As Safir Logo
المصدر:

أزمة الفرات تحت رماد العلاقات السورية-التركية دمشق لن تتخلى عن علاقات حسن الجوار

المؤلف: جمالو علي التاريخ: 1995-01-18 رقم العدد:6987

دمشق علي جمالو: كشفت المقابلة التلفزيونية التي بثتها ليلة امس الاول محطة »شي.تي.في« التركية مع وزير الخارجية السورية فاروق الشرع النقاب عن وجود ازمة ثقة سورية تركية بشأن مياه نهر الفرات. وسلّط الشرع الضوء مجددا على طبيعة هذه المشكلة ووجهة نظر سوريا منها. وهذا الامر كان في صلب الورقة السورية التي قدمت الى ندوة مركز البحوث والدراسات التابع لجامعة الدول العربية، وقد اكدت هذه الورقة التي اعدتها لجان مختصة في وزارات الخارجية والري والاقتصاد ورئاسة مجلس الوزراء، ضرورة توزيع مياه الفرات على سوريا والعراق وتركيا وفق جدول بحاجات كل منها تضعه لجان فنية مشتركة. وبقراءة متأنية للورقة السورية، فإن ثمة حقيقة مبدئية تؤكد ان سوريا بحاجة ماسة الى المياه. فبرامج التنمية الخمسية التي تتبناها ليست بمثابة التجميل او الزخرف بل هي ضرورية ضرورة الغذاء والامن وضرورة البقاء بمعناه الاشمل. ومعروف لدى الباحثين والدارسين وحتى العامة ما تستهلكه برامج التنمية الزراعية والصناعية من مياه اضافة لما يستهلك من مياه للشرب. ان السمة المرافقة للتنمية في تطور المجتمع السوري هي زيادة السكان بمعدلات مرتفعة حيث وصلت الزيادة السنوية لأكثر من 6،3 في المئة، وعدد سكان سوريا اليوم يناهز خمسة عشر مليون نسمة. ومع مطلع القرن الحادي والعشرين سيصل العدد الى نحو عشرين مليونا، وما من حاجة للتدليل على ما في تناقص المياه وتزايد السكان من كوارث محتملة ولا سيما ان سوريا تقع في هذا الاطار شبه الصحراوي، كما انها تعاني من زحف التصحر بسبب الجفاف المتواتر وارتفاع نسبة التبخر وزيادة ملوحة المياه المستقرة بسبب تراجع »الصبيب« وتعرض البيئة للفساد من جراء تراكم النفايات الصناعية وتزايد كميات الطمي. وتتألف الموارد المائية في سوريا من: 1 المياه الجوفية الصالحة للاستثمار. 2 المياه السطحية من الانهار والسيول والينابيع الداخلية. ومجموع هذين الموردين يقدر بعشرة مليارات متر مكعب سنويا، اما المتحصل من هطول الامطار فبلغ 45 مليار متر مكعب، لكن ثلثي هذه الكمية يضيع بالتبخر او في الانهار الدولية المشتركة، دجلة الفرات العاصي جفجغ قويق عفرين الكبير الجنوبي واليرموك الذي تخضع منابعه الآن لسيطرة الاحتلال الصهيوني. لكن يبقى صبيب الفرات هو الذي يؤلف اكثر من ثمانية في المئة من موارد سوريا المائية، ونهر الفرات واحد من انهار الشرق الاوسط وهو حيوي بالنسبة لكل من سوريا، تركيا، والعراق، ليس بالنسبة للري فقط بل من اجل الانتاج الغذائي، ومن حيث الطاقة ايضا في انتاج الكهرباء. ويبلغ طول نهر الفرات 2726 كيلومترا يجري منها 900 كيلومتر داخل الاراضي التركية وألف كيلومتر ويزيد داخل الاراضي السورية و800 كيلومتر في الاراضي العراقية. أما مساحة حوضه فتزيد على 64000 كيلومتر مربع، وتصريفه يقارب 32 مليار متر مكعب. لكن السدود التي اقامتها تركيا على مجرى النهر قلصت التصريف الى 23 مليار متر مكعب. ولا تزال تركيا ماضية في اقامة مشاريع جديدة تستنفد الياه وكذلك تقوم بتحويل المياه من روافد الفرات. اما مساحة حوض التغذية لنهر الفرات فتبلغ 444 الف كيلومتر مربع، منها 28 في المئة في تركيا و17 في المئة في سوريا و40 في المئة في العراق. 3 أمال امورد الثالث للمياه في سوريا، او يكاد يحسب من الموارد، فهو نهر دجلة الذي ينبع من منطقة (ضو) في تركيا، وتغذيه الثلوج والامطار الساقطة على السفوح الجنوبية لسلسلة جبال طوروس الشرقية، وطوله من منبعه في تركيا حتى مصبه في شط العرب 1900 كيلومتر منها 485 كيلومترا في الاراضي التركية و1400 كيلومتر تقريبا في العراق، وترفده انهار الخابور والزاب الكبير والزاب الصغير. وحجم مياهه السنوي يقدر ب42 مليار متر مكعب. ويشكل دجلة حدودا طبيعية بين سوريا وتركيا بطول 37 كيلومترا، وبين سوريا والعراق بطول 7 كيلومترات. ومن هنا نجد ان مياه الفرات ذات اهمية قصوى بالنسبة لسوريا تفوق اهميتها في كل من تركيا والعراق الآن. مما تقدم يتضح ان الموارد السطحية والجوفية في سوريا شحيحة، فهي لا تتعدى عشرة مليارات متر مكعب، فيما تبلغ هذه المياه في تركيا سنويا عدا مياه دجلة والفرات حوالى 214 مليار متر مكعب. ان الاستراتيجية المائية التي تتبعها تركيا والتي تقوم على مشروع الاناضول وتضم عددا كبيرا من محطات التوليد للطاقة، او اقامة شبكات الري الضخمة؛ من شأنها تخفيض منسوب الفرات الى حد كبير فيصبح صبيب النهر في سوريا 13 مليار متر مكعب عوضا عن 28 مليارا في الاحوال الطبيعية، ومشروع الغاب التركي يترتب عليه 21 سدا منها 17 على الفرات وأربعة على دجلة بالاضافة الى 19 محطة كهرمائية، كما يروي مساحة زراعية مقدارها مليار وستمئة مليون هكتار تنتج كل صنوف الزراعة من قمح وأرز وآلاف الاطنان من الخضروات والفاكهة فضلاً عن انتاج كهربائي يقدر بأكثر من 27 مليار كيلوواط/ساعة. هذه المقارنة بين ما تستنزفه تركيا من الموارد المائية تساق ليس للاعتراض على التنمية التركية بحد ذاتها، بل للفت النظر الى ما ينتج عنها من ضرر بالغ لسوريا والعراق. فبقدر ما تعلق تركيا من اهتمام على انجاز مشروعاتها الضخمة؛ يزداد قلق سوريا والعراق حيث سيؤدي ذلك الى انخفاض في مستوى المياه في البلدين ويعطل كل مشاريع الري والطاقة فيهما، كذلك سيؤدي بالضرورة للتدني المطّرد في عدد العمال الزراعيين وانخفاض انتاج القطن. أما على الجانب الآخر، اي تركيا، فإنها تشهد زيادة في عدد العمال الزراعيين ونموا في انتاج القطن حتى اصبح يؤلف خُمس صادرات تركيا الزراعية. ان سوريا، اعتمادا على العرف الدولي الثابت القائم على التوزيع العادل لمياه الأنهار الدولية ما بين الدول المتشاطئة، تطالب بأن تعين الحصص بميزان من حاجات كل بلد للماء تقدر على يد لجان فنية مشتركة تضع جدولا لحاجات كل من الدول المتشاطئة الثلاث. وان كان صبيب الفرات البالغ 32 مليار متر مكعب لن يكفي لسد كل هذه الحاجات، فإن على كل بلد ان يضحي بقسم من حصته المثلى من اجل الوصول الى معادلة تنصف الجميع تقوم على التعاون وحسن الجوار ومبدأ التعاقد المشترك. لقد اعترفت تركيا سابقا بحقوق البلدين المتشاطئين، وعقدت بروتوكولا مع سوريا يسمح بتصريف 500 متر مكعب في الثانية عند الاراضي السورية، الا ان هذا الموقف تغير في ما بعد، واصبح الفرات يوصف لدى القادة الاتراك بالنهر »العابر للحدود« لا بالنهر »الدولي«، وهذا يعني ان مياه الفرات تقع حصرا ضمن السيادة التركية الى ان تصل الى حدود سوريا، وبموجب هذا الرأي تعتبر تركيا ان النهر الدولي هو النهر الذي يرسم حدودا بين دولتين متشاطئتين. بموجب هذا الاعتبار فإن الفرات يعتبر نهرا دوليا فقط عندما ينضم الى دجلة في الاراضي العراقية ليشكل شط العرب الذي يحدد الحدود العراقية الايرانية، وبهذا تنقل النظرية التركية قضية اقتسام المياه من حقوق الدول المتشاطئة الى امكانية نظر دول المنبع بمنح حصة من المياه يعود تقديرها اليها هي، في ضوء ما ترى هي من مصلحة لها دون اعتبار لمصالح الدول المتشاطئة الاخرى. وفي هذا الصدد ونتيجة للتفسير التركي فإننا نعرض النتيجة التي اقرتها لجنة القانون الدولي التابعة للامم المتحدة بعد دراسة عدة سنوات. فقد تبنت هذه اللجنة في ايلول العام 1991 مشاريع عدد من المواد في قانون المسارات المائية الدولية واستعمالاتها غير الملاحية فعرفت المسار المائي الدولي بأنه مسار الماء الذي تقع اجزاء منه في دول مختلفة، ولا ترى اللجنة فارقا بين وصف المسار بالمسار الدولي او العابر للحدود. وينطبق تعريفها هذا على الفرات ودجلة، وكان توقيع البروتوكول سنة 1987 بمثابة اقرار بدولية الفرات وبوجود نوع من السيادة المشتركة على مياهه، لكن تركيا عادت لتصف هذا الاتفاق بأنه اتفاق مؤقت وليس اتفاقا ملزما. ان مؤسسة القانون الدولي في دورتها المنعقدة في سالزبورغ العام 1991 قد قننت القواعد الدولية التي تحكم التصرف بالانهار الدولية، وذلك على شكل توصيات، فأقرت ان لكل دولة الحق باستخدام مياه الانهار الدولية التي تجري في اراضيها ضمن القيود التي يفرضها القانون الدولي، فلا يحق لأي دولة ان تقيم منشآت هندسية او تستثمر مياه المجرى المائي والحوض المائي حيث تحدث تأثيرا ضارا على استعمال المياه نفسها في دول الحوض، الا بناءً على اتفاق سابق، او تعويض عادل. كذلك لا يحق لأي دولة اقامة منشآت على النهر او استخدام مياهه دون ابلاغ مسبق لدول الحوض. هكذا قننت مؤسسة القانون الدولي القواعد التي تحكم التصرف بالانهار الدولية. اما الاكثر تفصيلا فهو ما كان قد وصفه مؤتمر هلسنكي المنبثق عن مؤتمر جمعية القانون الدولي وكان ذلك العام 1966 عندما وضع القواعد التالية: 1 لكل دولة تشترك في حوض مائي دولي الحق في الحصول على حصة عادلة ومعقولة من المياه. 2 يتم تحديد الحصة المائية وفق ضوابط معينة هي: أ جغرافية الحوض ومساحته. ب الاستخدام السابق للمياه في الحوض. ج الحاجات الاقتصادية لكل دولة. د عدد السكان الذين يعتمدون مياه الحوض. ه وجود موارد مائية بديلة. و الهدر الذي ليس له مبرر. ز امكانيات التعويض. ح تأمين حاجات دول الحوض دون المساس بحقوق الدول الاخرى. ط مقارنة تكاليف المشاريع البديلة التي تعنى بالحاجات الاقتصادية لكل دولة. كذلك حددت الأمم المتحدة الشروط العامة لتقسيم مياه النهر الدولي في مؤتمر للمياه عقد العام 1977 وهي: 1 مساحة الحوض المغذي للنهر في كل دولة. 2 مساحة الحوض المائي على مدى النهر. 3 نوعية استخدامات المياه وحاجة كل دولة للمياه. 4 عدد سكان الحوض المائي للنهر الدولي. 5 التعويض المادي للأطراف المتضررة. وإذا عدنا الى معاهدة لوزان التي عقدت العام 1923 نجد نصا يعتبر مرجعا هاما يؤكد ضرورة تشكيل لجنة مشتركة من تركيا وسوريا والعراق مهمتها معالجة المشاكل الخاصة بمياه نهري دجلة والفرات، ولا سيما اذا اريد بناء منشآ هندسية في اعالي هذين النهرين تؤثر تأثيرا كبيرا على كمية وتوزيع تصريف هذين النهرين في منطقة ما بين النهرين. لقد اكدت سوريا ضرورة اقتسام المياه الدولية اقتساما عادلا التي ستبعد العقبات التي تعترض حسن الجوار المنشود بين تركيا وسوريا، فسوريا عضو في اللجنة التركية الايرانية المشتركة التي تعارض تجزئة الوحدة الاقليمية للعراق، وهي اعلنت بالقول والفعل حرصها على ألا ينطلق من اراضيها اي عمل مخل بأمن تركيا، كذلك هناك آلية مشتركة للإشراف على طول الحدود للمعالجة الفورية لما قد يقع من حوادث متفرقة عبر جبهتي الحدود، كل هذا يعد تعبيرا عن العلاقات الطبيعية القائمة على الاحترام المتبادل وحسن الجوار. ولذلك لا علاقة للعوامل السياسية في القانون او في الواقع بقضية المياه، ولعله في معرض الحجج التركية في بعض الاحيان يراد ان التقاسم يقتضي ألا يكون هناك تفريط او اهدار في المياه من أي جانب، وان الاهدار يأتي من انخفاض المستوى التكنولوجي للاستغلال، والواقع ان سوريا قطعت شوطا كبيرا في تحسين تكنولوجيا الاستغلال، وإذا سجلت التكنولوجيا التركية بعض التقدم فإن من المفروض في علاقات تحكمها الصداقة بعض التقدم فإن من المفروض في علاقات تحكمها الصداقة وحسن الجوار ان يتم التعاون في سبيل المصلحة المشتركة برفع المستوى التكنولوجي في البلد الآخر، لا ان يتخذ التفاوت النسبي ذريعة لقطع المياه. فعندما قررت تركيا ايقاف تدفق مياه الفرات بين 13/1/1990 و12/2/1992 وذلك لملء الخزانات التي بنتها خلف سد أتاتورك في مرحلته الاولى، فقد كانت آثار الضرر البالغ الذي لحق بسوريا والعراق اكبر من ان توصف في المجالات الزراعية، والبشرية، وتربية الحيوان، وعلى مستوى الطاقة. فقد تعطلت سبع توربينات من اصل ثمانية عن العمل في السد لدى الجانب السوري، وانخفض منسوب المياه من الف متر مكعب في الثانية على الحدود السورية التركية الى 200 متر مكعب في الثانية فقط، وعليه عجز المزارعون عن توفير الكميات الدنيا من الاعلاف لمواشيهم، وماتت الاشجار وذبلت الثروة السمكية وانقطعت المياه عن التجمعات السكنية. امام هذه الحاجة الماسة للماء لا يمكن التذرع بعدم استخدام احدث الطرق التكنولوجية في استعمال المياه وذك للاقدام على قطع الماء او خفض منسوبه دون رعاية لمصالح الدول الاخرى الحيوية. لكن المعقول في هذا الاتجاه ان تتعاون الدول المتشاطئة لرفع المستوى التكنولوجي. كل هذه الاوضاع مضافة الى الاحتلال الاسرائيلي لمنابع اليرموك ومنع العرب بالقوة من استثمار مياهه وسحب المياه وضمها الى بحيرة طبريا، كذلك الاستيلاء على بعض مياه الجولان (200 مليون متر مكعب)، وعلى جزء من مياه الليطاني، اضافة لإغلاق القسم الاكبر من الآبار في الاراضي المحتلة في الضفة والقطاع. كل ذلك اضافة الى المطامع الظاهرة او المقنّعة في مياه النيل، يشكل خطرا جاثما على صدر الامة العربية لا ينجو منه قطر عربي قريب او بعيد، وهو خطر محدق، ولذلك يجب استنهاض همم الطليعة العربية من هذه الامة لتحزم امرها وتعمل على تحقيق تضامن عربي فعال يصون حقوق هذه الامة ومصالحها، ويحول دون الافتئات عليها، لا سيما ان المياه هي شريان الحياة في حياتنا المعاصرة ودونها ستندثر الحضارة. ولا نبالغ في القول إذا اكدنا ان توفر المياه في بلد ما يعد من عوامل الاستقرار والامن والسلام، اضافة لكونه من مقوّمات التطور والتقدم لرفع مستوى حياة الشعوب وتأمين الحياة الرغيدة لها.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة