الكتاب: »القمر المربع«، قصص غرائبية. الكاتبة: غادة السمان. الناشر: منشورات غادة السمان. بيروت، كانون الاول 1994. »القمر المربع« سادس مجموعة قصصية للاديبة غادة السمان بعد »عيناك قدري«، »لا بحر في بيروت«، »ليل الغرباء« »رحيل المرافئ القديمة« و»زمن الحب الآخر«. كتبتها خلال العام المنصرم. وان كانت بدأت كتابتها داخل رأسها كما تقول منذ العام 1988. اما المكان، او مسرح احداث القصص، فكان باريس بشكل اساسي، ومنه تتفتح الذاكرة على مكان آخر هو بيروت، الا قصة واحدة »بيضة مكيفة الهواء«، تأخذنا الى مسرح آخر هو الولايات المتحدة وناطحات سحابها وترتد بالذاكرة الى دمشق وقاسيون. تكثيف غرائبي وبدءا بعنوان المجموعة وعناوين القصص، فإن الغرابة والاسطورة والاحلام الهاربة من الواقع الى عالم الاشباح، هي علامات هذه المجموعة القصصية التي تشبه مملكة من الاشباح، شادتها الكاتبة بكل مستلزماتها وشخصياتها بمن فيها من احياء واموات، وبما فيها من ابهة وجلال وتسكع وخيانات وعشق وحب وحقد وتمرد. تصنف الكاتبة مملكة الاشباح الى امزجة مختلفة »بعض الاشباح تحب الموسيقى (...) ازعم ايضا ان الاشباح تحب الاطفال ولكننا نخوفهم منها. اظن ان للاشباح امزجة كالبشر ولكل شبح ما يحبه ويجذبه« (ص 73). وبينما نتنقل بين شبح وآخر من اشباح المجموعة، التي تتوالد ولا تخلو منها قصة، يحضرنا سؤال بديهي عن السبب او الحكمة من هذا التكثيف الغرائبي في الكتاب ولماذا اختارت الكاتبة هذا النوع الغرائبي من القصص؟ بل لماذا اهدت كتابها »الى حبيب لم يغادرني يوما اسمه الدهشة« (ص 5)؟ لماذا الدهشة والادهاش؟ كوابيس بيروت يظهر ان الدهشة تلك تسللت الى شخصيات القصص ايضا، فهذا احدهم »كان يمتطي عشيقته قاربا الى جزر الدهشة واللذة والنسيان« (ص 200)، وذاك شبح »بوبوص« الذي مات صباحا يدهش الاطفال مساء. تحملنا الكاتبة الى الدهشة، على ظهر شبح مهرج في قصة واشباح نساء تحاسب خائنهن، واشباح مجرمين وسفلة وخيرين وأحبة، كأن مملكة الاشباح ظل للواقع، مضاف اليه الدهشة تلك. هل يكون هذا جوابا عن سؤالنا عن سبب الحضور الشبحي مثلا؟ ام ان الاشباح في الاساس تفرض نفسها وحضورها على الكاتبة في الحالات الكابوسية، وتنقل خيالها وخيالنا؟ هل هي امتداد لكوابيس بيروت التي كانت كتابات السمان شاهدا عليها؟ فالحرب وبيروت ما زالتا في ذاكرة القصص، اذ نقرأ مشاهد من نتائج الحرب، تصف لنا اثرياء تهريب الاسلحة، باريس المنفى، بيروت الملاجئ، شاكر المعاق بشظية، ثم ما يحتاج اليه ذلك من مصحات نفسية، وحضور مكثف لاقوال لحكماء العقلاء، وذكر علماء النفس والامراض النفسية خصوصا الشيزوفرينيا التي وسمت ايضا اسلوب الكتابة المتنقلة بين واقع وخيال بين شخصيات حقيقيين واشباح، بين الشخص نفسه، الميت والحي في آن، التمثال النابض بالحياة، والشخص المفتوح على حضوره وغيابه، او تحوله من حالة الى اخرى: فالمعابر بين الحياة من لحم ودم وبين الشبحية الخيالية مفتوحة على مصراعيها. الكتابة الغرائبية ونتساءل: ايضا: هل الكاتبة تنطلق من العودة الى تراث كتابي قديم مليء بالاسطورة والغرائبية، ام ان الغرائبية جنوح الى عالم اكثر اشباعا وتحريضا واثارة، وتحريكا لدينامية الكتابة القصصية وبالتالي واحدة من مستلزمات زمن القص واسلوبه واحداثه في آن؟ وهل نستطيع ان نختصر كل ذلك بالقول: ان تلك الغرائبية هي ما تنضح به شخصية الكاتبة، وتعبير عن ميل ورغبة لديها في البحث عن اسرار العالم الذي تحاول الاحاطة به في كتابتها؟ ثمة ما يأخذنا الى هذا الاعتقاد، في غلاف الكتاب، اذ اختارت له الكاتبة نفسها من دون شك مقطعا من لوحة الفنان السوريالي رينيه ماغريت بعنوان »رفاق الخوف«، وهو عبارة عن مجموعة بومات هي رمز الخوف، وجالبة السوء، او المنذرة به، وليس صدفة ان يتوازى ذلك ومجموعة بومات بادية في مساحة الصورة الفوتوغرافية التي تمثل شخص الكاتبة، كجزء من مقتضيات منزلها. توليد الكتابة لا شك في ان الاسئلة التي طرحناها هنا هي صيغ للاجابات، فالكاتبة تبحث عما يفسر الواقع، عن طريق الخيال ونبش اللاوعي، والغوص كطبيبة نفسانية في زوايا عقول شخصياتها، وهي في الوقت ذاته تقدم، عن طريق ذلك الاسلوب »الشبحي«، مادة لتوليد الكتابة وإشعالها، بل اشعال اللغة وعجنها بالغرابة ايضا: »ها هو ألم ضرسي يستيقظ من جديد تحت مطارق البرد القارس« (ص 26)، و»اشعر ان جسدي جزء من الصخرة تحته (رأس بيروت) ومستقر فوقها، و»الحجر في مكانه قنطار كما كان يردد ابي« »تركض حكاياها داخل رأسي.. اتعب.. انزلق تدريجا الى بئر ما« (ص 76). فالغرابة تصيب نسيج اللغة اصابتها الاحداث والوقائع ايضا، وهي تتنقل ما بين الاحلام البريئة المبسطة وما بين تلك الكابوسية الهستيرية: »تدخل سيدة مهترئة الجسد والثياب وتصمت الجالسات كلهن لحضورها (...) عيناها محمرتان بجفون متآكلة من بكاء مزمن كجدران مغارة احرقها الملح على مر العصور« (ص 101). لا بد من ان نذكر ان علاقة الامكنة (باريس بيروت) (الولايات المتحدة دمشق) هي علاقة بانورامية حضارية في نصوص غادة السمان التي تعلق اهمية على الكشف الجريء للفوارق الحضارية بين مجتمعاتنا وتلك الموجودة في بلاد الغرب، وهي تناقش هنا عقلية الانسان العربي بكل ما فيها من عوالق وشوائب، خصوصا ما يتعلق به من مفهوم المرأة، فتقول على لسان احدى شخصياتها: »لم اعد امرأة عربية ولست امرأة غربية بعد. فمن انا« (ص 128)، واذا كانت هذه هي حال المرأة العربية التي تعيش في باريس، فإن حال التمرد الذي تشجعها عليه حياتها في الغرب، تبرزها ايضا الكاتبة على لسان ناهد: »لماذا حضرتك مسموح وأنا ممنوع؟ ولماذا قتلته وأنت تفعل مع زوجته ما يفعله هو معي؟ ينفخ صدره مثل ديك ويصرخ بها: اخسي. انا رجل وانت امرأة. تقول: انتهى الزمان الذي كان فيه جوابك هذا هو القول الفصل!« (ص 206). المرأة هذا مستوى من مستويات الحوار الذي لا بد من ان يعلق بمسألة الرجل والمرأة، لكون غادة السمان لا تبتعد في كثير من كتاباتها عن مثل هذه الاشارات، فأناها الانثوية حاضرة خلف نصوصها. واذا كان هذا الحوار متبدلا في شخصياته، مع وجود راو متخف، فإن الراوي نفسه هو الشخصية المحورية، حوله تتمحور احداث النص، وهو اقدر على نقل الاحاسيس والدواخل وبواطن الامور، من ذلك الراوي الذي يقف خلف ضمير الغائب القليل الاستخدام في قصص المجموعة، والذي يتحول الراوي من خلاله الى مراقب لا مشارك، فتضعف قدرته على اقناع القارئ بالتالي. المجموعة اذاً جزء من حضور غادة السمان المتجدد في ادبنا العربي، تحافظ على ذلك الخيط الحار في الكتابة وعلى ذلك الاسلوب الكتابي النقدي الحي والنابض بالجرأة. أحمد بزون