هل تُعتبر الحركة البصرية الأردنية الحالية ركيزة تأسيسية لصناعة سينما محلية ، أم لحاقٌ منقوصٌ بالتطوّر التقنيّ القادر على منح الجميع فرصة تحقيق أفلام متفرّقة الأشكال والمضامين والأنواع والأهمية الدرامية والجمالية؟ هل تنجح الجمعيات والهيئات والأندية الخاصّة في دفع عجلة الإنتاج السينمائي المحلي إلى الأمام، أم تكتفي بتسهيل أمور الراغبين في إنجاز أعمال بصرية؟ إنها الخطوات التأسيسية الأولى الهادفة إلى تشييد عمارة سينمائية أردنية. هذه مسلّمة بديهية، لأن المجتمعات كلّها واجهت تحدّيات جمّة من أجل إقامة بنيان إبداعي متكامل يحتاج إلى جهود كبيرة وأعوام طويلة لامتلاك صناعة سينمائية حقيقية. مرحلة غنيّة يعيش الأردن حالياً مرحلة غنية بالمعطيات القابلة لأن تكون دعماً للإنتاج المحليّ، وإن غلب عليه النوع الروائي القصير والوثائقي، في ظلّ غياب شبه تام للفيلم الروائي الطويل. وإذا بدا كابتن أبو رائد لأمين مطالقة استعادة ما للنوع الروائي الطويل، إلاّ أن الغالبية الساحقة من الأعمال البصرية محصورة في النوعين القصير والوثائقي، إلى جانب حركة الإنتاج الدراميّ التلفزيوني. في معرض تحليله الواقع البصري الأردني، قال الناقد السينمائي عدنان مدانات إن الإنتاج البصري في الأردن يسير في خطّين: أولهما وأقدمهما خطّ إنتاج المسلسلات والبرامج التلفزيونية والوثائقيات لصالح المحطّات التلفزيونية، وثانيهما الأفلام الرقمية القصيرة التي يُخرجها شبان وشابات يستفيدون من سهولة الحصول على التقنيات الرقمية ومن سهولة تعلّم استخدامها ، مشيراً إلى أن غالبية ما يُنتج من أفلام رقمية قصيرة تفتقر إلى الثقافة السينمائية التي تتيح لمخرجي هذه الأفلام القصيرة تقديم أعمال ذات سوية فنية ودرامية سردية تمتلك مضموناً وتميّزاً إبداعياً ، مضيفاً أن هناك استثناءات واضحة في بعض الأفلام، وعددها قليل حتى الآن، التي تشي بموهبة قد تكون واعدة إذا تعامل أصحابها بجدّية مع الأمر وقرّروا تطوير عملهم عن طريق الدراسة والتثقيف الذاتي ، وتوقّف عند مخرجين اثنين هما أمين مطالقة ويحيى العبدالله: بدأ مطالقة (كابتن أبو رائد) علاقته بالسينما هاوياً ثم طوّر هذه العلاقة عن طريق الدراسة الأكاديمية، في حين أن العبدالله قدّم فيلماً وثائقياً بعنوان ست دقائق لفت الأنظار إليه، ما دفعه إلى الذهاب إلى باريس لإنهاء دراسته الأكاديمية للسينما هناك . من جهته، حلّل الناقد السينمائي الأردني ناجح حسن المسألة بقوله إن هناك حالياً عشرات الأفلام القصيرة حقّقها شباب أردنيون باعتمادهم على كاميرا فيديو رقمية (ديجيتال)، لكن بإمكانيات متواضعة وبجهود ذاتية، من خلال ورش تدريب نظّمها أفراد وأكاديميات ومعاهد، وتحديداً الهيئة الملكية الأردنية للأفلام التي تأسّست منذ خمسة أعوام، إلى ورش أخرى نظّمتها مؤسّسة التلفزيون في برامج تنموية أو تنويرية للعديد من القضايا الاجتماعية والخدماتية التي تشغل بال الأردني . أضاف أن هناك أفلاماً قصيرة أنجزتها مؤسّسات عدّة تعمل في الحقل السمعي البصري بغية تقديم مواد بصرية لحساب قنوات فضائية تتناول قضايا ومواضيع متنوّعة . وكما توقّف مدانات عند ظاهرة إنجاز فيلم طويل بعنوان كابتن أبو رائد ، اعتبر حسن أن السمة الأبرز في المشهد الآنيّ كامنٌ في ظهور هذا الفيلم لمخرجه مطالقة الذي نال تعليمه السينمائي في الولايات المتحدّة الأميركية، وتمكّن من تأسيس شركة إنتاج سينمائي أسماها أفلام وورقة وقلم بالتعاون مع شخصيات اقتصادية في الأردن . ورأى أنه بحكم وجود الهيئة فإن النتاج البصري في الأردن جذب مشاريع استثمارية عدّة لشركات سينمائية عربية وعالمية لتصوير أفلام وثائقية وروائية في الأردن، ك ريداكتيد لبراين دي بالما و معركة حْدِيثة لنك برومفيلد . جمعيات كثرت الجمعيات والمعاهد والمؤسّسات البصرية الخاصّة في داخل المملكة الأردنية. ليست الهيئة الملكية الأردنية للأفلام وحيدة في هذا المجال، لأن أفراداً أردنيين وعرباً خاضوا تجربة كهذه: حازم بيطار (تعاونية عمّان)، غادة سابا (أفلام بلا ميزانية)، السوري عمر أميرالاي واللبناني هشام البزري والمصرية هالة جلال (المعهد العربي للفيلم) وآخرون. انصبّ الاهتمام فيها على تحويل ورش العمل التدريبية إلى تفعيل ميداني لحركة الإنتاج المحلي، في حين أن المعهد العربي للفيلم يبقى عربياً أكثر منه أردنيا، وإن اتّخذ عمّان مقرّاً له، قبل أن تنطلق إشاعة مفادها أن انتقالاً محتملاً إلى عاصمة عربية أخرى بات قريباً. المعهد نفسه لم يكن مختصّاً بالأردن فقط، وإن انتسب إليه أردنيون أنجزوا أفلاماً قصيرة في نهاية دوراتهم التدريبية: نسرين ماضي (قمر 1) وعبد السلام الحاج (مدينتي) وماجد كباريتي (طرفة)، إذ إنه هدف إلى دعم المخرجين العرب في صناعة الأفلام الروائية والوثائقية التي يُفترض بها أن تكون انعكاساً إبداعياً وحيوياً لواقع الفرد والمجتمعات العربية ، بحسب برنامج المعهد الذي تضمّن نشاطات عدّة تصبّ في الاتجاه نفسه وترمي إلى دفع السينما نحو إعادة النظر في العوامل والأسباب العميقة والمعيقة لتطوّر المجتمعات العربية تاريخياً وسياسياً واجتماعياً وفنياً، بما يُعزّز من مكانة الثقافة السينمائية في هذه المجتمعات ، كما قالت الناقدة السينمائية اللبنانية الزميلة ريما المسمار، مضيفة أنه إلى جانب المحترف الذي سيُشكّل النشاط الأساسي في خلال العامين الأولين، يهدف المعهد إلى إنشاء سينماتيك رقمية تحوي عدداً كبيراً من الأفلام العربية والمصوّرة في العالم العربي فضلاً عن الإنتاجات العالمية البارزة، ويسعى إلى الحفاظ على الإرث السينمائي العربي باستخدام أحدث التقنيات الرقمية، وإلى إنشاء صندوق دعم للأفلام العربية يموّل في كل سنة ثلاثة مشاريع روائية ووثائقية . الهيئة الملكية الأردنية للأفلام مختلفة: أنشئت في العام 2003 برؤية تطمح إلى تطوير صناعة أفلام تنافس الأفلام العالمية . إنها هيئة حكومية ذات استقلال إداري ومالي يديرها مجلس مفوضين برئاسة الأمير علي بن الحسين، تعكس عزم وإصرار الملك عبدالله الثاني على إعطاء الأردن دوراً رائداً في المجالين الثقافي والاقتصادي على المستويين الإقليمي والدولي كما جاء في كتيّب تعريفيّ بها ذكر أن مهمتها: تشجيع الأردنيين وفئة الشباب في الشرق الأوسط على سرد قصصهم مما يساهم في التبادل الثقافي وتعزيز حرية التعبير، وتوفير برامج تعليمية للأردنيين الطامحين في العمل في مجال السينما وصناعة الأفلام، وترويج ثقافة الأفلام في الأردن كلّه وبالتالي المساهمة في تنمية الفكر النقدي، وموضعة الأردن كمركز للإنتاج السمعي والبصري، يوفر مواقع تصوير مميّزة وقدرات إبداعية بالإضافة إلى مساعدات تقنية وحوافز مادية، وتقديم خدمات للإنتاج المحلي والأجنبي. بالإضافة إلى هذا، فإن الهيئة تنظّم عروضاً سينمائية لأفلام متنوّعة في المحافظات الأردنية كلّها بالتعاون مع المجلس الأعلى للشباب ، وعروضاً متخصّصة بمواضيع معينة بالتنسيق مع مراكز ثقافية ومعاهد محلية ودولية ومؤسّسات أخرى، كما يتمّ العمل على إنشاء نوادي أفلام في مناطق عدّة في داخل المملكة بمثابة أماكن ترفيهية وتثقيفية في آن واحد تعطي الشباب مجالاً لرواية قصصهم عن طريق الأفلام بإشراف متخصّصين محترفين . مع هذا كلّه، أثار إنشاء الهيئة ضجّة إعلامية وطرح تساؤلات جمّة حولها، لأنها بدت غطاءً ثقافياً للسلطة، وأداة فاعلة في الإشراف (كي لا أستخدم تعبير رقابة مبطّنة ، على الرغم من تأكيد مسؤولين في الهيئة أنهم لا يملكون صلاحية الرقابة على السيناريو وأن لا علاقة لهم إطلاقاً بمسألة إجازة عرض الأفلام) على المشاريع الأردنية والأجنبية المصوّرة في الأردن. قبل أيام قليلة، أقرّ مجلس النواب الأردني قانون الهيئة ، ما يعني أنها باتت رسمية: وجّهت الصحافة الأردنية طوال الأعوام الخمسة الماضية (منذ إنشاء الهيئة ) أسئلة نقدية عدّة حول عملها وإنتاجاتها. توقّعنا، بسبب هذه التساؤلات النقدية، أن تكون مناسبة تداول مجلس النواب مشروعها فرصة تاريخية لمناقشة هذه المسألة برمّتها بوضوح و شفافية (كلمة مستخدمة بإسراف مثير للغثيان في الأوساط السياسية الرسمية الأردنية). ما حصل هو أن الصحف اليومية هذه، بالإضافة إلى وكالة الأنباء الأردنية ، نشرت في يوم واحد مقالات تمجيدية للسيرة المشرّفة للهيئة عملاً ورؤية تقدمية، كأن المقالات كلّها بيان مكتوب صادر من رجل واحد ، بحسب تعليق أدلى به زميل صحافي أردني في اتصال هاتفي، فضّل عدم ذكر اسمه. أضاف الزميل: في المقابل، لا بُدّ من الإشارة إلى أن أحداً من النواب الأردنيين المئة وعشرة لم يُضمّن بيان ترشيحه كلمة ثقافة أو فن ، ولو شكلياً. مع هذا، أقرّ مجلس النواب قانون الهيئة . تساؤلات نقدية لم تكن الهيئة الملكية الأردنية للأفلام وحدها مثيرة للتساؤل النقدي. قبل نحو ثلاثة أعوام تقريباً، أسّست الأردنية غادة سابا جمعية أسمتها أفلام بلا ميزانية ، ونظّمت ورش عمل افتتحتها بمسيرة سينمائية في شوارع عمّان وبتمويل إنجاز أفلام قصيرة. لكن أزمة الجمعية هذه كامنةٌ في انبهارها بثقافة النجم المصري تحديداً، إذ دعت نجوماً مصريين في احتفالاتها السنوية ما أدّى إلى طرح سؤال التناقض الفظيع بين تقديم الجمعية نفسها على أساس أنها من دون ميزانية (أي إنها مهتمّة بتحقيق أفلام متواضعة الإنتاج)، ودعوتها نجوماً لا شكّ في أن المبالغ المدفوعة إما لهم وإما لإقامتهم في عمّان لأيام قليلة وإما الأمرين معاً تكفي لإنتاج عدد لا بأس به من الأفلام القصيرة. غير أن الأمر مرتبط بنتيجة الورش والتدريبات: لغاية اليوم، تبدو هذه الجمعية غائبة إلى حدّ ما على المستوى الإعلامي كما حدث مع تعاونية عمّان ، إلاّ إذا أمعن المرء النظر في بعض المهرجانات العربية أو الاحتفالات السينمائية العابرة. خارج إطار الصراعات الأردنية الداخلية حول مسألة الجمعيات الخاصّة هذه، قال عدنان مدانات إن المؤسّسات التي تنظّم ورشاً تدريبية قصيرة الأمد تعمل على أساس يشبه نوعاً ما الكتب التي تعلّم اللغات من دون معلّم. يختلف الأمر طبعاً عن المعاهد الأكاديمية التي أرجو ألاّ تكتفي بتعليم التقنيات، بل أن تخرّج مخرجين وتقنيين مؤهّلين ثقافياً ، مشيراً إلى أنه ساهم شخصياً في إلقاء محاضرات حول فن السينما التسجيلية في أكثر من ورشة تدريبية أقامتها تعاونية عمّان ، ف اختبرتُ عن قرب مدى ابتعاد الملتحقين بها عن الثقافة السينمائية . من جهته، اعتبر ناجح حسن أن مسألة تأسيس جمعيات ومعاهد ومؤسّسات مختصّة بالسينما وبالتدريب على إنتاج أعمال بصرية ورقمية وغيرها مهمّة من دون أدنى شكّ، لكنها تبقى بأمسّ الحاجة إلى دقّة الاختيار في أصحاب المواهب الذين يمتلكون خامّة أو بذرة الإبداع، فضلاً عن مساهمتها في إثراء الفضاء البصري بنتاجات متباينة شرط أن تستلهم الإرث السينمائي العربي والعالمي، وتنطلق من بنية صلبة وعميقة في القدرات التقنية والجمالية والفكرية للفيلم السينمائي، سواء كان روائياً أم تسجيلياً أم تجريبياً، من دون استسهال ما تفيض به كاميرا ال ديجيتال من إمكانيات بصرية فقط . وعمّا إذا كانت هذه الجمعيات مفيدة في تأسيس سينما أردنية ، أم إنها اختبار لإنتاج أفلام فيديو رقمية أي غير سينمائية ، قال مدانات إنه لا يُمكن تأسيس سينما أردنية من دون تمويل حكومي رسمي وتمويل من القطاع الخاص. أما كونها مجرّد أفلام رقمية أو سينمائية (سينمائية لا بمعنى التقنيات المستخدمة لإنتاجها بل بمعنى القيمة الفنية السينمائية) فهذا يعتمد على ثقافة صانعيها ومدى جدّيتهم في التعامل مع ما ينتجونه لتقديم أعمال فيها فكر وفن ، منتهياً إلى القول إن التقنيات الرقمية هي المتاحة في أي حال . أما حسن فقال إن هناك فرصة أكيدة لدى بعض الأردنيين المنخرطين في صناعة الأفلام القصيرة بتقنية ديجيتال أن يجتازوا محاولاتهم الأولى البسيطة (هناك من نجح في ذلك) إلى الفضاء الرحب للسينما . وأشار إلى أسماء عدّة في هذا المجال، يحيى العبدالله (باريس) وداليا الكوري (إنكلترا) ومحمود المساد (هولندا): هؤلاء جميعهم باتوا في مرحلة التحضير والاستعداد لإنجاز أفلام سينمائية على غرار أمين مطالقة بعد إثباتهم جدارتهم في أفلامهم القصيرة الأولى . هذه إضاءة عامّة لواقع الحركة البصرية الأردنية، ومحاولة جدّية لمناقشة نقدية تطال المشهد الفني الأردني وارتباطه بالنشاط الإنتاجي العربي، بانتظار إنتاج مزيد من الأفلام الأردنية المتنوّعة وعرضها في الصالات العربية، ما يتيح للمهتمّ فرصة المعاينة الحسّية لنتائج ورش العمل الخاصّة بهذه الجمعيات والمعاهد والمؤسّسات.