As Safir Logo
المصدر:

<خمسون> لفاضل الجعايبي على مسرح دوار الشمس حقل من الالتباسات ودرس في التمثيل

استعادة الذاكرة(مصطفى جمال الدين)
المؤلف: عيتاني اروى التاريخ: 2008-04-26 رقم العدد:10984

التظاهرات الثقافية متوهجة في المدينة، فالى جانب مهرجان بيروت للرقص المعاصر ، سينطلق مهرجان الربيع في مركز دوار الشمس الطيونة، الذي سينقسم الى 5 اسابيع من النشاطات المختلفة التي ستتوزع بين ندوات وعروض موسيقى ورقص وورش عمل. وقبيل المهرجان، استقبل المسرح عرض خمسون لفرقة فاميليا التونسيّة للمخرج فاضل الجعايبي ونص جليلة بكّار. عرض فيلم وثائقي في خمسون فاضل الجعايبي وجليلة بكّار ثمّة ما يجعلك تستعيد في ذاكرتك أسلوب تغطية حادثة ارهابيّة على طريقة المراسلة. فهناك الراوي للأحداث والأحداث، وهناك التواريخ التي بدلاً من مرورها على الشاشة أعلن عنها وفضلاً عن عرض الآراء واختلاف الروايات. كنّا داخل فيلم وثائقي شيّق ممسرح. النصّ أشبعته جليلة بكار بكلّ ما قد يقال عن حادثة مماثلة يمكن أن تقع في أيّ زاوية من العالم. امرأة فجرت نفسها. امرأة متديّنة محجبة قررت الموت، رأينا يوميّاتها وسط جماعتها من الأخوات، وطقوسهن في العبادة وطريقة عيشهن. ومن هنا تبدأ التوقيفات وتتشابك الحكايات. ومن ضمن الحكايات استوقفتنا حكاية امل. أمل الماركسيّة التي سافرت الى فرنسا للدراسة، الابنة الوحيدة لعائلة تونسيّة منفتحة، أبوها المناضل واعتقاله وتعذيبه في السجون، أمّها المرأة القوية الشخصية، ارتباطها بشاب فرنسي، سرعان ما اعتنق الاسلام وانخرط في جماعات مريبة، وتحوّلها من الماركسية للتدين أو التطرّف كما وصفه النص، من خلال دروس دينيّة دعيت اليها في فرنسا، رجوعها محجبة وغضب أبيها منها. في هذه التركيبة العاديّة أشعل فاضل الجعايبي نقطة حامية وحسّاسة في تونس. فتونس بلاد تعتزّ باستقلالها، وفي الوقت نفسه لم تتخلّص من آثار المستعمر، كالاحتفاظ باللغة الفرنسية في كلام الناس وحواراتهم، و فرنسة العربيّة بطريقة تجعلك عاجزاً عن تلقّف لغتهم، وهذا الضياع في الهوية بين العربية الاسلامية والغربيّة العلمانيّة. فاضل الجعايبي، من خلال طرح موضوع العائلة التونسية الهانئة المتحررة، تونس كما يحبها، الفتيات الجميلات المتعلّمات، الثقافة التحرر، العلمانية، وجميع هذه المبادئ التي رآها تطاح بثانية من خلال حادثة الانفجار، عرّفنا الى حقيقة جيل يتخبّط بما هو أخطر من الارهاب الفعلي، يتخبّط داخل ارهاب فكري نتيجة تضارب بين ما هو مفطور عليه وما تربى عليه، وما شاهده في بلاد غربيّة قد لا تعترف به أصلاً كفرد من أفرادها. رأينا جيلاً يعاني من العنصريّة بين نظرتين، نظرة الأغراب خارج الوطن ونظرة الأغراب داخل الوطن. وعليه ان يختار مع أيّ الفريقين سيشدّ رحاله. البنية الدرامية للعرض مشت بثقل على سكّة الخطى المسرحيّة المتعارف عليها قبلاً في مسرح بكار والجعايبي. فتوزعنا بين نشرات وتقارير اخباريّة وبين شقّ التمثيل. لوحات جميلة صورها لنا المخرج من خلال الاضاءة والحركات الجسمانيّة التي كسرت من حدّة فكرة الارهاب، مثلاً تصوير طقوس التيمّم والصلاة كمشهد رومانسيّ لجهة الطهارة التي يحملها في معناه، وفي الوقت نفسه رأينا مدى انقفال هذه الجماعات على بعضها البعض، لتتضارب صورة الطهارة عندما اقترنت بالارتياب والتستر، حتى ولو بدت أحياناً كوميديّة الطرح، لكن الغلو في استخدام الاحاديث والادعية شأنها شأن الافراط من فيض الكره الذي فجره الجعايبي في عرضه ضدّ كل من تستهويه نفسه تشويه معالم حضارة كاملة. لأنه في مكان محدّد تهمشت هذه المقدّسات بطريقة قد تكون جارحة بعض الشيء للعديد من الفئات وسط الجمهور، هكذ بدا كأنّ هذه الادعية دخيلة على الثقافة التونسية، حيث رأينا ذلك معمماً من دون استثناءات على اختلاف الجماعات. مشكلة العرض أتت على مستويين متنافرين، من جهة نجاح رسم الشخصيات، من المحامية، للمبدعة جليلة بكار او أم أمل، التي تحتل المسرح عندما تتواجد في المشهد، تحتلّه وتأسرك بكلّ ما تقوم به، نبرة صوتها، تحكّمها الجيد في الانفعالات، وطريقة القائها، كذلك الممثل الذي لعب دور السجّان المجرم في المعتقلات، الذي عذّب يوسف او والد أمل، كلهم شخصيات واقعية ومقنعة تمتّعنا في أدائها وفي دقّة الحوارات التي عرفت الكاتبة أن تعدّها لكلّ شخصيّة على حدة. كلّ شخصيّة تكلمت بمنطقها الفعلي، وعرفت جليلة أن تبسط جميع المصطلحات التي تستعملها الشخصيّات، والتكلم بلسانهم، وكانت النتيجة مقاربة صادقة للواقع، لكن من جهة أخرى، طغى الارهاب الاعلامي بصورته الساكنة الوثائقيّة في الاخراج على ترجمته المسرحيّة، فكان العالم الاكثر جذباً هو التمثيل. وهذا ما جعل العرض ثقيلاً بعض الشيء خصوصا ان اللغة لم تكن واضحة أحياناً. دخل العرض في صميم العلاقات الاسريّة التونسيّة وطريقة عيش تتضارب فيها الايدولوجيّات، والتباس مع العلاقة بالدين، ليتعامل المخرج بطريقة مصبوغة بالشبهات، خصوصاً في مشهد دخول الام الى المسجد للبحث عن ابنتها، وكان المشهد ضاحكا لكن في الوقت نفسه رأينا جهل الطبقة العادية بأقلّ أصول التدين، والخبل لدى هذه المجموعة الدينيّة والتطرّف حين استغفرت احداهنّ لدى ملامسة الامّ لها. قد يكون هذا الموقف حقيقياً، اعتمده الجعايبي لتأصيل الشرخ الواضح داخل المجتمع التونسي الذي شرّحه أمامنا الجعايبي وبكّار، مطالبين برفع شعارالحريّات. لكن الامر يدعو الى الأسف لهذا اللغط الحاصل، خصوصا مع التطرف في طرح المخرج لصورتين متضاربتين، الابنة المتدينة والام العلمانيّة التي ترتاد الحانة وتثمل وتضحك مع صديقتها. رأينا مجتمعاً لا يدعو للبهجة حتّى ولو اصرّت جليلة من خلال نصها على اظهار حالة الوئام التي كانت حاصلة قبل وقوع الانفجار. كأنّ الانفجار خلط الاوراق وكشف عن الاختلالات في البنية العقائديّة المتأصلة في هذا المجتمع. كما كشف لنا عن جيل يعتقد انه تربّى على الأكاذيب، جيل يتوق لايجاد نفسه بالرغم من تلقّيه تربية شاملة منذ الصغر، والدليل رحلة أمل الماركسيّة الى باريس وعودتها محجبة، حيث ألحقت العار بعائلتها كما قالت لها امّها. وهنا خلق المخرج جدليّة خطيرة قد لا يقبل بها شريحة كبيرة خصوصاً من المحجبات الذين يتعرضن اليوم لهجمة شرسة حول العالم، كأنّ العرض تحالف أيضاً ضدّهن، ووصمهن بتطرّف لقرارهن باخفاء شعرهن وأجزاء من جسدهن، مع ان هذه حرّيّة شخصيّة ليس الا، وواجب ديني خاصة مع الابتعاد عن العنف. حتى الاستعانة بالآيات القرآنية التي وردت على لسان الشخصيات في سياق الرد، عن العقاب والنصيحة، جعلت البعض يرى في الطرح تناقضاً كبيراً متعمداً، خصوصاً أنّ الايات مقتطعة من سور، انما المونتاج الذي جعلها مصدر لبس كبير لدى الكثيرين، كذلك البرامج الحواريّة المجانيّة التي نراها على الشاشات، والتي اعطت للعرض شكلاَ سلبياً غير لائق خصوصا ان الفكرة دقيقة جداً، الارهاب والحملة التي يتعرض لها المسلمون. لا يخلو العرض من جرأة كبيرة قد لا يتحملها مخرجون آخرون، او ممثلون كانوا اجمل ما في العرض، من حيث طاقتهم وطول النفس الذي تحلّوا به للوقوف ساعتين على المسرح مع حوارات جدليّة حامية، استفاضوا بها وطرحوا من خلالها المواقف السياسية على أحسن وجه. لكن مشاهد التحقيقات كانت تفيض أحيانا بصراخ زائد، حيث تتداخل الكلمات فلم نفهم معناها، وطول مدّة العرض كان مرهقاً لتطلب التركيز على كلّ شاردة وواردة، لكن سرعان ما كانت سلاسة النص تجعلنا نلمس أكثر فأكثرحلاوة أداء فرقة فاميليا المحترفة. العرض حمل عدة رموز ومعان سواء قبلنا بها أو لم نقبل، لكنّه عمل جدلي، لا يسعك إلا التوقف عنده مليّاً، فهو ليس عرضاً عاديّاً للاستمتاع به فقط، وليس عرضاَ من العروض المغريّة نظراً لتواضع عناصره الابهاريّة والجماليّة، لأنه لحق بطقس خاص وفنّده بكل جماليّته وبشاعته، فبقينا نتحرّى عن معانيه طوال مدّة الفرجة، لأنّ المخرج لم يقدّم لنا السهل الممتنع، بل ارادنا الوصول الى استنتاجات لنا الحق فيها بالردّ والبحث. كانت عمليّة حسابية عقليّة لموضوع شائك هو الارهاب، أشبه بفيلم ممسرح قد لا يكون من أفضل أعمال الجعايبي لكنه على الأقل خلق سجالاً وهذا ما سيجعله عرضاً حدثاً لمدّة طويلة.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة