسلمة لا تشكو من انصافها في مستوى الخطاب الكينوني، ولا الخطاب الدينوني، وانما تشكو الآن وغدù من معاملتها في المجتمع الموسوم بالاسلامي، فهل هو كذلك من زاوية الفقه العلمي، لا المنحى السياسي الاصولي؟ أليس في فصل الاسلام النظري عن المسلمين التاريخيين، خطأ منهجي، لا يوفر للعقل فرصة للنظر الجدي في حينونة المسألة النسائية العربية والاسلامية؟ ان الارث الثقافي والتغيير الاجتماعي، اللذين يشكو منهما الإمام شمس الدين، وينتقدهما في كتابه، هما الواقع الذي تعيش فيه المرأة المسلمة المعاصرة، وهل مما يخالف الفقه سؤال المرأة الراهنة عن حالها، كما كان يقول النبي والصحابة، وكما كان يفعل المتنورون المسلمون في كل عصر؟ لو فعل الفقيه المتنور ما نسأل عنه، لكان على خط تماس وتشابك مع عالم الاجتماع، فقصور المرأة، ثم تقصيرها، هما نتاج اجتماع بشري، ذي عقلية اعتقادية، تجريدية، لا تجريبية، وتاليا نتساءل: اما وقد باتت المرأة العالمة، لا سيما الطبيبة مثلا، تعرف جسد الانسان، اكثر من اي عالم اجتماع او اي فقيه غير متضلع مثلها في الطبابة، وباتت تعمل انى شاءت، وترى في بيتها وفي الاماكن العامة، ما لا يحجب، من خلال شاشات السينما والتلفزة، وتسمع ما لا يمنع من الاذاعات وتقرأ ما لا تعرف، في كتب ومجلات وصحف، فهل بقي معنى للكلام على زنا النظر والسمع واللسان والجسد، الخ؟ ان العالم الحديث يخترق المنازل والافئدة والعقول، فهل نسأل الجيل الجديد من النساء عن اموالهن اليومية؟ وكيف يتصرفن باجسادهن؟ وماذا يستطيع الفقه المتجدد ان يقدم لهن عونا، ليكن في احسن تقويم؟ ان عدم سؤال المرأة عن حالها، وعدم اتاحة الفرصة الكافية لها، لكي تعبر عن رأيها وعن ذاتها بحرية واستقلالية، يعتبران اهانة، وموقفا معاديا للحرية الانثوية حرية المرأة في امتلاك جسدها كما هو، ترعاه بنفسها، وتقدمه للمجتمع في الصورة القويمة التي تراها هي سليمة ومناسبة، وفقا لمعايير المجتمع وقيمه الصحيحة، لا الفاسدة. وان المرأة المسؤولة عما تفعل، يحق لها السؤال عما يفعل بها معها او ضدها ، ويحق لها ان تجيب بنفسها، وان تقتحم الحياة بنفسها، لا بوصي او ولي، وعندنا ان اعفاء المرأة من المسؤولية المباشرة عن نفسها وعن جسدها وسلوكها ورأيها، يعني اقالتها من الوجود، وحرمانها من حقها كمواطنة وانسانة، تقوم لاجل حقوقها قيامة العالم المعاصر. 3 الفقهاء ومصممو الازياء لا يفوتنا التنبه الى ان فقه امتلاك المرأة يتصل، عبر السوق، بفلسفة استهلاكها واهلاكها: فحفظ المرأة وتعليبها سجينة داخل مجتمع (اي مجتمع) مغلق، كأنه مجموعة ربائد (محفوظات) لا يضاهيه سوى استهلاكها باسم الثقافة الرفيعة او الخياطة الرفيعة والدرجة الفاضحة، وفي كل حال، لا قيمة للانسان المجرد من رساميله الثلاثة: الرأسمال الاجتماعي والرأسمال الاقتصادي والرأسمال العلمي التقني. فماذا تملك المرأة (المقدمة اجتماعيا كأنها مملوكة، والمعروضة فقهيا كأنها مالكة)؟. لقد ارتاح فقهاء السلطة (والإمام شمس الدين ليس منهم)، عبر التاريخ العربي الاسلامي من منطق الفلاسفة وعارهم الزنديقي، حتى ان الفلسفة نفسها خجلت، وافسحت المجال للجهالة، بدلا من افساح المجال امام العلوم، كما حدث غربا. ومع راحة الفقهاء، ارتاحت المرأة العربية، فصارت حتى القرن العشرين قضية اجتماعية وعلمية واقتصادية، بل صارت نموذجا للمرأة المسحورة، المملوكة بالزواج، والمتروكة بالطلاق، حتى ان خصوصيتها الانثوية كادت تصير وظيفتها الوحيدة، الا ان المرأة العربية المعاصرة وجدت مجالا لرفع صوتها مع ليلى بعلبكي، ولتخاطب الجميع: »انا احيا«، لا نعرف اين صارت هذه الصرخة اليتيمة في الستينات، ولكنها صرخة حقيقية بالنسبة الى المرأة العربية، لا تعادلها في الفلسفة الحديثة سوى صرخة ديكارت: »انا افكر«!. اما الصرخة العميقة، التي تصنع التاريخ الجديد للمرأة العربية، فقد جاءت هذه المرة من المدرسة والجامعة، اذ خرجت المرأة من »الكرنتينا« الى الجماعة، بعيدا عن ثنائية السلطة والمقبرة، التي كان النظام السياسي يؤسس عليها توازناته، كان امتلاك المرأة باحتباسها بيضة القبان التي تؤثر على توازن المجتمع الراكد، المنغلق، وصار خروج المرأة بالقلم والكتاب الى المدرسة مؤشرا على اختلال توازن المجتمع الراكد الذي ما برح يقاوم ظهور المجتمع الحر المنفتح، لا نريد التذكير كثيرا بارهاب المرأة في ثقافتنا وعاداتنا، ويكفينا التشديد على حرمانها المطلق من حقها في القراءة والكتابة، ولا سيما من معرفة الحياة، فكيف تعرف جسدها وهي لا تملكه إلاّ شكلا؟ وكيف تعرف ماذا يلبس هذا الجسد، طالما ان الملبوس محدد لها سلفا، في صورة الجهاز او الجناز؟ وفوق ذلك، كيف تثقف جسدها العقلي (الذي يأكل ولا يحكي)، ويعزى اليها »في الشرق، علة ذلك الاخفاق«؟ يعتقد الشعراء الغاوون ان »الدر لا يكون إلاّ في الصدف«، ويرغبون في ان تكون الانثى حبيسة جسدها، فلا يبقى لها وظيفة اخرى سوى وظيفة »العورة« او »الكوارة« التي »تمتلئ وتفرغ«. ومع تصديف المرأة وتوضيبها وحجبها عن نفسها، وتعليبها في خزنة العروس، اختفت لاعبة اجتماعية كبرى، ظنها سلامة موسى انها ليست »دمية الرجل«. واذا تذكرنا علاقة الدمية بالدم، وعلاقة الدمع بالمرأة، لبرزت امامنا صورة كاريكاتورية عنوانها »الدم الذي يبكي«، حبيسا في قمقم ما كان. لم يفهم من امتلاك المرأة سوى جسدها، ومن تحريرها سوى انفلاتها مما يراد تمليكه للرجل. فاية ثقافة هي التي انتجت هذا الفهم؟ ان السادية الابوية والذكرية التي تستحكم بالرجل المعقد امام مالكه السلطوي، لا تجد متنفسا لها إلاّ في المرأة العربية، لقد لفتنا ابن رشد الى عقم مجتمعه الذي لا يتحرك ثلثاه، اي لا تعمل نساؤه، وقامت القيامة عليه، فاحرقت كتبه، بعدما كان قاضيا كبيرا، واركب بالمقلوب على حمار طاف به في قرطبة، وسقطت قرطبة وسلاطينها، ولم يستطع احد ان يمحو ابن رشد من الذاكرة والتاريخ والجامعة، فاين الحقيقة؟ نرى ان ثقافة الامتلاك هي المدخل الوحيد الى ثقافة الاستهلاك، وان فقاهة الحجاب التي تعبر عن ثقافة انغلاقية، بلا اصول انسانية حية، لا تتنافى مع ثقافة المجتمع الاستهلاكي الذي هاجم المرأة المحفوظة في منزل الوالدية او الزوجية، بفيض من الازياء والعارضات والعارضين، ولم تقم قيامة الفقهاء حتى الآن على مصممي الازياء. لقد تجاوز النساء في سلوكهن وثقافتهن كل تصميم فقهي، وصار تحريرهن في ايدي مصممي الازياء والعارضات (غير الامينة)، وبات نظر المرأة في المستور عنها، وفيها، محكوما بما ترى في التلفزة والشوارع والمدارس والجامعات، ان خروج المرأة من المجتمع الانغلاقي الى المجتمع الانفتاحي، ومن الاقتصاد الامتلاكي الى الاقتصاد الاستهلاكي، يطرح عليها مسائل جديدة، فمن يجيب: المرأة ام الفقيه؟ الانثى ام مصمم الازياء؟ الزوجة الخادعة ام الزوجة المخدوعة؟ الزوج الخادع ام الزوج المخدوع؟ ان المرأة العالمة العاملة لا تنتظر مجيبا، والاتحاد النسائي العالمي، يناقش في السلطة، لا في كيفية خروج المرأة من البيت الى الانوثة، بحجاب او بغير حجاب، طانسو تشللر، خرجت بالسلطة الى القدس محجبة، وقابلت رابين وعرفات، بلا حجاب، فاين معنى الستر وحدود النظر؟. هامش (4) BOURDIEU, Questions de sociologie, Tunis, 4991, voir: Haute culture et Haute couture.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة