بات النموذج الغربي الحديث عاجزا عن تفسير العالم. من هنا السعي الدائب لدى العقول الغربية المعاصرة، المنفتحة، الى اعادة الخلق والابتكار، بصوغ اشكال جديدة من المعقولية تتيح فهم اللامفهوم، او بابتداع صيغ للفعل والممارسة تضاعف امكانيات التبادل والتواصل. كل ذلك يتم بنقد الحداثة العقلية، بأبنيتها وتشكلاتها، بمقولاتها وخطاباتها، بقواها ومؤسساتها. ان العقلانية الحديثة قد بلغت منتهاها، سواء على صعيد العلوم حيث العقلانيات السببية والاحتمالية او النسبوية تفقد امنها المعرفي لصالح مفاهيم كالفوضى والكارثة ومفعول الفراشة، او على الصعيد الفلسفي، حيث العقلانية الفكرانية ذات الجذر الافلاطوني والاساس الديكارتي، اي عقلانية الكوجيتو، تظهر، عبر النقد، انها تقمع اسئلة الحقيقة بدلا من ان تطرحها، وتحجب الموجود الذي تدعي الكشف عنه، انها تكاد تحول العالم الى شعارات، بل هي لم تعد تصلح للتفسير والقراءة الا بنفي الوقائع. اما على صعيد العمل والممارسة، فالملاحظ ان الانسان المعاصر يفاجأ، دوما، بالمآزق التي تتولد عن الحلول العقلانية والمعالجات العلمية للمشكلات التي يواجهه بها الواقع. وهكذا فالعقلانيات الحديثة تظهر قصورها وتكشف عن عوراتها. ووضع العقلانية موضع النقد، يفسح المجال لتعديل جديد مع العقل، بل هو يعني ان المجال مفتوح امام كل هوية ثفافية او مجموعة حضارية، لكي تبتكر عقلانيتها التي تصنع من خلالها حقيقتها، مغيرة بينها وبين الغير علاقات القوة والمعرفة والثروة. لا يعني ذلك ان علينا او ان بإمكاننا ان ننفي الحداثة او القدامة. فما ينفى يعود على نحو اسوأ، اي يجتاحنا من حيث لا ندري، لكي يرهبنا او ينتقم منا، ذلك ان ما يحدث ويمسي تاريخا، يصبح جزءا من بنية الحاضر، اي طبقة من طبقات الوعي، او ثنية من ثنيات الفكر، او طية من طيات الخطاب. فهذا شأن التراثات اكانت قديمة ام حديثة، تتعلق بالشافعي او بديكارت، بابن خلدون او بماركس. ولهذا لا سبيل الى استبعادها. وانما علينا التعامل معها عقلانيا، اي بوصفها معطيات ينبغي الاشتغال عليها لصرفها وتحويلها، بغية تحديث اللغة واساليب التعبير، او تجديد الفكر وادوات المعرفة، او تغيير صيغ العمل ومعاييره. وهذا مثال على كيفية ممارستي لعقلانيتي من خلال علاقتي بمسألة التراث التي ما زالت تشغل الباحثين والمفكرين العرب منذ احتكاكهم بالغرب. فأنا لا انفي التراث ولا مجال لنفيه اصلا، ولكنني لا اتعامل كسلطة مقدسة او مرجعية معرفية نهائية او كنموذج كامل للفكر والعمل، وانما اعمل على تحويله وتغييره، بهدف انتاج مزيد من المفهومية والفاعلية في قراءة العالم والتعاطي معه، او في تشخيص الواقع ومواجهة تحدياته. هكذا لا مفر من ابتكار لغة جديدة، او انشاء عالم مفهومي جديد من اجل قراءة العالم ومخاطبة الامم. { طي المراحل: اعرف ان هناك من يحتج على مقالتي او مقولتي بالقول: اذا كان لنقد الحداثة مردود ايجابي بالنسبة الى المجتمعات الغربية، فقد يكون ذا مردود سلبي او تدميري بالنسبة الى المجتمعات العربية، حيث لم تترسخ بعد قيم الحداثة والعقلانية والديموقراطية والعلمانية. بل اخال البعض يقول ان القديم يحاول القضاء على غرس الحداثة قبل ان تعقد وتزهر، فلا يجوز والحالة هذه وضع الحداثة والقدامة او السلفية في جبهة واحدة مقابل جبهة ما بعد الحداثة. غير اني ارى من جهتي، وبعيني المعاصر، خلاف ذلك: اولا، لانه ليس من الضروري، بل من غير الممكن، ان نمر بالاطوار التي مرت بها المجتمعات الغربية، في عصر يوصف بأنه عصر السرعة، او بأنه عصر البقاء فيه للاسراع، فضلا عن اننا منخرطون اصلا، في الحداثة في كثير من مستوياتها ومظاهرها. ثم ان استثمار الادوات المفهومية للفكر المعاصر، خاصة بمنحاه الحفري التفكيكي، يفسر لنا تعثر مشاريع التحديث والعقلنة والتنمية في العالم العربي. فاذا كانت المساعي الحثيثة والمحاولات المتكررة، لم تؤد طيلة عقود الى تحقيق تلك الشعارات على ما أريد لها ان تتحقق، لدى اصحاب المشاريع الثقافية والحضارية، فليس امامنا سوى ان نقوم بتفكيك ابنيتنا العقلية واجهزتنا المفهومية القاصرة او بتغيير طرائقنا العقيمة في التعاطي مع الافكار والاحداث والاشياء، وهذا النقد يطاول مختلف المشاريع اكانت ذات جذر قومي او اشتراكي او اصولي سلفي او ديموقراطي علماني. والاهم، فانه، وبصرف النظر عن الكلام على المشاريع الفكرية الحداثية، لا يمكن للواحد ان يتجاهل ما يحدث على ساحة الفكر في هذا العالم. فالافكار هي كالوقائع تملك حقيقتها وتفرض نفسها. والافكار الهامة الخصبة المنتجة الآن، هي كالافكار المنتجة من قبل. فمن باب اولى ان لا نرفضها نحن المعاصرين. وهكذا ليس بوسع المرء، ان شاء ان لا يختم على عقله بختم القدماء والمحدثين الذين باتوا قدموا، ان لا يقرأ الفكر المعاصر الذي يقدم له ادوات فاعلة لفهم ما لا يفهم من النصوص والاحداث. فمن يحيا عصره ويفكر فيما يحدث، هو الذي يطوي مراحله ويستجمع اطواره او يكثف ازمنته. ومعنى ذلك انه لا مجال للعودة الى عصر الانوار لكي نمر به فكيف بمن تجاوزه او طواه؟ من هنا استغرب ان يقول البعض، خاصة بين المثقفين العرب: نحن نحتاج الى ديكارت وفولتير وكنط وسواهم من مفكري الحداثة والانوار، اكثر مما نحتاج الى نيتشه وفوكو وبودريار ورورتي. طبعا نحن نعود الى عصر الانوار، او الى العصر الكلاسيكي، او الى العصر العباسي، او الى العصر الاغريقي، نعود اليها كعصور طويناها، اي لا نعود اليها لنتماهى معها او لنعمل على تطبيق قيمها ونماذجها، بل لكي نقرأها قراءة جديدة منتجة، تبين ما مارسته العقلانيات من الحجب على الكائن فيما هي تدعي الكشف عنه. فالبربرية الحديثة هي، بمعنى ما، الابنة الشرعية للانوار، اي هي ما خلفته حداثة الانوار التي قامت على حجب اوهامها وأساطيرها وهواماتها واطيافها. وهكذا فأنا لا اقول بانه لو طبقت قيم الانوار، لما آلت الحداثة الى ما آلت اليه، بل اقول بصراحة عكس ذلك، اي ان عقلانية الانوار لم يكن ممكنا الا ان تنتج ما انتجته من النزعات الظلامية والممارسات البربرية والانتهاكات الفاضحة، فيما وراء الكشوفات الرائعة والانجازات العظيمة والثمرات اليافعة. وهذا شأن الحضارات والمدنيات والعقلانيات: انها تحصد ما تنفي وتستبعد، ظلمات وكوارث او تقهقرا وانحطاطا. وبوسعي ان ادخل من المدخل نفسه على المشاريع الايديولوجية التي نشطت او تنشط الآن في العالم العربي، اكانت قومية او اشتراكية او اصولية: لقد فشلت او هي في طريقها الى الفشل، ليس لان القومية او الاشتراكية لم يحسن تطبيقها، وليس لان الاسلام لم يسأ فهمه، بل انها على ما تم التعامل معها، لم تطرح الا لكي تفشل. فليست المشكلة هي في سوء التطبيق او في سوء الفهم، بل المشكلة هي في التعامل مع الفكرة بطريقة ما ورائية جوهرانية احادية تحيل العالم الى مجرد شعارات. بكلام آخر: لا تكمن المشكلة في اننا لا نحسن تطبيق الافكار والعقلانيات، بل تكمن في الاعتقاد بان هناك افكارا يمكن تعميمها او عقلانيات يصح تطبيقها. هذا في حين ان الافكار والعقلانيات هي تجارب وممارسات يعاد ابتكارها وصوغها باستمرار، فيما يعاد تشكيل الواقع وتحويله. وثمة مثال حي على فشل التطبيق، تقدمه الديموقراطية، على ما جرى استخدامها في العالم العربي. ولو عدنا الى المرحلة الليبرالية، وحيث لم يكن قد نشأ خطاب الديموقراطية بعد، نجد ان بعض البلدان العربية، كلبنان ومصر، استطاعت ان تمارس الديموقراطية بشكل من الاشكال، في ضوء انظمتها السياسية ومعطياتها الاجتماعية، اي انها كانت تشتغل على ذاتها وعلى الديموقراطية، بحيث تقولبت بالمقولة بقدر ما عملت على تحويلها واعادة انتاجها، مشكلة بذلك نظاما سياسيا اتاح ممارسة حرية التفكير والتعبير، بما في ذلك حرية انشاء الاحزاب السياسية المعارضة لنظام الحكم والدولة. ولكن الوضع قد تغير بعد سيطرة الايديولوجيات النضالية والتحريرية على اختلاف منوعاتها. فقد تشكلت نخب ثقافية راحت تنتقد الديموقراطيات المحلية الناشئة، باسم الديموقراطية الصحيحة او النموذجية او الاشتراكية. وكانت النتيجة ان المثقفين والمنظرين العقائديين عملوا على تقويض المناخ الديموقراطي الذي كانوا ينعمون به، واسهموا في انشاء انظمة كلانية كان اول ما فعلته هو حل الاحزاب والغاء حرية العمل السياسي باسم القضية المقدسة او التحرير الشامل او الحزب الواحد او الزعيم الاوحد. وهذا شأن كل مقولة تتحول الى دعوة او عقيدة جامدة. انها تنقلب الى ضدها وتمسي مقتلا لاصحابها. وهذا شأن الشعار عندما يراد تطبيقه: لا ينتج سوى انتهاك التعاليم وخرق المبادئ. ايا يكن، ففيما يخصني وبالاستناد الى تجربتي الفكرية، اشعر بانني اطوي مراحلي ولم يعد بوسعي بعدما حدث في فكري ما حدث من المغايرة، بفعل قراءتي للنتاج الفكري المعاصر، ان اقرأ العالم والنصوص بمنطق ابن سينا، او بعقائد الغزالي، او بمنهج ديكارت، او بعين كنط، او بنسق هيغل، او بأدلوجة ماركس، وانما اقرأ ما اقرأه بعين معاصرة هي عيني في النهاية، ايا كانت المعطيات التي افيد منها والعقلانيات التي استثمرها. بكلام آخر: لست لأجمد في عقلانية الانوار ولأقف عند عقلانية بوبر او باشلار، وانما اتعامل مع العقلانية النقدية الحديثة تعاملا نقديا، اي اتخذها منطلقا لتفكيري، فأتشكل بها بقدر ما اعمل على اعادة تشكيلها، واتجاوزها بقدر ما اغير علاقتي بالفكر والحقيقة والمعرفة، مقدما بذلك مثالا على كيفية تعاملي مع عقلي او ممارستي لعقلانيتي. والذين يقولون بانه لم يحن اوان النقد الجديد، اي نقد النقد، بحجة ان قيم العقلانية لم تترسخ بعد في الفكر العربي او لم يتشربها بعد العقل العربي، يضعون انفسهم في موقف قريب من موقف الغزالي الذي كان يطالب بزجر الناشئة عن الخوض في العلوم الرياضية خشية عليهم من فساد عقائدهم، اي انه ليس امام المعترضين على نقد العقلانية الحديثة، سوى المطالبة بسحب الاعمال النقدية المعاصرة من سوق التداول، او منع تدريسها في الجامعات. اخلص من كل ذلك، ولكي انهي مقالتي، الى ايضاح الامور التالية: { العقلانية الجمالية اولا: لقد استبعدت الكلام على عقلانية عربية، من هذه المقالة. لانني اعتبر ان مقولة العقلانية تهم كل انسان، وتشغل كل ذي فكر. واذا كان هذا ينطبق على كل مقولة، فانه من باب اولى ان ينطبق على مقولة »العقلانية« بالذات. لان العقل هو من اكثر الصفحات الجامعة. بل اني اذهب الى القول بأننا نصبح اكثر فأكثر عقلانية بقدر ما نتحرر من الحمولات الايديولوجية التي نحملها على الافكار، اكانت جغرافية ام قومية ام دينية. بكلام آخر، فالمقولة التي نستخدمها او نبتكرها تكون اكثر معقولية، بقدر ما تثير اهتمام الغير، او بقدر ما تتيح لنا مزيدا من امكانيات التبادل مع الآخرين. وهذا شأن الافكار الخلاقة، يأبى على التجنيس وتخترق التصنيفات اللغوية او العرقية او الثقافية. ثانيا: لا يعني ذلك ان العقلانية هي واحدة. فأنا لست مع الكليات المتعالية. ولهذا اميل الى التعامل مع العقلانية لا كماهية ثابتة او كمعنى مفارق، بل كسيرورة، او كبنية لا تنفك تتشكل باستمرار. وبهذا المعنى فان العقلانيات كثيرة ومختلفة. فعقلانية ديكارت تختلف عن عقلانية ارسطو بقدر ما تختلف عن عقلانية كنط. وهذه الاخيرة تختلف عن عقلانية نيتشه او فوكو. من جهة اخرى، فان العقلانيات تختلف باختلاف فروع المعرفة وميادين الفكر ومجالات الثقافة او مستوياتها. فعقلانية العلماء ليست كعقلانية العامة من الناس. والعقلانية العلمية ليست كالعقلانية الفلسفية. والفلسفية تختلف عن الفنية او الصوفية او الدينية. فلكل عقلانية خصوصيتها المتمثلة في منهجها ونظامها المعرفي وفي طريقة تعاملها مع العالم والاشياء. اذن العقلانيات كثيرة، وهي تختلف وتتنوع او تتفاوت، بحسب العوالم والفضاءات، او بحسب القطاعات والمجالات، او بحسب التجارب والممارسات.. واذا كان لي ان اميز بينها فاني اؤثر التفريق بين عقلانية مغلقة واخرى مفتوحة، بين عقلانية مبسطة واخرى مركبة، بين عقلانية جامدة قاصرة واخرى حية فعالة ومنتجة، بين عقلانية ايديولوجية اصولية واخرى اصلية ومبتكرة، باختصار هناك عقلانية الادارة والحاسوب، مقابل عقلانية الجسد التي تمارس اقصى الانفتاح على منطقة الخيال الخلاق، على ما يتجلى ذلك في التصوف والفن والشعر او الاسطورة. اقول الاسطورة، لان للاساطير جماليتها. فهي غنى للعقل، على العكس من الايديولوجيات التي تجسد جمود الفكر وانعدام القدرة على الخلق. فنحن لسنا مجرد حواسيب. وانما نحن كائنات نحس ونرغب ونتخيل، نعيش في مساحة الحلم ونحيا بالرمز ونقع في المجاز، نمارس طقوسنا وأعيادنا، ولا ننفك عن انتاج اساطيرنا وابتداع غرائبنا. ولهذا فأنا اؤثر العقلانية الجمالية التي تتجاوز عقلانية العلم الباردة من جهة وعقلانية الايديولوجيات العمياء من جهة اخرى. { سياسة العقل رابعا، واخيرا، لم اقم بتعريف العقلانية كنسق منطقي محكم او كنظام فكري مغلق، ولم اتكلم عليها من وجهة جوهرانية ثبوتية، لكي ارصد تجلياتها ومظارها، وانما تكلمت على هذا الشيء المسمى عقلا والذي هو نشاط الفكر، عنيت به نمط الوجود الخاص بالانسان والذي به يتعاطى مع العالم ويفعل في التاريخ. بذلك اكون قد تكلمت على علاقة الفكر بذاته وبالاشياء، وهي علاقة تخضع للتحول والتغير، اي لا تنفك تتشكل باستمرار، الامر الذي يعني اننا لا نفكر لكي نكشف عن الحقيقة، او لكي ننتج معرفة حول الواقع الموضوعي، بقدر ما يعني اننا نفكر لكي نغير علاقتنا بالحقيقة، ونحسن التعامل مع الواقع. فاذا كان القدماء يقولون بان الدين هو المعاملة، بوسعي زحزحة المعنى لأقول بان العقلانية هي طريقة بناءة مثمرة في التعاطي مع العالم. انها سياسة العقل، اذ شئت ان انطلق من قول بيار بورديو حول »السياسة الواقعية للعقل«، اقول ذلك لان العقلانية الجديدة تعني تجاوز ثنائية الفكر والواقع، بالتعامل مع الفكر بوصفه علاقة بالحقيقة، او امكانية لتشكيل الواقع. والعقل الفعال ينخرط في التجارب وينغرس في التاريخ بقدر ما يتجاوز تاريخيته او مشروطيته، لكي يغير من شروط المعرفة والفعل. فهو يفعل بقدر ما ينفعل، ويشتغل بقدر ما ينشغل، انه نتاج للبنى والآليات والمؤسسات، ولكنه يعمل في الوقت نفسه على اعادة انتاجها وتشكيلها. وتلك هي المفارقة، اعني ان العقل يمارس عامليته من خلال خصوصيته المرتبطة بحضارة معينة او بمجتمع معين او بقطاع اجتماعي خاص او بفرع من فروع المعرفة مخصوص. وما يكسب الخصوصية عامليتها، اي طابعها الكلي، ليس كون العقل يشكل ماهية ثابتة، او طبيعة مشتركة، والا لكان الكل سواء في انماط استخدامه او في اشكال التعاطي معه. فما يمنح خصوصية النشاط العقلي مصداقيتها العامة هو فاعليتها وفرادتها. واعني بالفاعلية الاشتغال والتحويل او الصرف والاستثمار او التجاوز واعادة البناء والتشكيل. واما الفرادة فأعني بها القدرة على الابتكار والابداع والانتاج. بكلام آخر: ليس العقل عامليا، وانما هو يكتسب عامليته بقدر ما يمارس بطريقة تسهم في خلق اجواء تتيح استقلالية الفكر وحرية النقد والنقاش، خاصة نقاش الشأن العام والأمر الكلي او الجامع. باختصار عامليته تتحقق بقدر ما تتشكل عقلانيات تخرق نطاقها المحلي وتفرض نفسها على كل عقل، بما تجترحه من امكانيات للفهم والتفسير، او بما تطلقه من طاقات على الفعل والتأثير، اي بقدر ما تتشكل مقولات وعلوم ونظم وصيغ وقوى ومؤسسات تفعل فعلها وتترك اثرها في مجريات الافكار والاحداث في هذا العالم، كما كان شأن العقلانية في العصر الاغريقي، او العقلانية في العصر العباسي، او كما هو شأن العقلانية الحديثة، التي يعمل على نقدها وتجاوزها، نحو عقلانية جديدة مفتوحة ومركبة (عملانية او لوجستية) يؤمل ان يساهم المفكرون العرب المعاصرون في صوغها وتشكيلها. * قدمت هذه المقالة كمساهمة في ندوة حول »العقلانية في الفكر العربي« في مدينة القيروان في تونس (16 17 18 كانون الاول 1994) بدعوة من اتحاد الكتاب التونسيين.