As Safir Logo
المصدر:

ذكرى.أم كلثوم في ذكرى غيابها العشرين:الصوت المدهش الآسر الذي ما زال يدمنه الملايين(صور)

المؤلف: جابر عناية التاريخ: 1995-01-19 رقم العدد:6988

كلما أوغلنا في تقصي حالات الجمال الكاملة، وقعنا على القيمة الفعلية للسيدة الغائبة. أم كلثوم، أو فاطمة ابراهيم ابنة الشيخ إبراهيم البلتاجي، المولودة في 30 كانون الأول 1898 حسب ما ورد في »الموسوعة العربية« و4 نيسان 1904 من واقع دفتر مواليد بلدتها (طماي الزهايرة). أم كلثوم هذه، لن تحصى سنوات على غيابها، فهي حاضرة في حالات تذوقنا الفني العالي، كما حاضرة لأنها كرست مجموعة من القواعد الجديدة في دنيا الغناء العربي. لن يردنا ذلك الى غنائها الفخيم فقط، ولا الى صوتها العظيم، الذي هال أحد القادة الفرنسيين بقدرته الفائقة على توحيد المغاربة في باريس حين غنت هناك لمرة أولى، ولمرة أخيرة بهدف دعم المجهود الحربي المصري بعد هزيمة العام 1967. صوت آسر اختلطت فيه القدرات، بالقراءات الموسيقية المقلوبة. مدهش، وبديهي ان تتخطى به السيدة قدرة الأوكتافات، وان تسمو في حد صوتها البعيد بعشرات الآلاف الذين أدمنوا حفلاتها المباشرة، والملايين التي أدمنت سماعها عبر راديو القاهرة، لدرجة ان إحدى الفرق العربية المحاصرة في واحدة من حروبها ضد إسرائيل طلبت سماعها للاستعانة بصوتها على شحذ الهمم، المعنوية منها والمستجدة. بدايات رحلتها الفنية الغنائية بدأتها السيدة باكرا، أي منذ أوائل عام 1920، إذ شوهدت تلبس العقال، وتؤم مع والدها الشيخ ابراهيم وشقيقها خالد بيوتات قريتها الصغيرة لتغني فيها الموشحات الدينية. وفي العام نفسه أحيت لأول مرة حفلة غنائية في القاهرة بمساعدة زكريا أحمد الذي كان سمع صوتها وأعجب به اعجابا كبيرا، فقرر أن يتعهده ويتولى تعريفه. وفي العام 1921، اتخذت أم كلثوم من القاهرة مركزا لها. عام 1925، انتظم خروجها الى الجمهور عبر حفلاتها الغنائية في مواسم وأوقات معينة. وغنت لأول مرة شعرا وطنيا في رثاء سعد زغلول عام 1927 حيث تقاضت أغلى أجر حينها لم يتعد ال25 قرشا اثر غنائها في حفل زفاف تاجر في السنبلاوين. أحمد رامي عام 1924، التقت احمد رامي في 24 تموز، حين أضحى شاعرها المفضل على مدى العمر، وأضحت بدورها شغفه الكبير حتى لحظته الأخيرة. في الثلاثينيات لحن رياض السنباطي العديد من الأغاني لأم كلثوم منها: »يا طول عذابي واشتياقي«، وذاعت شهرة على »بلد المحبوب«. عام 1935 اختيرت السيدة لبطولة فيلمها الأول »وداد«. وفي عام 1936 ظهر فيلمها الثاني »نشيد الأمل«، وكان للسنباطي فيه ثلاثة ألحان. في أواخر الأربعينيات وأوائل الخمسينيات، أصبح ملحن اغنيات أم كلثوم الرئيسي رياض السنباطي. ومن الأغنيات التي دمغت أسلوبها الكلثومي في التلحين: »رباعيات الخيام« (1949)، »سهران لوحدي« (1950) »يا ظالمني« (1951) »ذكريات« (1955)، »شمس الأصيل« (1957) »هجرتك« (1959)، وكانت آخر الأغنيات قبل الجفاء القصير بينها وبين السنباطي »لسه فاكر قلبي يديلك أمان« غنتها في أول خميس من كانون الثاني 1960. بعد المصالحة غنت أم كلثوم »الحب كده« (1961) »حسيبك للزمن (1962) »الأطلال« (1966) »أقبل الليل« (1969) »من أجل عينيك عشقت الهوى« (1971) »القلب يعشق كل جميل« (1972). انه الصوت، صوتها المستحيل على غيرها، والمتحول الى عنصر بارز في الموقعة الكبرى. لن يستغرب أحد بعد أن تستعمل كلمات مثل انقلاب وثورة في وصف صوتها. ولن يستغرب أحد تدخل الرئيس عبد الناصر شخصيا لكي تقوم المصالحة على بياض العلاقة بين عملاقي الطرب العربي هي وعبد الوهاب. ليس هذا وحسب، بل انها حولت في مجرى نظرة الاستشراق الى التراث العربي الموسيقي، والغنائي حكما. كما انها حولت النظرة الأوروبية بكاملها عن منحاها المتجلد. قرأ الأوروبيون في صوتها آيات بينات، حتى أنها تخطت في تقديراتهم بعض رموزهم الوطنية. الشخصية أم كلثوم ليست قرينة اديث بياف، ولا ماريا كالاس، إذ يبقى حضور الأخيرتين مشفوعا بأحادية العلاقة من جهة الجمهور. لن يقارب بهذا المعنى جمهور أم كلثوم في الغرب، بجمهور بياف في الشرق، وإلا فسوف تجيء الخسارة باهرة لصالح السيدة الأولى التي منذ عقدت منديلها على رأسها، وشدت نظارتها الى عينيها أوقعت المشرقي والمغربي وابن الغرب في السرد والمتاهة، سر الحضور الآسر والصوت الذي يحلق بالبشر الى مراتب الملائكة. ليست ملاكا أم كلثوم، بل هي شخص مجبول بوتائر الواقع منذ زواجها الأول من الشيخ عبد الرحيم بدوي في عام 1923 الى زواجها الثاني من ابن عمها الذي أصيب بانهيار عصبي أدخل على أثره الى مستشفى الأمراض العقلية حيث بقي هناك سبعة عشر عاما حتى مات، لتتزوج من بعده زواجا ثالثا من شاب مجهول الشخصية أحبته أم كلثوم وحرصت على أن يبقى زواجها محصورا بين أقرب الأصدقاء. زواجها الرابع كان من الملحن والموسيقار محمود الشريف 1946، عندما كانت نقيبة للموسيقيين وكان هو أحد أعضاء مجلس النقابة، الزواج الخامس كان من الدكتور حسن الحفناوي، استاذ الأمراض الجلدية بكلية الطب في القاهرة، وقد تم الزواج في 24 تموز 1954 واستمر حتى عام 1975 عام وفاتها. وله أحمد رامي ذاب وجداً بها، فكتب لها أصفى الشعر وأحلاه. زوجة السادات اعتذرت منها بعد زمن تنافس على لقب السيدة الأولى في مصر. كانت زوجة الرئيس على دراية تامة بأنها ليست الأولى. فنافست غريمتها من دون هوادة حتى أقعدها المرض. ذهبت الى أم كلثوم مستغفرة تائبة مبجلة الشخص في حدود الصفة وفي غيابها. أما الشعراء فقد تنافسوا كمصارعي ثيران في حفل، على صياغة كلماتهم في قوالب تقبل بها، لعلمهم بمكنونات الصوت وبمستوياته النادرة. صوت هو ملجأ العشاق ومرتع الصوفيين ومساحة الباحثين عن اللا بلاغة في آداب العرب. وهؤلاء الذين كانوا يحاولون الهرب من ثقل الكتلة البلدية وتوهيماتها الثقافية والفكرية والاقتصادية والاجتماعية. صوت هو الصوت في عليائه، منحتها عنه مصر جائزة الدولة التقديرية في الفنون، تنازلت عنها السيدة لصالح صندوق معاشات الفنانين. في 18 كانون الثاني 1972، منحت لقب »فنان الشعب«، وفي 26 تشرين الثاني من العام نفسه بدأت تكوين جمعية موسيقية تضم هواة الموسيقى فقط ومهمتها دراسة تاريخ الموسيقى العربية. 22 آذار 1973 تبرعت بتكاليف المرحلة الأولى من مشروع دار أم كلثوم للأعمال الخيرية. وفي 18 حزيران 1973 وضعت حجر الأساس لدار أم كلثوم للخير بجوار فندق الميريديان. ما هادنت السيدة يوما ولا تنازلت. وما قرأت كلاما عاديا وما قوّلت ما لا تريده، وما دفعت الى الغناء أمام فرقة كانت تحرص على أن تسبقها الى خشبة المسرح فترافقها في الدوزان حتى تشطح معها في لحظات السلطنة الكلية، يضاف اليها كل مخزون العرب من تفريد في تلك الاعادات التي وصلت في احيان الى ثمانين صيغة هرمونية بحسب أحد الدارسين. الثبات الفرقة الماسية، فرقتها، بقيت تحت خيمة الصوت الماسي ترفل بأبهى الأغنيات وأروعها وأروقها وأقواها وأكثرها إشراقا واندفاعا في ضمير العرب بين حربين أو نكستين، أو استقالة رئيس عظيم، أو قعدة عاشقين في صحراء من التعب. عشرون سنة على حضور متألق في الغياب. ماتت في 5 شباط 1975 عن خزانة للعرب لا تزال زاخرة بالحلى الصوتية، قلادة واحدة منها سوف تشعل البصر، وهو ما ينقص العرب أصحاب الآذان المشنفة، والسماعيات التي تحولت مع أم كلثوم وحدها لاحتفال طقوسي ومشهدي لا يبارى. كأنها لا تزال. انها في خاطري وتتراءى، ترفع منديلها الى مسافة تقع بين غناء ووداع. عناية جابر

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة