As Safir Logo
المصدر:

محاكمة من دون محامين!؟

المؤلف: حمادة نادر منير التاريخ: 1995-01-28 رقم العدد:6996

ان القرار الصادر عن المجلس العدلي بتاريخ 14/1/95 في قضية اغتيال داني شمعون وعائلته والقاضي باكمال السير بالمحاكمة على الرغم من عدم وجود محام للدفاع يستدعي الانتباه لما يشكله من سابقة في القضاء اللبناني ولما ورد فيه من تفسير لمواد قانونية تتعلق بالموضوع ومن ربط لتلك المواد ليخلص من خلال ذلك المجلس العدلي الى قراره موضوع التعليق. والنقاط القانونية المثارة بموجب هذا القرار والتي نجد ضرورة بحثها لمعرفة مدى صوابيتها ودراستها بشكل موضوعي مجرد عن اي ميل سابق تجاه مضمون المحاكمة يمكن ايجازها بالاتي: 1 وجود المحامي اهو وجود قانوني ام واقعي. 2 مدى حق المحامي بايقاف سير المحاكمة. 3 صلاحية المجلس العدلي في هذا الموضوع. اما بالنسبة الى النقطة الاولى المتعلقة بدور المحامي امام محاكم الجنايات ومدى الزامية هذا الوجود من الناحية القانونية ومعنى هذا الوجود فان هذه المسألة القانونية تعتبر جوهر القضية على اعتبار انها تتعلق اساسا بحق الدفاع الذي يعتبر بموجب النص القانوني الصريح المعبر عنه بموجب المادة 74 من القانون رقم 8/70 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة حقا مقدسا. فالزامية وجود المحامي الى جانب المتهم هي مسألة مبدئية تتعلق بحق الدفاع المقدس الذي لا يمكن للمتهم من الناحية العملية والعلمية ممارسته لوحده دون معاونة رجل قانون محترف هو المحامي والا تجرد حق الدفاع من مضمونه لعدم القدرة العقلية على ممارسته. واضحى هذا الحق مجردù ونظريا فالقضية ليست قضية شكليات واصول عملية بقدر ما هي جوهر واساس فهذه الالزامية التي فرضها القانون اللبناني كما معظم قوانين العالم لا يمكن تجاوزها مطلقا حتى من قبل من وضعت لاجله. فالمتهم لا يمكنه مطلقا المثول امام محاكم الجنايات دون محام سواء معين من قبله او مكلف من قبل نقيب المحامين او من قبل رئيس المحكمة وذلك لكون هذه الالزامية تتعلق بالنظام العام اي انها تخرج عن اطار تصرف الافرقاء المعنيين بها. ونزولا عند مبدأ الالزامية هذا فان وجود المحامي واجب بموجب النص القانوني اي نص المادة 286 من قانون اصول المحاكمات الجزائية منذ انتهاء الاستجواب الاداري الذي من اساسياته معرفة ما اذا كان للمتهم محام قبل الشروع بالمحاكمة والا عين له من يجري هذا الاستجواب الاداري اكان رئيس المحكمة او العضو الذي انتدبه محاميا للدفاع عنه عند بدء المحاكمة. ونص المادة 286 واضح لهذه الجهة اذ ينص على ما حرفيته: »يسأل الرئيس او المستشار المستناب عنه المتهم هل اختار محاميا للدفاع عنه فإن لم يكن قد فعل عين له الرئيس او نائبه محاميا في الحال والا كانت المعاملات اللاحقة باطلة حتى ولو عينت المحكمة له محاميا خلال المحاكمة. اما اذا اختار المتهم محاميا له بعد الشروع في المحاكمة فلا يسوغ له الادلاء ببطلان المعاملات السابقة«. وهكذا نجد من خلال هذا النص ان المشرع ذهب الى الحد الذي وضع فيه تعيين المحامي للدفاع عن المتهم على عاتق المحكمة اكثر مما وضعه على عاتق المتهم اذ انها ان اغفلت تعيين المحامي اعتبرت الاجراءات اللاحقة باطلة حتى لو استدركت خطأها فيما بعد بينما يختلف الوضع مع المتهم الذي اذا اختار محاميا بعد الشروع في المحاكمة لا يستطيع بعدها الادلاء ببطلان المعاملات السابقة. ولهذا دلالة واضحة حول نية المشرع الظاهرة من خلال النص الصريح على ان المحاكمة لا يمكن ان تكون قانونية وصحيحة دون وجود محام الى جانب المتهم منذ بدايتها حتى انتهائها ملزما المحكمة بوجوده محملا اياها تبعات عدم الوجود هذا اكثر مما حملها الى المتهم المفترض اساسا ان هذا الوجود وضع لحمايته. وهذا ما يدل ايضا على كون وجود المحامي الى جانب المتهم هو امر متعلق بالنظام العام لانه ملزم ليس فقط لمن وضع هذا الحق لحمايته وانما للمحكمة مما يجعل هذا الوجود جزءا لا يتجزأ من عملها اثناء النظر بالدعوى مرافقا لهذا العمل منذ بدئه مع تلاوة الاوراق انتهاء بالمرافعة الاخيرة لان المحاكمة كل لا يتجزأ وسلسلة لا يمكن الفصل بين حلقاتها والدفاع يبدأ منذ لحظة الاستماع الى تلاوة الاوراق حيث يكون نظرته للملف ويتم من خلال استماعه لهذه التلاوة استيعابه لمضمون الملف ولما يساق بحق المتهم من ادلة واثباتات وقرائن ولما وجه اليه من تهم استندت على هذه الادلة والبراهين والحجج التي يجب ان تتم مناقشتها لاحقا بكاملها من قبل المتهم او محاميه علنا ومشافهة ووفق مبدأ الوجاهية اي وجوب معرفة المتهم بكل ما هو وارد في الملف دون استثناء. وعليه فإن الدفاع يبدأ منذ اللحظة الاولى لبدء المحاكمة ويترافق مع كل اجراءاتها من مناقشة الادلة الى استجواب المتهم والشهود الى المرافعة الاخيرة التي يبين فيها موقفه مما اثير خلال المحاكمة وطلباته بنتيجته وفق ما تكونت قناعته حول الموضوع وبالتالي وجود المحامي المتلازم مع حق الدفاع غير المؤمن من دونه واجب منذ الشروع بالمحاكمة وحتى انتهائها بمرافعته عن المتهم. وعدم الوجود هذا في اي مرحلة من مراحل المحاكمة يعتبر انتقاصا من حق الدفاع الذي حفظ القانون للمتهم ان يؤمنه عبر محام ينزل منزلة في ممارسته حقوقه في الدعوى وكما لا يمكن للمحاكمة ان تجري دون وجود متهم كذلك لا يمكنها ان تجري دون وجود محام عن هذا المتهم لان هذا الوجود كما ذكرنا يشكل جزءا من المحاكمة واجراءاتها ومضمونها. ولهذا فإن وجود المحامي يجب ان يكون وجودا واقعيا فعليا وليس مجرد وجود نظري لانه لا يوجد حق دفاع نظري فاما ان يستطيع المتهم ان يدافع عن نفسه وهذا الدفاع لا يمكن ان يتم الا عبر محام او لا يستطيع ان يمارس هذا الحق وهذا الامر لا يتعلق به كمتهم اذ انه يخرج عن اطار ارادته ليصبح كما ذكرنا امرا متعلقا بالنظام العام الذي لا يمكن تجاوزه. فوجود المحامي الى جانب المتهم ليس وجودا نظريا كأن تقوم رابطة عضوية بين الاثنين كرابطة الموكل بالوكيل دون اعمال هذه الرابطة عمليا اي دون وجود هذا الوكيل الى جانب موكله. فالقضية لا تتعلق برابطة بين الاثنين بقدر ما تتعلق بوجود فعلي لممارسة حق لا يمكن ممارسته دون هذا الوجود الفعلي. وما ذهب اليه القرار موضوع التعليق لم يراع هذه الجوانب مكتفيا بأن هنالك رابطة عضوية بين المتهم ومحامين ليقول بأن للمتهم محامين للدفاع عنه بالرغم من انسحاب هؤلاء مما جعل الامر يبدو وكأن حق الدفاع يؤمن بمجرد قيام رابطة بين المتهم ومحام ولا يعتد بوجود المحامي الى جانب المتهم في المحاكمة وهذا ما يشوه حق الدفاع ويجعله يتحول من حق مقدس متعلق بالنظام العام الى حق يمكن ممارسته ويمكن الاستغناء عنه فالامر متعلق بارادة المتهم او محاميه بينما واقع الامر يختلف كليا لان حق الدفاع هو حق مفروض على الكافة ويجب على المحكمة قبل غيرها ان تسعى لتأمينه. وان القول بخلاف ذلك يشوه كليا حق الدفاع الذي لا يعود له من وجود مطلقا فماذا لو لم يعد محامو الدفاع عن المتهم عن انسحابهم ولم يكمل المحامون المكلفون من قبل النقيب مهامهم لسبب او لآخر واكمل المجلس العدلي السير بالمحاكمة دون وجود محام فمن كان سيقوم بمناقشة الملف بشكل علمي محترف ومن كان سيقوم بالمرافعة بوجه مدعي عام التمييز اي الخصم الابرز في الدعاوى الجنائية اضافة الى الادعاء الشخصي. وعليه فاننا نجد بأن القرار موضوع التعليق لم يقع موقعه القانوني وجاء مخالفا لقواعد متعلقة بالنظام العام متخطيا اياها دون سند قانوني يجيز ذلك ولم يكن مطلقا قرار المجلس العدلي السابق بالطلب من نقيب المحامين تكليف محامين للدفاع عن المتهم سمير جعجع بعد انسحاب وكلائه الاساسيين من باب الحرص الزائد كما ذهب اليه القرار موضوع التعليق وانما كان من باب القيام بالواجب القانوني. اما بالنسبة الى المسألة الثانية المتعلقة بمدى حق المحامي بوقف سير المحاكمة الجنائية والتصرف باجراءاتها. فإننا نرى بأن قرار المجلس العدلي حول هذه النقطة التي اشار اليها في بعض حيثياته جاء متوافقا مع القواعد القانونية العامة اذ ان للمحاكمة الجنائية اصولا جوهرية واجبة المراعاة من الجميع ومن اهمها عدم جواز وقفها بارادة فريق فيها لانها تتعلق بالمجتمع او الحق العام وليست كما المحاكمات المدنية التي من شأنها تأمين مصلحة شخصية لاحد الافرقاء ولهذا فإنها تتوجه بتوجيههم. فالمحاكمات الجنائية هي محاكمات حكمية بمعنى انها تسير بغض النظر عن افرقائها فمتى بدأت هذه المحاكمة لا يمكن ايقافها الا بحكم يصدر عن المحكمة يفصل في القضية بشكل نهائي. ولكن ما يثير الجدل في القرار والمتعلق بهذه النقطة هو اعتماده للوصول الى هذه النتيجة القانونية على حيثيات لم يكن له مطلقا ان يعتمدها لا سيما حول بحثه في قضية انسحاب المحامين ومدى شرعية هذا الانسحاب ومن ثم مناقشة صفة ومصلحة وكيلي المتهمين كرم وسعادة للانسحاب. اننا نرى بأنه لم يكن للمجلس العدلي ان يناقش في هذه المسألة لانه لا يوجد في القانون اللبناني ما ينص على الانسحاب كوجهة دفاع او كدفع من الدفوع التي يتحتم الرد عليها. وبالتالي فان هذه المسألة لا يمكن على الاطلاق ان تدرس من ناحية مشروعية الانسحاب او عدمها لانها ليست بقضية قانونية اساسا ولا تعدو ان تكون سوى موقف لا معنى قانونيا له اتخذه المحامون للتعبير عن عدم اقتناعهم بقرار صادر ليس بوسعهم الطعن به لكونه مبرما فليس هنالك ولا يمكن ان يكون هنالك انسحاب مشروع وآخر غير مشروع فالمسألة ليست مسألة قانونية تترتب عليها نتائج قانونية وليست حقا للدفاع يمارسه وتترتب عليه موجبات قانونية. وعليه فانه لم يكن للمجلس العدلي ان يناقش مسألة الانسحاب ومشروعيته ليخلص الى نتيجة قانونية صائبة مفادها عدم جواز وقف المحاكمة بارادة افرقائها وتحديدا عبر انسحاب محامي الدفاع. اما بالنسبة الى النقطة الثالثة والمتعلقة بصلاحية المجلس العدلي في هكذا موقف، ناتج عن انسحاب وكلاء الدفاع فإنه كان يمكن له ان يستعمل الصلاحيات التي اناطها القانون به او برئيسه والتي كان من شأنها ان تؤمن حسن سير المحاكمة دون السماح بوقفها بارادة افرقائها مما يخالف المبدأ العام وكذلك دون ضرورة اللجوء الى مخالفة اخرى اعظم متمثلة بالسير بالمحاكمة دون محامي الدفاع. ومن هذه الصلاحيات التي اولاها النص القانوني لرئيس محكمة الجنايات وهنا رئيس المجلس العدلي امكانية قيامه شخصيا بتعيين محامين للدفاع عن المتهم اذا لم يرد اللجوء الى نقيب المحامين مجددù وهذه الصلاحية معطاة له بموجب نص المادة 286 ا. م. ج المذكورة اعلاه وليس للمتهم ان يعترض كما لم يكن له ان يعترض من الناحية القانونية على مثول محامين مكلفين من قبل نقيبهم للدفاع عنه اذ انه ليس لاعتراضه اية مفاعيل قانونية لان الامر يخرج عن ارادته ليصبح تأمينا لمصلحة عامة متعلقة بالنظام العام. هذا بالاضافة الى صلاحية رئيس المجلس العدلي وفق نص المادة 275 ا.م.ج والتي اناطت به اتخاذ كل التدابير اللازمة التي من شأنها تأمين حسن سير المحاكمة اذ له مطلق الصلاحية في هذا المجال بما لا يتعارض مع النصوص الملزمة والمبادئ العامة. فلو عطفنا نص هذه المادة على نص المادة 309 ا.م.ج مسترشدين روحها لكان باستطاعة رئيس المجلس العدلي ان يخرج المتهم الذي يعكر صفو المحاكمة باعتراضات تؤثر على مجرياتها كما ذهب اليه القرار معتبرا ان المتهم اثر على المحامين المكلفين مما دفعهم للانسحاب على ان يعيده الرئيس لاحقا لاطلاعه على ما جرى في غيابه دون ان يحق له الاعتراض لانها مسألة خاضعة لرئيس المحكمة بحكم سلطاته الاستنسابية التي اعطاها المشرع له معتمدا على سعة علمه وصفاء نيته ويقظة ضميره وحكمة قراره وتجرده المطلق. وعليه فاننا نجد بأنه لم يكن للمجلس العدلي تحت اي ظرف وسندا لاي مبدأ ان يتخذ قرارا بهذا الموضوع من شأنه ان يعرض حق الدفاع للمساس بشكل اساسي بالرغم من توفر وسائل قانونية اخرى يستطيع من خلالها الخروج من اي موقف صعب وصلت اليه المحاكمة. ولا نجد من مبرر لمثل هذا التجاوز للقوانين وللمبادئ العامة املين الا يكون هذا القرار سابقة خطيرة في حياتنا القضائية قد تليها مثيلات مما يضع نظامنا القضائي وحقوق الانسان تحت مجهر كبير. * محام المندوب الرئاسي للمنظمة العالمية للمحامين الشباب AIJA

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة