As Safir Logo
المصدر:

بغداد تحت الحصار للسنة الخامسة(1) هكذا يعيش العراقيون...معاقبين! الجامع المشترك هو الحزن وبيع"المخزون"والهروب ألى"القدر"(صور)

المؤلف: سمارة مهى التاريخ: 1995-02-14 رقم العدد:7010

بغداد: مهى سمارة تعمدت زيارة بغداد في الذكرى الرابعة لحرب الخليج (17 كانون الثاني 1991) للوقوف على حقيقة معاناة الشعب العراقي في السنة الخامسة للحصار (2 آب 1990). والدخول الى العراق والخروج منه مسموح الا انه يخضع لشروط عديدة. ولأنه لا تعطى سمة الدخول للاجنبي من دون مراجعة الجهة المسؤولة في بغداد، فقد انتظرت في عمان سبعة أيام قبل موافقة وزارة الاعلام العراقية. سمة الدخول تكلف 35 دينارù اردنيù اي حوالى 52 دولارù اميركيù. كما ينبغي لزائر العراق، ذكرù او انثى، اجراء فحص لمرض »الايدز«، يبلغ عنه عند الحدود فقط، ويكلف 50 دولارù اميركيù، ومن دون معرفة نتائج الفحص... العملة الصعبة تذهب الى الخزينة العراقية. يستطيع الداخل الى العراق في زمن الحصار ادخال ما يشاء من مواد تموينية، ادوية وعملات اجنبية شرط ان يعلن عن هذه العملات ويسجلها على ورقة الدخول لكي يستطيع اخراجها في ما بعد. والطريق الى بغداد طويلة ومملة، تتقلص وتتمدد حسب وسيلة النقل المستعملة وحسب ساعات الانتظار عند الحدود. في السيارات الصغيرة تتطلب 12 ساعة بينما الباصات الكبيرة تتطلب بين 16 و18 ساعة. والاسراع او التأخير عند الحدود يتوقفان على همة مسؤولي الامن والجمارك والوقت المطلوب للتدقيق في الاغراض والاوراق. بسرعة مدهشة يخرج المسافر من نقطة الحدود الاردنية في الرويشد، ويدخل مركز طريبيل العراقي. الا انه في تلك اللحظة تمامù يشعر زائر بغداد بانكماش وخوف، اساسù بسبب حديث السائقين الاردنيين العاملين على خط عمان بغداد عن اجواء الرعب والسطو والتشليح التي ينشرها قطاع الطرق او العصابات على الطريق الى بغداد وفي داخلها. الطريق الى بغداد هي بغالبيتها آمنة باستثناء الوصلة الاخيرة الممتدة بين هيت حديثة والفالوجا والتي تمتد على مسافة 90 كلم قبل بغداد. والحوادث الأمنية املت على الجيش العراقي تعزيز نقاطه ليلاً حيث يحذر السائقون من السير افراديù في المنطقة الخطرة. كما زودت الدولة الباصات العراقية الكبيرة التي تحمل اكثر من 40 راكبù بحماية خاصة عبر مرافقة عناصر مسلحة من قوى الامن. مع ذلك فحركة السير عادية جدù بين عمان وبغداد ذهابù وايابù. وقد لاحظت حركة نشطة لسيارات النقل الكبيرة تحمل نفطù للاردن وبضاعة الى بغداد. قصر الرشيد ينزل الصحافي الاجنبي في قصر الرشيد، الفندق الاجمل والاكبر في العالم العربي. فيلاحظ قلة الزبائن، وكثرة الموظفين والخدم الذين يسهرون على النزلاء بنظراتهم وآذانهم... لا تزال صورة الرئيس الاميركي السابق جورج بوش على عتبة المدخل الرئيسي للقصر مما يحتم على الداخل ان يمشي عليها... اجنحة القصر بدت لي فارغة والقاعات الواسعة تصفر ضجرù كما ان معظم المطاعم مقفلة باستثناء واحد فقط. في هذا الجو كانت زيارتي لبغداد في السنة الخامسة للحصار، كربلائية الشكل والمضمون. بدت لي بغداد هذه المرة ذابلة، مترهلة وحزينة. كل شيء خافت، سوداوي وشاحب. اختفى البريق وخف الدلال وغاب السحر. الاجواء داكنة والنفوس مقهورة والمعنويات هابطة. بمرارة واسف تلقى العراقيون قرار مجلس الامن الدولي الاخير بعدم رفع الحصار، تحاشت وسائل الاعلام العراقية نقل الخبر واكتفت بالتركيز على الشرخ الذي برز في مجلس الامن بين الولايات المتحدة من جهة وفرنسا وروسيا والصين وبريطانيا من جهة اخرى. هيئة الاذاعة البريطانية واذاعة كندا الدولية، الواسعتا الانتشار في بغداد، اعلنتا استمرار الحصار والتطلع الى شهر نيسان المقبل، موعد اعادة البحث في موضوع الحصار من قبل مجلس الامن. مع ذلك فاجواء بغداد الرسمية هي اجواء مصالحة لا مجابهة مع مجلس الامن. وما جاء على لسان نائب رئيس الوزراء طه ياسين رمضان في مؤتمر الشخصيات العالمية للتضامن مع العراق من اجل رفع الحصار، حمل نبرات ولغة جديدة في كيفية التعامل مع مجلس الامن قوامها الديبلوماسية الهادئة والعقلانية البعيدة عن لغة التحدي والمزايدة والتهديد. مصادر غربية لا تزال تعمل في بغداد فسرت لهجة رمضان بأنها تطور لافت في الموقف العراقي، الذي بات يدرك خطر استمرار الحصار ويعمل بصمت ولكن بجهد كبير لازالته ولو تدريجيù. الإحباط واليأس لا يصعب على زائر بغداد قراءة مشاعر الاحباط والتعب والحزن البادية على وجوه العراقيين. اجسادهم النحيلة ووجوههم الشاحبة ومعنوياتهم الهابطة هي اكثر من دليل على الحالة البائسة. كل عراقي يحاول التعايش مع الحصار على طريقته، اذ اصبح الحصار بعد اربع سنوات طوال طريقة حياة ونمط تفكير يدوزنه المواطن ضمن ظروف قاسية وصعبة لاوضاع غير طبيعية وغير انسانية. الحصار: قدر العراقيين الاغلبية تعتبر الحصار قدر العراق، وان على الناس التعايش معه رغم قسوته بانتظار تغيير الحكم في الولايات المتحدة الاميركية التي لا تزال متشددة في ابقاء الحصار ومنفردة في التشبث بهذا الموقف داخل مجلس الامن. والعراقيون لم ييأسوا رغم صعوبة الانتظار والفاتورة الباهظة التي يدفعها الشعب من الدم والجهد والحرمان. العراق يراهن على ان تغير الولايات المتحدة موقفها وتقبل التعامل مع بغداد، كدولة ذات سيادة، في آخر المطاف. والانتظار صعب صعوبة الرهان على التغيير في الموقف الاميركي، خصوصù وان الحصار حوّل بغداد من مدينة الف ليلة وليلة الى مدينة اشباح في الليل ونصف مشلولة في النهار، اين منها ليالي بغداد الصاخبة!!! الازدحام الخانق الحركة الاقتصادية محدودة وشبه معطلة رغم الازدحام الخانق وكثرة السيارات في الشوارع. والتمدد الافقي الذي شهدته بغداد وسع المسافات بين منطقة واخرى. ورغم الطرق العريضة والجسور المعلقة والانتهاء من ورش ترميم واصلاح جميع الجسور التي دمرت في الحرب والتي بلغت 138 جسرù، يصعب التنقل بين منطقة واخرى. حتى ان انتقال سيارة من الكرخ الى الرصافة في الجهة المقابلة للنهر او من المسبح الى المنصور يستغرق ما بين 30 و45 دقيقة. معظم السيارات العاملة في بغداد مترهلة وقديمة، برازيلية الصنع، تعود الى موديل 1987، آخر السنوات التي سمح فيها باستيراد السيارات، باستثناء سيارات المسؤولين العسكريين والحزبيين والاغنياء القديمين والجدد الذين يقتنون احدث موديلات السيارات الاميركية والالمانية. ومن هذه السيارات يستطيع الغريب تمييز العراقيين بين نافذ وغير نافذ، ومن لديه المال او الواسطة او المعدوم الفقير. نتيجة لذلك يوجد طلب متزايد على السيارات المستعملة وقطع الغيار. السيارة المستعملة تباع بحوالى مليون دينار. ويتردد ان الدولة فتحت مؤخرù باب الاستيراد للسيارات الجديدة عبر السوق الحرة في الاردن وبالعملة الصعبة، ما لا تستطيع تحمله سوى فئة محظوظة من اركان الدولة والتجار. الترهل والتعب والترهل والتعب باديان على البشر والحجر في بغداد مع دخول الحصار سنته الخامسة. التدهور التدريجي واضح على كل الصعد الا انه ليس حادù. الشوارع قذرة والطين يعلو الركب في بعض المناطق بسبب مياه المجارير وقلة المضخات وفقدان قطع الغيار. القمامة تجمع من الشوارع يوميù، والموظفون تركوا العمل بسبب الاجور المتدنية. وهكذا فالحركة الاقتصادية محدودة الى درجة الشلل. الاسواق عامرة بالبضاعة الا انها قليلة الزبائن. كل شيء متوفر في بغداد شرط ان يتوفر المال غير المتوفر. اغلبية البضائع من صنع محلي، وهي جيدة واسعارها معقولة اذا قيست بالبضاعة المهربة من تركيا او سوريا او لبنان والغالية الثمن. لا أمن عدد لا يستهان به من المحلات لا يفتح، لا نهارا ولا ليلا بسبب قلة العمل. الحركة الاقتصادية تتوقف عموما مع الظهر، ويعود التجار الى بيوتهم ثم لا يخرجون الا في صباح اليوم التالي. الناس يعيشون في قوقعة ويلتزمون منازلهم بعد شراء حاجاتهم الضرورية في الصباح. كل فرد مهتم بتدبير اموره وهو في خوف من المجهول وشعور بعدم الامان. كل فرد يتوخى الحذر من الجار او الصديق خوفا من سوء تأويل. وهم يفصحون عن غير ما يقصدون حفاظا على السلامة والامان. الكلام بمجمله يتناول العموميات والحق على القدر... يقولون قدرنا ان يكتب علينا الحصار... تسيّب في الليل تتحول بغداد الى مدينة اشباح. الناس خائفة وهي موجودة في منازلها تتحسب الطارقين على الابواب طلبا لمساعدة او بقصد السرقة والنهب.. جميع المنازل ركّبت مكبرات على الابواب ولا تفتح قبل التعرف على هوية الطارق. حوادث عديدة تروى عن تسيب امني في الشوارع وحتى في المنازل، لعصابات تمتهن السرقة لا سيما سرقة السيارات والمال والذهب. امضيت 10 ليال في بغداد ولم أتجرأ على الخروج من الفندق بعد السادسة مساء عملا بنصيحة الاصدقاء. التضخم في آخر ايام الزيارة، اعلن عن انزال اوراق نقدية جديدة من فئة 250 دينارا تسهيلا للناس الذين باتوا يضطرون لحمل اكياس كبيرة تتسع لأوراق المائة دينار والتي اصبحت قيمتها الشرائية تساوي نصف دينار الايام الغابرة. وطبع اوراق نقدية جديدة غير موحدة اللون او اللمس مؤشر سيئ على استمرار تدهور العملة العراقية حيث اصبح سعر صرف الدولار الاميركي الواحد 700 دينار في السوق السوداء و550 دينارا في البنوك الرسمية. واذا قارنا سعر صرف الدولار الآن مع سعر صرفه في اواخر الثمانينيات بعد الحرب العراقية الايرانية، لتبين الفرق، اذ كان سعر صرف الدينار العراقي الواحد ثلاثة دولارات اميركية. وضخ الدنانير في السوق يساعد على زيادة نسبة التضخم وكأنهما في سباق محموم بعد ان وصلت نسبة التضخم الى 2400 في المائة في الفترة الاخيرة... والسباق مستمر. جحيم على الأرض الوضع في العراق جحيم فعلي على الارض، طالعه السيئ هو تدني قيمة الدينار، الذي يبقى الميزان الحقيقي لاستمرار الحصار والازمة السياسية مع اميركا. والواقع ميؤوس منه، اذا استمر الحصار، »الشعب العراقي«، يقول الشيخ ابو علي، »مهان ومريض وجائع«، يفكر في يومه لا في غده، يعيش مع امجاد الماضي متناسيا تعاسة الحاضر ولا تطلعات للمستقبل. يلهث لتأمين لقمة العيش والدواء الغالي الثمن والمفقود«. يحاول النظام استعادة امجاد الماضي برموز وشخصيات الماضي. التماثيل عادت الى قواعدها وانتصبت في الشوارع من مؤسس العراق الحديث فيصل الاول الى عبد المحسن السعدون ومعروف الرصافي وعدنان خير الله والرئيس صدام حسين طبعاً. في الصفافير، سوق التحف والفضيات، يرفع التجار صورا عديدة للملك فيصل الثاني وكذلك للملك حسين في واجهة المحلات. والصورة السوداوية لبغداد تصدم الزائر خصوصا اذا سبق له ان عرف العراق، مثلي، في بداية الحصار في 1991 1992 وقبله ايام العز، والدلال في الثمانينيات. أسعار خيالية الناس تشعر بضيق مادي كبير والسبب هو قلة الاشغال وارتفاع الاسعار. اشياء كثيرة معروضة على الارصفة، وباتت الخضار والفواكه موجودة على مفارق الطرق وبأسعار مرتفعة نسبة الى المداخيل وتفوق قدرات الموظفين والمتقاعدين واصحاب الدخل المحدود. والاسعار خيالية اذا قيست بالاسعار التي كانت سائدة في العام 1992، حين كان سعر صرف الدولار 30 دينارا. شريحة خاصة من التجار المتنفذين والمستوردين تستفيد من الحصار وتجني ارباحا خيالية عبر استغلال رغىف الفقير ودواء العاجز وحليب الطفل. آلاف من الناس تحولوا الى التجارة بين ليلة وضحاها. افترشوا بسطات على الارض في »الشورجة« يبيعون كل شيء: صحونا وطناجر وكبايات جديدة ومستعملة، أباريق لغلي الشاي، مفاتيح وأزرارا كهربائية، حنفيات وقساطل، ابوابا وشبابيك، تلفزيونات وغسالات، حرامات وشراشف ومناشف وثريات. الأسواق الشعبية مع استمرار الحصار، توسعت الاسواق الشعبية وتطورت في السنتين الاخيرتين. ولا يستغرب احد في بغداد ان يوجد بين الدلاّلين والباعة اساتذة جامعيون، معلمون او موظفون اضطروا بسبب ضيق العيش ان يبيعوا من مخزون اغراضهم البيتية ليؤمنوا الطعام والدواء لعيالهم. في العام 1992، كانت عمليات البيع اكثر تنظيما ومحصورة بالكماليات، حيث بيعت التحف والفضيات والسجاد في محلات التحف والانتيكا الخاصة، الآن اصبح البيع اكثر شعبية ويتركز على المواد الاستهلاكية والمستلزمات البيتية اليومية. في بدء الحصار، نشأت سوق شعبية ايام الجمعة فقط أمام فندق نيفوتل. استبدل الوضع لاحقا بسوق الوقفة في ساحة التحرير. والآن اصبح مسموحا لأي انسان يريد ان يبسط في اية منطقة، من حيدر خانة في شارع الرشيد الى الشواكه في علاوي الحلة وغيرها... البيع من المخزون سيدة عراقية تفسر هذا التطور في العراق، فتقول بلهجتها المحلية »ان العراقي بطبعه خير وبحبوح، يحب التخزين والشراء بالجملة. العراقي يتونس في الشراء، من الاطعمة الجافة الى الاثاث والادوات الكهربائية والسيارات والثياب والذهب... في البداية لم يؤثر الحصار على الناس، لأن الجميع عنده خزين اضافي مالي وغير مالي. مع طول المدة وقلة الاشغال استنفد العراقي المخزون الاضافي وبدأ يبيع اغراضه ليتدبر امره. والاجنبي يتعجب كيف يبيع العراقي من اثاث البيت. الواقع انه يستطيع الاستغناء عن بعض هذه الاشياء اذا كان محشورا وما في سيولة بين يديه. فعنده مخزون اضافي وزائد ويستطيع ان يكتفي بقطعة واحدة من كل نوع مثل اي انسان آخر في العالم. لا غرابة في ان بعض البيوت العراقية تحتوي على 5 تلفزيونات و3 برادات وشقعة من السجاد، فإذا باع غرضا او اكثر، فهي ليست آخر الدنيا، تستطيع مستقبلا شراء غيره واحسن منه«. وحش الغلاء وحش الغلاء واستمرار الحصار حوّل الوضع المعيشي الى جحيم فعلي لا تستطيع العائلات من ذوي المداخيل المحدودة او المتوسطة تحملها. ولولا الحصة التموينية التي توفرها الدولة لكل مواطن وبأسعار رمزية، بما فيها مناطق الاكراد في الشمال والمناطق المعارضة الشيعية في الجنوب، لحصلت مجاعة في العراق شبيهة بالتي حدثت في الصومال. الا انه مع ذلك تبدو السكين وقد وصلت الى العظم وتجاوز الفرد العراقي حدود الصبر. واذا استطاع العراقي ان يؤمن الغذاء، فالمشكلة الكبرى هي تأمين الدواء وصعوبة الحصول عليه بعد الانتشار المروع لامراض فقدان المناعة بسبب قلة التغذية. الحصة التموينية نظرا لقلة توفر العملة الصعبة في الصيف الماضي، قررت وزارة التجارة تخفيض الحصة التموينية الى النصف بالنسبة لمواد اساسية مثل السكر والارز والطحين. كما خفضت مواد اخرى مثل امواس الحلاقة، ومعجون الاسنان، وكبريت السجائر والزيوت، وباتت الحصة التي يتسلمها الفرد العراقي شهريا تتألف من 4/1 1 كيلو ارز، 400 غرام سكر، 4 كيلو طحين، 100 غرام شاي، 250 غرام مسحوق غسيل، 600 غرام زيت، لوح صابون، و4 علب حليب بودرة للاطفال. وبين المواطنين شبه اجماع على ان الحصة التموينية ساعدت الناس كثيرا على الصمود والتكيف مع الغلاء رغم ان الجميع يعترف بأنها لا تكفي لسد الحاجة لاكثر من اسبوعين، وتباع الحصة التموينية باسعار زهيدة في جميع التعاونيات 4 حصص تباع ب15 دينارا و7 حصص تباع ب45 دينارا. اضافة الى ذلك قامت الدولة بدفع تعويض للموظفين والمتقاعدين والارامل وقوى الجيش قدره 2000 دينار شهريا زيادة على المعاش بعد خفض الحصة التموينية. تقلب الأسعار الحياة اليومية غالية جدا بالنسبة لاصحاب المعاشات الشهرية وذوي المداخيل المتوسطة والمتدنية نظرا لتقلب الاسعار وارتفاعها المفاجئ بين ليلة وضحاها، والشاطر هو الذي يخزن ومن لا سيولة لديه لا يستطيع ان يشتري، اذا كانت كرتونة البيض تباع ب200 دينار وكيلو اللحم او الدجاج ب900 دينار، علبة بودرة حليب الاطفال ب900 دينار، سمكة متوسطة الحجم بين 2000 و3000 دينار وسمك صغير ب800 دينار، كيلو تفاح ب700 دينار، ورمان ب500، كيلو السكر ب400 دينار، برتقال ب150 دينارا، كيلو طحين ب170 دينارا، البندورة ب150 دينارا، الخسة ب50 دينارا، زوج اطارات سيارات من صنع اجنبي بين 60 و80 الفا، ومحلي بين 30 و40 الفا، لمبة فلوريسان ب900 دينار، قلم رصاص ب50 دينارا، ممحاة ب40 دينارا، رغيفان ب25 دينارا، تاكسي على الطريق ب200 دينار ومكتب خاص 600 دينار. قصة الشعر النسائية ب600 دينار وميش ب10 آلاف دينار، خياطة بدلة ب15 ألف دينار، وجبة في مطعم لشخصين 3500 4000 دينار. من عنده مصلحة! كيف يمكن لعائلة موظف يتقاضى معاشا شهريا قدره 3000 دينار ان يعيش؟! المرتاح هو الذي لديه حرفة او تجارة تدر عليه ايرادا شهريا او يوميا، لهذا السبب تتحول انظار الناس من الوظيفة الى التجارة خاصة بالمواد الاستهلاكية من مواد غذائية، او كهربائية، او قطع غيار او حرفة في تصليح السيارات او الاطارات او الادوات المنزلية. ويتحدثون هنا عن مقدم في الجيش، معاشه الشهري 3600 دينار وزوجته المعيدة في كلية الهندسة معاشها الشهري 3000 دينار، حيث قررا السنة الماضية تأمين مستقبل اولادهما الخمسة فوضعا مدخراتهما في محل لبيع اطارات السيارات، الامر الذي مكن العائلة المستورة من تدابير امرها. ولان التجارة هي السبيل الوحيد للكسب المادي وتأمين العيش اللائق، يقبل الموظفون في ادارة الدولة على اخذ اجازات من دون راتب لمدة سنتين يعملون فيها في القطاع الخاص، ولدى سؤالي عن عدد من موظفي وزارة الاعلام الذين سبق وتعرفت عليهم، فوجئت ان عددا كبيرا منهم ترك الوظيفة او اخذ اجازة لتحسين وضعه المادي. والهروب من الوظائف الحكومية اصبح موضة في كل الوزارات باستثناء الجيش وقوى الأمن، ووصل الامر الى المستشفيات والعيادات والمختبرات لدرجة انه يمكن لمس اجواء الانهيار التي تعيشها بغداد. في المقابل يشهد القطاع الخاص انتعاشا واقبالا علما ان الحركة خفيفة والاعمال غير متوفرة. اصحاب المهن الحرة مثل الاطباء والمهندسين والمحامين واساتذة الجامعات والادباء والفنانين والنحاتين والرسامين والشعراء والمثقفين عامة، يشكون الوضع المعيشي الصعب الذي حرمهم من تأمين حياة لائقة لعائلاتهم اذ يواجهون صعوبة فائقة في المحافظة على المستوى الاجتماعي المألوف قبل الحصار. وتراجع احوال الطبقة المتعلمة والمثقفة ماديا قابله صعود للطبقة العاملة والماهرة واليدوية مثل السباكين والعاملين في اصلاح التلفزيونات والحنفيات واطارات السيارات الذين يتقاضون اضعاف اضعاف ما يتقاضاه طبيب متخصص (100 دينار على الزيارة) او استاذ جامعي في جامعة بغداد لا يتجاوز معاشه الشهري 5000 دينار. هذا الوضع المأساوي يؤدي الى تفاوت طبقي ومهني بين الناس ويدفع الكثيرين الى الهجرة اذا كان ذلك ممكنا. قرف من الحالة الامور بدت لي مختلفة تمامù هذه المرة، حيث يسود شعور بالاحباط والضياع والقلق والانكسار، ومظاهر التعب والقرف من الحالة الراهنة واضحة، الناس منطوية على نفسها تتحاشى الاختلاق، العلاقات الانسانية باردة، والناس مهمومة تعيش مآسيها بانفراد، وبسبب الضيق المادي والنفسي، لا تريد الخروج كالسابق وتشعر بحرج لتلبية دعوة او القيام بالواجب كما تقتضي العادات العراقية الكريمة، والحرج كبير في ان تدعو عراقيا او عراقية الى مطعم وتدفع عنه. فالامر يبدو كاحد المستحيلات المرفوضة. تخلى العراقيون عن اشياء كثيرة كانت متوفرة حتى 1992 لاحظت شبه انصراف عن التدخين واختفاء لعلبة »المارلبورو« الشهيرة هنا، كما منع تقديم المشروبات الروحية في الفنادق والمطاعم، ويسمح ببيعها فقط في محلات مرخص لها، لا مشروبات غازية في الاسواق مثل البيبسي والكولا... المطاعم خالية، كل يوم كنت اقصد مطعم المضيف الذي يديره اللبناني امين خوري من دير القمر وبالكاد كان هناك زبائن لطاولة او اثنتين.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة