As Safir Logo
المصدر:

النهدان مصدر فخر للنساء ورمزٌ قاطع للأنوثة بشقّيها: الإغراء والأمومة عندما يصيب السرطان ثديها.. تهتزّ صورتها وتفقد المرأة كمول جسدها

المؤلف: ابو جودة ميليا التاريخ: 2008-02-28 رقم العدد:10935

لطالما شكّل نهدا المرأة أو ثدياها أو أياً تكن التسمية التي تطلق عليهما، عنصر إغراء وجذب وافتتان في تصوير المرأة في الفنون القديمة والحديثة على حدّ سواء.. الرسّامون في لوحاتهم، النحّاتون في مجسّماتهم والشعراء في قصائد غزلهم. ولا ننسى بالطبع كثيرين من مصمّمي إعلانات وغيرهم لا يفوّتون مناسبة إلا ويظهّروا فيها أبرز ال مقوّمات الأنثويّة على الإطلاق: النهدين. لكن هذا العضو الذي تجهد النساء في الحرص عليه من خلال اللجوء إلى عمليّات تكبير أو تصغير أو شدّ، أو حتى من خلال اختيار حمالات الصدر المناسبة، والذي تحاول شركات مستحضرات التجميل الاستفادة منه قدر المستطاع من خلال ابتكار كريمات سحريّة للعناية به.. هذا العضو وإن شكّل عنصر فخر بالنسبة لكثيرات إلا أنه قد يكون عكس ذلك بالنسبة لأخريات، لدرجة أنه قد يُصاب . سرطان الثدي.. جميع النساء يخشينه. فمن 8 في المئة إلى 9 في المئة منهنّ حول العالم يصبن بسرطان الثدي خلال حياتهن، الأمر الذي يجعله في المرتبة الثانية شيوعاً بعد سرطان الرئتين. وتجدر الإشارة إلى أن هذا النوع من السرطان هو المسبّب الأوّل في العالم للوفيّات السرطانيّة لدى النساء دون سنّ ال55 ويتمّ تشخيصه لدى حوالى مليون امرأة سنوياً. أما محلياً، فهو يشكّل 42 في المئة من مجمل الأمراض السرطانية التي تصيب النساء في لبنان. وقد تمّ تشخيص حوالى خمسين في المئة من سرطان الثدي لدى اللبنانيّات اللواتي هنّ ما دون سنّ الخمسين. كذلك، يعتبر هذا النوع من السرطان في حال ازدياد مستمرّ حيث تشخّص سنوياً 76 حالة جديدة لكلّ مئة ألف امرأة بغضّ النظر عن سنّها، وذلك بحسب المعطيات الأخيرة للسجلّ الوطنّي للسرطان في لبنان. وعندما تصاب امرأة بثديها ينشغل من حولها من أهل وأصدقاء وأطبّاء ومعالجين لتأمين الشفاء السريع. المهمّ استئصال المرض.. لا فرق بين استئصال المكان المصاب أو الثدي بأكمله. المهمّ الشفاء الكلّي من المرض الخبيث. لكن، هل من يسأل المرأة عن شعورها.. باستثناء ما يتعلّق بالخوف من المرض والألم الجسماني؟ هل من يسألها كيف تشعر وقد فقدت ثديها أو عانت تشوّهاً به.. باستثناء أنها تخلّصت من المرض؟ هل من يسألها ماذا يعني لها الأمر كأنثى تعاني تشوّهاً في جسدها، في ظلّ تحفّظات ومحرّمات كثيرة تسيطر في مجتمعاتنا؟ قبل ثلاث سنوات عندما دخلت ليندا (43 عاماً) غرفة العمليّات بسبب ورم صغير غير محدّد في ثديها الأيسر، لم تكن تعتقد أنها ستخرج منها وقد تمّ استئصال ثديها بأكمله بالإضافة إلى جميع الغدد أو العقد ال18 المتّصلة به.. 13 منها كانت مصابة بالسرطان. استفاقت من التخدير ليعلمها الطبيب الجرّاح بما حصل. سألته يعني، الأمور على ما يرام الآن؟ ، فشرح لها الخطوات اللاحقة من علاج كيميائي لمدّة ستّة أشهر وآخر شعاعي لمدّة شهرين. كنتُ قويّة تقول ليندا. من حولها كان الجميع منهارين. شقيقتها عانت الأمر نفسه قبل سنوات وإن لم يتمّ استئصال ثديها بالكامل. لا تعرف كيف ولماذا، لكنها تمكّنت من تخطّي تلك المرحلة كما تصرّ. وعندما كانت ابنتها المراهقة تنهار أمامها، كانت هي من يرفع لها معنويّاتها قائلة كنتُ أشكو من إنفلونزا وانتهى الأمر . تعترف ليندا ببعض لحظات ضعف.. أحياناً، عندما كنتُ أقف أمام المرآة، كنت أشعر بأن هناك ما ينقصني . لكنها اعتادت الفكرة وحاولت تدبّر أمر ملء الفراغ بالوسائل التي ارتأتها مناسبة. المتوفّر في السوق، بغضّ النظر عن ارتفاع أسعاره، يجعل المرأة تشعر بأنها مريضة أكثر وبشعة. فحمّالات الصدر المخصّصة ل فاقدات الثدي غير أنيقة كذلك هي ثياب السباحة.. كأنها مصمّمة للنساء المتقدّمات في السنّ . بعد ثلاث سنوات، ما زالت ليندا تفتقد ارتداء الملابس التي تعجبها.. هناك ضرورات لا بدّ من الخضوع لها . وحتّى لو أنها تشدّد على أن صورة جسدها لم تهتزّ في نظرها، إلا أنه من الواضح أن ذلك الاستئصال ترك أثره. هي اليوم تنوي القيام بترميم لكنها تنتظر توفّر المال اللازم. فالضمان الاجتماعي وشركات التأمين الخاصة ما زالت تعتبر الأمر مجرّد عمليّة تجميليّة بحتة يمكن الاستغناء عنها إذا لم تتوفّر الإمكانيّات الماليّة. تبدو ليندا كأنها تتدبّر أمورها بشكل جيّد، لكن أخريات رفضن التكلّم عن تجاربهن.. وقد علّقت إحداهن، كأنها تعبّر عن كثيرات، لم أفهم بعد ما حصل . وتقول هنا الطبيبة النسائيّة والمعالجة النفسيّة سهى نصر الدين، عندما تكتشف المرأة أنها مصابة بالسرطان، تشعر بداية بالخجل . وتتحدّث عن بعض السيّدات اللواتي يعانين سرطان الثدي لكنهن لا يتحدّثن في الأمر ويتحاشين الأطباء.. هنّ يخجلن من السرطان ومن كون المرض في الثدي.. بشكل الخاص اللواتي تقدّمن بالعمر. ونرى كيف يصلن أحياناً إلى المستشفى وثديهن متآكل مثلاً . وتعود نصر الدين لتتحدّث عن الصدمة.. كأيّ حالة صدمة، عندما تعرف المرأة أنها مصابة بثديها، تمرّ بمرحلة النكران أنا لا أعاني من شيء ، لتدخل بعدها في مرحلة الغضب لماذا أنا قبل أن تدخل في حالة الاكتئاب وتنطوي على نفسها حتى تصل في النهاية إلى مرحلة القبول . لكنها تؤكّد أن الأمر يعود لكلّ امرأة بحسب معنويّاتها والمجتمع الذي يحيط بها.. لا قاعدة هنا. فالجوّ الذي تعيش فيه هذه الأنثى يجعلها معرّضة أكثر لسرطان الثدي. هناك في داخلها تلك الأنثى المجروحة.. قد تكون بخطر، أو حزينة، لكن من المؤكّد أن الأمر مرتبط بالأنوثة. وهنا لا نتكلّم عن الأسباب النفسيّة بل عن الخلفيّة النفسيّة. من المؤكّد أن المرض العضوي هو مرض عضوي، لكن إذا أردنا أن نطّلع على مقاربة الصحّة في العالم اليوم، هناك دائماً الشقّ النفسيّ . وتشرح لا نقول إن هذه الخلفيّة هي السبب لكن هي موجودة دائماً في الأمراض. وهناك دائماً شيء ما حدث في حياة المرء متزامن مع المرض. على سبيل المثال امرأة تشعر بأن أحداً في عائلتها لا ينظر إليها كأنثى أو أن الأنثى التي في داخلها مجروحة. هذا أمر قد يطوّر سرطاناً في الثدي . وتتحدّث عن كثيرات لا يجرين صورا شعاعيّة للثدي (mammographies) لأنهن لا يردن أن يعرفن إذا ما كنّ مصابات. وهناك أخريات يجرين ذلك بشكل دوري وميكانيكي إذ يعانين قلقا على صحّتهن وقد دخلن في نظام الوقاية بالكامل وهنّ بالتالي مرتاحات لأنهن يقمن بواجباتهن تجاه أجسادهن. وإذا ما كانت المهتمّة بجسدها تعاني بشكل أخفّ من تلك المهملة، تقول نصر الدين إن كلّ امرأة تعاني بطريقة مختلفة واهتمامها أو عدمه ليس بمعيار. كلّ حالة هي حالة خاصة. لكن من المهمّ جداً مساعدة المرأة على اكتشاف الخلفيّة النفسيّة وتحديد صعوباتها النفسيّة حتى نساعدها على عيش مرضها والخروج منه. وأنا متأكّدة من أنه وراء كلّ حالة سرطان ثدي، هناك سبب علائقي بالأنثى. ممكن أن يكون ذلك أموراً متوارثة في العائلة وليست هي من يعيشها، لكن حدثاً ما حرّك الموضوع . المرض.. أوّلاً عندما تقصد امرأة ما طبيباً فيقوم بالفحوصات اللازمة ويكتشف مشكلة ما في الصدر، يمكن الجزم بأنه يصبح مهتماً بالمشكلة عضوياً مركّزاً بشكل كبير على الجسم وأعضائه، في حين أن المرأة تعيش جسدها لا جسمها ، هذا ما تؤكّده نصر الدين التي تشدّد على أن هناك فارقاً بين معاش الجسد ومعاش الجسم. فالمرأة تعيش الجسد وليس وظائف جسمها. أما الطبيب فعمله يقتضي الاهتمام بوظائف الجسم، وإذا كان هناك من خلل ما أو مرض فهو يشخّص ويعالج . وتقول نصر الدين إذا أردنا أن نكون متفائلين، نعتبر أن هناك قسماً كبيراً من الأطباء الذين ينصتون إلى السيّدة التي تقصدهم. لكن للأسف، ونتكلّم هنا بشكل عام، الطبيب لا يركّز اهتمامه على الشخص بل على المرض، وهو بالتالي لا يمكنه أن يضع نفسه مكان السيّدة التي تقصده.. حتى ولو كانت الطبيبة أنثى فالموضوع غير مرتبط بالجنس . من هنا من الممكن أن نسجّل تعاطفاً مع المرأة المصابة لكن أحداً لا يمكنه أن يحيا معاشها . وتعطي نصر الدين مثلاً بسيطاً إذا كانت المرأة تعاني آلاما في ثدييها ما قبل الحيض، فهي أحياناً تشعر بأنها تعيش جحيماً لأنها غير قادرة على لمس جسدها ولا حتى على ارتداء ثياب معيّنة. فكيف الأمر مع مرض كالسرطان؟ . وتشير نصر الدين إلى أنه في بلدان كثيرة، يعمل الطبيب النسائي بالتوازي مع اختصاصيين نفسيين وجمعيّات هدفها دعم المرأة في هذا الموضوع. والفريق متكاملاً يدرس مباشرة الترميم، إذ هو ليس عمليّة تطال العضو فحسب بل أيضاً صورة المرأة.. حتى ولو كان الأمر مادة هلاميّة أو كاوتشوكاً أو أيّا كان.. لكن صورة الجسد لديها تعود لتتكامل . أما في لبنان، فالطبيب النسائي يشخّص ويحوّل المريضة بعد ذلك إلى متخصّص في الأورام أو إلى جرّاح مباشرة. وتلفت نصر الدين التي كانت قد تدرّبت ليس فقط على التشخيص وإنما أيضاً على الجراحة الى انه في دول أخرى كثيرة، الطبيب النسائي هو الذي يقوم بالعمل الجراحي.. فالثدي هو من الأعضاء النسائيّة . وعندما تقرّر المرأة إجراء ترميم، ينسّق الجرّاح الخاص بها مع جرّاح تجميلي. ويشدّد الطبيب المتخصّص في أمراض الدم والأورام، نزار بيطار، على ضرورة قيام الحوار المناسب مع المريضة والتركيز على أن الإنسان أقوى من المصيبة. ونحاول أن نشرح لها ولمن يرافقها (وفي غالبيّة الأحيان زوجها) أن الصحّة هي من الأولويّات . يضيف نعلم جيّداً أن ما من أحد يمكنه أن يستقبل المرض بالفرح وإنما بالغضب وبالرفض. لكن في مرحلة ما يصبح المرء مهيّأ لتقبّل الموضوع وطلب المساعدة التي نريد أن نقدّمها . ويؤكّد على أن ذلك يرتبط بنوعيّة العلاقة مع المريضة. وهذا أمر مهمّ جداً . ويشرح أهميّة النقاش مع المريضة وإعطائها إمكانيّة الخيار في بعض الأحيان.. مثلاً تلك التي تطلب عدم إجراء عمليّة استئصال كاملة، نحاول أن نجد لها بديلاً. لكنه من المهمّ أن نعلمها أن ذلك لا يمكن أن يأتي على حساب صحّتها ولا على حساب فرص شفائها . من جهتها، تقول المعالجة النفسيّة داليدا أبو كرم إن الأمر ربما يتطلّب تغييرا في النظام الصحّي في لبنان. هنا يعالجون الأمور من الجهة الطبيّة وحسب. هم لا يفكّرون بفحوى تأثير هذه الخسارة نفسياً على المرأة. هي تفقد جزءاً مهماً من جسدها: جزءاً له معنى كبير وعميق. لذا من الضروري أن يصار إلى توجيه المريضات في المستشفيات إلى المتابعة النفسيّة من أجل احتوائهن واحتواء قلقهن وخوفهن. فهن يشعرن بأنهن سوف يخسرن كلّ شيء مع هذه الخسارة. وهذا يرتبط بنفسيّة كلّ شخص على حدة . وتؤكّد أبو كرم أنه لا يمكن فصل الصحّة الجسديّة عن الصحّة النفسيّة. عندما يكون جسدنا عليلا، هذا يعني أن نفسيّتنا هي كذلك.. والعكس صحيح . صورة الجسد وتعالج أبو كرم صورة المرأة . تقول يلعب الثدي دوراً مهماً في ما خصّ صورة المرأة. وواقع أنها تعاني السرطان في ثديها أو أن تفقد هذا الثدي تعتبر كما أشرنا خسارة كبيرة. فالثدي هو أحد العناصر الأنثويّة بامتياز، التي عادة ما يتمّ التركيز عليها، ليس فقط كشكل بل أيضاً من الجانب الجنسي. فالمرأة تشعر بلذّة وبشهوة جنسيّة كبيرة من خلال ثدييها. وعندما يتشوّه الشكل، نتحدّث عن إصابة في الشكل وفي الشهوة على حدّ سواء . تضيف فتهتزّ صورة المرأة لديها ما يجعلها تشعر باضطراب معيّن، كما يخلق لها الأمر مشاكل في علاقتها بالرجل.. يخلق عندها عقدة وخجلا. لكن هذا يختلف إذا ما كانت متزوّجة أم لا. فإذا لم تكن كذلك، من الصعب عليها أن تقوم باتصال مع الرجال في المستقبل لأن ذلك سيخلق لديها حاجزاً . وتلفت إلى أنه عندما نتكلّم عن الخسارة، لا بدّ من الحديث عن الحداد (le deuil) على خسارة المادة أو الجسم. فعند خسارة أيّ عضو من الجسم (اليد مثلاً) ينهار المرء، فكيف إذا ما كان الأمر يطال عضواً أنثوياً بامتياز: عضوا أنثويا يحكم بأحد الأشكال علاقة المرأة بجسدها وبصورتها. فالنساء مثلاً يعلّقن أهميّة كبرى على الحجم.. كبيرين، صغيرين،... ونرى مثلاً النساء اللواتي يملكن ثديين كبيرين جداً كيف أنهن يحنين ظهورهن وأكتافهن عندما يسرن كأنهن يخبّئنهما بعدما شعرن بالخجل. أما المرأة التي تملك ثديين جميلين فتتبختر فخورة نفسها وتبرزهما بالوسائل المتاحة . وتتحدّث أبو كرم من الجانب الآخر عن الأمومة. فالثدي هو الذي يعطي الغذاء (sein nourrissant). وعندما يصاب، كأنما الأمر إصابة لوظيفتها كأم. فتهتزّ في أهمّ دورين في حياتها.. الأنثى والأم. وهنا يبدو الارتباك أو الاضطراب مزدوجاً. فالمرأة، إلى جانب الغذاء، تؤمّن التأثّر الأوّلي (l?affect) لطفلها. فالثدي ليس عضواً يؤمّن الغذاء وحسب، فالرابط العاطفي الذي يصل الرضيع بأمّه يأتي من خلال الثدي.. من خلال هذا الاتصال. وعندما تفقد المرأة ثديها في المرض، حتى ولو لم يستلزم الأمر استئصاله، فإن مجرّد إصابته يجعلها تضطرب بعمق . تضيف أبو كرم أنه كونها أنجبت من قبل أو لم تفعل، فهذا أمر يلعب دوراً مهماً. إن عيش هذه التجربة واختبارها يجعلان من الأمر يبدو إما أسوأ وإما أخفّ وطأة . وترى أنه مع التقدّم في العمر، حتى لو لعبت المرأة جميع أدوارها وعاشت أنوثتها وأمومتها، فإن الخسارة وإن كانت كبيرة جداً إلا أنها تكون قد استكشفت على الأقلّ هذه الميادين. لكنها بحال أصيبت بالمرض وهي بعد صبيّة، فهنا الصعوبة الأكبر والخسارة الأكبر، الأمر الذي يزيد من مخاطر إصابتها بالاكتئاب وبانهيار عصبيّ . وتقول هنا نصر الدين إنه إذا ما كان الحلّ في الاستئصال، ونتحدّث هنا عن الأقصى، فالقضيّة كبيرة جداً.. صورة الجسد سوف تتشوّه. ليس فقط جسدها بل أيضاً صورته. ستشعر ليس فقط بخسارة بل أيضاً بفشل. هي فشلت كأنثى. فالعضو الحميم، الثدي، هو فخر للمرأة.. إذا كان ثدياها صغيرين تقلق وتتساءل كيف أسير بين الناس وتحتار حول كيفيّة تكبيرهما.. إذا كان ثدياها جميلين تكون فخورة بهما. فأن يتمّ استئصال ثدي لديها، أمر يعتبر كارثة بكلّ ما للكلمة من معنى، كارثة تطال صورتها، معنوياتها وثقتها بنفسها كأنثى . وتعود أبو كرم لتشدّد على أهميّة التركيز على معاش المرأة.. فذلك يحكم تأثير المرض عليها. عندما يكون الجسد شاباً والمرأة شابة، بغضّ النظر عن اهتزاز صورة الأنثى التي بداخلها، أيّ مرض يصيبها قد يحدث اضطراباً، فكيف إذا كان الأمر يطال الأنوثة مشكّلاً عائقاً في العلاقة بينها وبين الجنس الآخر؟ أما بينها وبين نفسها، فهي عندما تقف أمام المرآة ترى نقصاً معيّناً ما يخلق لديها شعوراً بالفراغ على الرغم من الرِّمامة (prothese) وما إليها... فالأمر نفسي بامتياز . وتقول أبو كرم إنه مع وجود ندبة، قد تتمكّن المرأة من تخطّي الأمر من خلال العلاج النفسي، إذا ما تمّ العمل عليه بشكل مركّز. لكن الاستئصال الكامل يدخلنا في الخسارة والحداد . المتابعة نفسياً... أولويّة ويبقى الفراغ في الشقّ النفسي. فتشير نصر الدين إلى أنه حتى في عائلتها يحزنون عليها لكن أحداً لا يفكّر بحاجة المرأة إلى دعم نفسي. قلّة هم من يتوجّهن إلى اختصاصيّين نفسيّين . وتشدّد على دور طبيبها المعالج في الاستماع لها. ما هو العلاج النفسي؟ هو أن تجد المرأة من يستمع إليها، حتى تسمع هي نفسها بنفسها وتتعامل مع الموضوع بصورة أفضل. هذا هو المطلوب . وتتحدّث عن تقنيّات قد تساعد مثل العلاج بالفنون ومجموعات الدعم. والأخيرة مهمّة لأنه خلالها يتشكّل تضامنٌ في المجموعة يجعل المرأة ترى كيف تعيش الأخرى، الأمر الذي يمدّها بمعنويّات فتصبح هي بدورها قادرة على التعبير. هناك من يستمع إليها ويدعمها لأنه يعلم ما تعاني . وتؤكّد أبو كرم على الأمر فعندما يقع المرء في مشكلة يعتقد أنه بمفرده واقع فيها. ويشعر أنه وحيد ويضفي بعداً درامياً على ما يعيشه. لكن عندما يتشارك مشكلته مع آخرين يعانون المثل، يتغيّر الأمر باتجاه الأفضل ويحاولون مجتمعين إيجاد الحلول لبعضهم البعض. الأمر الذي يضع النساء في أمان فيتوقّفن عن القلق. لكن ذلك لا يلغي دور المتابعة النفسيّة على الصعيد الفردي . وانطلاقاً من اختصاصها النفسي العضوي، ترى أبو كرم أنه من الضروري البحث على السبب النفسي لكلّ حالة مرضيّة. إن النساء المصابات بسرطان الثدي يعانين مشكلة مع الأنوثة. يجب البحث وراء هذا السرطان أين تكمن تلك المشكلة مع الأنوثة. وهذا يتطلّب متابعة نفسيّة طويلة وتحليلا عميقا. فالمشكلة قد تعود إلى التربية، إلى علاقتها بوالدتها، إلى علاقتها بجسدها إذا ما كانت تتقبّله... سرطان الثدي ليس مجرّد مرض، هو أبعد من ذلك بكثير. لماذا أصيب الثدي وليس عضواً آخراً؟ لذلك تفسير ومعنى. كما هو الأمر بالنسبة للأشخاص الذين يعانون مثلاً آلاما في الظهر أو في العنق. لكلّ ألم مسبّباته إذ لكلّ عضو من الجسد معنى . تضيف هناك نساء معرّضات، لكن من خلال علاج نفسي مناسب قد يتمكّنّ من تحاشي الإصابة. بالنسبة لي، سرطان الثدي هو عارض وليس مرضاً. فسرطان الثدي يحمل عارض العلاقة بين الأم وابنتها . وفي هذا المكان، تصبح هناك إعادة إحياء لجميع الصراعات التي عاشتها المرأة مع والدتها. فعلاقتها بأمها أساسيّة، كذلك علاقتها مع ثدي الأم وكيف عاشت مرحلة الرضاعة عندما كانت طفلة وكيف هي تعيش اليوم أنوثتها. فالنساء لسن جميعهن منفتحات أو ناضجات على مستوى أنوثتهن، وفي ظلّ التربية السائدة في مجتمعاتنا نتساءل إلى أيّ مدى تمكّنت المرأة من استكشاف أنوثتها وعيشها؟ . وتعلّق هنا نصر الدين قائلة إنه ليس من قبيل الصدفة أن الأسباب المشجّعة لسرطان الثدي لها علاقة بالإنجاب وبالإرضاع، حتى ولو كان الجدل ما زال قائماً حول ما إذا كان الإرضاع يحمي الثدي من السرطان. لكن المرأة التي لا تنجب أو التي لا تعيش أمومتها معرّضة أكثر لتطوير سرطان ثدي. علمياً، لأن جسمها يتعرّض أكثر لهورمونات. لكن ذلك ليس سبباً كافياً. فعندما تكون حاملاً، في جسمها أيضاً هورمونات نسائيّة. إن القضيّة تتعلّق بكيفيّة عيشها لأنوثتها. هناك بالتأكيد أسباب وراثيّة أو استعداد وراثي، لكن شخصياً أعتقد أن هناك أكثر من العامل الوظيفي أو الفيزيولوجي.. هناك عوامل أخرى اجتماعيّة نفسيّة علائقيّة وهي تتوارث من جيل إلى آخر . الطبّ لمرافقة المصابة لكن، قبل التفكير باللجوء إلى أيّ متابعة نفسيّة، إذا ما كانت هناك نيّة أو استعداد لذلك، تقصد المصابة بسرطان الثدي وبعد تشخيص المرض، اختصاصي الأورام إذا لم يتمّ تحويلها مباشرة إلى طبيب جرّاح. وهذا الاتصال، بعد ذلك الذي يكون مع الطبيب النسائي، يأتي مهماً جداً. فالمرأة المضطربة بحاجة إلى من يساعدها على تخطّي مخاوفها وقلقها. ويقول بيطار بحسب ما نشاهده، كلّما كانت المرأة أصغر سناً كلّما كانت الصدمة عليها أكبر. فبالنسبة لها، الثدي عنصر فخر وثقة. في البداية هو جزء من أنوثتها وجمالها وهو يتحوّل في ما بعد إلى جزء من وظيفتها كأم. لذا، فإن نظرتها إلى الثدي تشكّل شيئاً مهماً جداً بالنسبة إلى أنوثتها . ويشير إلى أن كثيرات هن النساء اللواتي يخضعن لعمليّات تجميليّة بعد الإنجاب والإرضاع لإعادة إصلاح ما كان. الثدي هو عضو مهمّ جداً في حياة الأنثى وفي توازنها النفسي . يضيف عندما تصاب المرأة في سنّ مبكرة يختلف الأمر عن إصابتها في سنّ متقدّمة، مثلاً بعد الخمسين وبعد انقطاع العادة الشهريّة وقد أنجبت عدداً من الأطفال. لكن ذلك ليس قاعدة، فكثيرات هنّ اللواتي يرفضن الأمر كما يرفضن العمليّة الجراحيّة .ويوضح بيطار أنه عندما نتحدّث مع امرأة في الخمسين عن استئصال الثدي، بعد شرح الوضع، تتقبّل المسألة وإن بتحفّظ. لكن إذا ما كانت صبيّة فالحوار يختلف وكذلك المقاربة والتعاطي معها. الجرّاحون هم الذين يستقبلون عادة المريضة في البداية إذ إن الجراحة هي العلاج الأساسي، لكن في حالات كثيرة يعاين اختصاصيو الأورام النساء قبل الجراحة . ويشرح أنه في أحيان كثيرة، قبل البدء بالجراحة، لا يستطيع الجرّاح أن يجزم إذا ما كان الاستئصال سيكون جزئياً أم كاملاً. فتستفيق من العمليّة وقد استئصل ثديها بأكمله. لذا هناك عمليّة تحضير نفسيّة تقوم حتى تستوعب المريضة الصدمة. فالتحضير قبل العمليّة يساعد كثيراً إذا ما خصّص الطبيب لها الوقت اللازم لشرح المرض وخطورته وكلّ ما قد ينتج إذا ما تمّ الاستئصال . ويلفت بيطار إلى أن المحاولات اليوم تتّجه إلى التقليل من الخسائر الجسديّة والنفسيّة على حدّ سواء. مع تطوّر الجراحة، راحوا يستأصلون الورم دون أيّ شيء آخر، بعد أن كانت العمليّة من قبل مروّعة وينتج عنها تأثيرات سلبيّة مضرّة بنوعيّة الحياة. ويعود هذا التطوّر إلى أسباب عديدة مثل الكشف المبكر حيث يتمّ اكتشاف الورم صغيراً ما يسمح باستئصاله دون أيّ شيء آخر. أما في ما يتعلّق بالعقد اللمفاويّة (تلك التي تعرف بغدد تحت الإبط)، كنا نعمد قديماً إلى استئصالها بشكل كلّي، لكننا اليوم نعمد إلى استئصال العقد المصابة دون غيرها، الأمر الذي يؤدي إلى مضاعفات أقلّ . يضيف وعندما تأتي المرأة وهي تعاني ورما كبيرا نسبياً، يمتلك الطب اليوم أدوية وعلاجات كيميائية جديدة تمكّننا من إعطائها قبل العمليّة الجراحيّة لتحجيم الورم ما يسمح بإجراء عمليات استئصال محدودة. وهذا الأمر يطبّق على الأورام التي تتخطّى ثلاثة أو أربعة سنتيمترات . لكنه يعود ليشير إلى أنه لعمليّة استئصال الثدي الجزئي أصول ولا يمكن تطبيقها عند جميع المريضات. فهي تصلح للورم الصغير بالمقارنة مع حجم الثدي حتى نتمكّن من استئصال الأنسجة المحيطة، ويؤكّد أن الجراحة هنا هي فنّ أما المجازفة فممنوعة. ومن الضروري أن يكون الجرّاح واثقاً من الخطوة التي يقدم عليها وأن يكون هدف العمل الطبّي الأوّل صحّة المريضة.. وإعطاءها الحظّ الأكبر في الشفاء . ويشدّد على أن التجميل لا يأتي على حساب الصحّة. لكن إذا ما كانت الصحّة مؤمّنة مع عمليّة تجميليّة فنحن نذهب إليها . بعد استئصال الورم أو الثدي، بحسب المقتضيات، يأتي دور جراحة الترميم التي على عكس ما هو شائع لا تأتي لأسباب كماليّة .. إنما كضرورة للشفاء الذي كان قد أجمع أهل الاختصاص على شقّيه الجسدي والنفسي. ويشير هنا المتخصّص بجراحة التجميل والترميم أشرف حمدان إلى أن عمليّة الترميم تعود طبياً إلى المخطّط المعدّ لما بعد عمليّة الاستئصال وإذا ما كانت المريضة سوف تخضع أم لا لعلاج بالأشعّة. ويقول عندما تكتشف المرأة السرطان في ثديها، تكون في حالة صدمة. لكنها يجب أن تتنبّه إلى سؤال الطبيب الجرّاح عن إمكانيّة إجراء جراحة ترميميّة مباشرة. وإذا لم تكن هي قادرة، فذلك واجب على الأهل . ويشرح أن الترميم المباشر بعد الاستئصال يوفّر على المريضة تشويه مناطق أخرى من جسدها ويسهّل العمليّة جمالياً ونفسياً . ويلفت إلى أن المرأة التي تكون مهدودة ومحبطة بعد عمليّة الاستئصال، غير قادرة على اتخاذ قرار. لذا، إما أهلها يقرّرون عنها أو نحن. فهي لا تريد سوى الخروج من الحالة . لكنه يوضح أن الترميم قد يكون مؤجّلاً إلى حين الانتهاء من العلاجات الملحقة.. وهذا أمر قد يؤثّر سلباً على نفسيّة المرأة التي فقدت ثديها . وهنا لا بدّ من الإشارة إلى أن عمليّة الترميم غير مغطّاة في لبنان لا من قبل صندوق الضمان الاجتماعي ولا من قبل شركات التأمين.. فالنظام الصحّي ما زال يعتبرها مكمّلة تجميليّة. لسن كثيرات النساء اللواتي وثّقن شهادات حياة بعدما فقدن شيئاً من أنوثتهن وقد أصابهنّ سرطان الثدي. لكن هؤلاء حاولن مساندة بنات جنسهنّ في تخطّي ما يمرنّ به وتقبّل الخسارة وذلك في سير ذاتيّة ركّزت على اختلال صورة الجسد. رجال عدّة، من الصحافيّين أو غير ذلك، ساهموا في صياغة بعض تلك التجارب. فالخسارة وإن كانت جوهريّة للمرأة وشخصيّة إلا أنها تطال الرجل أيضاً. تلك المحاولات، جميعها، أتت غربيّة . ففي مجتمعاتنا الشرقيّة، والعربيّة تحديداً، ما زال الحديث عن صورة الجسد بالنسبة للمرأة من المحرّمات. هو كذلك وإن كانت المظاهر بكافة أوجهها توحي بغير ذلك.. فعرض النهود على الفضائيات (على سبيل المثال لا الحصر) لا يعني تصالح المرأة مع جسدها ولا مع صورتها كأنثى. [email protected]

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة