لا أدري إذا كان من الطبيعي أن نذهب إلى كازينو لبنان، مساء الأربعاء 13 شباط، وسط كل تلك الريبة المتنقلة بين زوايا البيوت والشوارع المؤدية إلى ساحة الشهداء، والضاحية الجنوبية. لا شك في أننا كنا في حاجة إلى جرعات من الجنون حتى نعبر تلك المسافة، التي تمتد من أقصى أحزاننا وقلقنا وخوفنا من انفجار قد يحدث بين لحظة وأختها، إلى أقصى حالات الرقص الآتي من طواحين باريس الحمراء، وكاباريهات الأنوثة الفائضة، وعروض الليدو التي تسمرنا أمام لألأة الأجساد الحارة ولألائها. إنه الجنون الذي يتماهى مع عنوان العرض الراقص الذي قصدناه، في الكازينو، والذي يحمل عنواناً من النسيج نفسه: حتى الجنون ( A LA FOLIE) كنا نظن أن العشاق، في عيد فالنتاين، ناموا فوق أحزانهم، وتأبوا السفر مع الورد الأحمر في تلك الليلة المخيفة. هم تأبوا الساعات المتأخرة من الفجر فقط. حتى عشاق القمار في الكازينو لم يبيعوا عشقهم لأشباح الخوف، فامتلأت القاعات خسارة وربحاً. يأتي رقص الكاباريه من باريس، بل يستمر كازينو لبنان في معاندة الوضع السائد، فلا يكسر سلسلة برامجه، ولا يحرق تلك المساحة المختصة بالفن و الفرفشة ، ليبقى جزيرة نائية عن مآسي البلد. ليس هذا مديحاً ولا ذماً، إنه الواقع. وكان للكازينو نصيب من جولة تلك الفرقة الفرنسية على العالم، وكانت لنا حصتنا من الريش والقبعات والأقمشة البرّاقة، والأزياء الفاتنة المبتكرة، والعري الفاضح الذي يتحدى رجولتنا كل لحظة، مثلما يتحدى أذواقنا ومشاعرنا وفتنتنا المتقلبة على نيران الأجساد. العرض الذي يستمر لغاية 24 الجاري في صالة السفراء في الكازينو، هو من إخراج وإعداد الراقصة وأستاذة الرقص الفرنسية ناتالي تورنير، التي تتابع تقديم عروض فرقتها منذ سبع سنوات على مسارح العالم، بنسبة 150 عرضاً في السنة. المهم، في أي حال، هو عرض الكباريه هذا الذي اتخذ، كما هي العادة، صفة العرض التعددي الذي تتداخل فيه فنون الاستعراض، من الغناء والموسيقى ولعبة الإضاءة، إلى الرقص وحركات الأكروبات، وقد استثنى هذا العرض فقرة كثيراً ما تكون من بهارات الطبخة الفنية تلك، وتتضمن ألعاب الخفة والسحر وما في هوامشها. أربعة راقصين وثلاث عشرة راقصة تناوبوا على المشاهد، وارتسموا في اللوحات التي قدمتها تورنير. فالأنوثة هي المطلوبة في مثل هذا المقام، ويكفي هذا العدد من الرجال لإثارة غيرتنا. تكفي أجساد الراقصات كي تربطنا بحبالها، بل بحبائلها. فمثل هذه السهرات تكون مفخخة بالكثير من الإبهار الذي ينفلق أمامنا بين الحين والآخر. والتكثيف الذي اعتمدته المخرجة ومصممة الرقص الفرنسية، في المشاهد التي أرادتها أن تكون على درجة عالية من الدينامية، هي التي رفعت حرارة المسرح، وجعلت العيون مشدودة، على امتداد أكثر من تسعين دقيقة، إلى الحركة التي تنبض بالألوان والأجساد الحية فوقه. فتنة الإغراء واحدة من الفتن التي أرادتها تورنير، فالأزياء، بعيداً عن الريش والفرو والأكسسوارات التي تعوّض غياب القماش عن الأجساد في أكثر المشاهد، كانت مسكونة بلمسات حساسة تطمح إلى الابتكار والتجديد والإبهار، ليس بألوانها، بل بقصاتها التي تعرف كيف تكشف عتمة الجسد وتستر كوامن اللذة في آن معاً. الأزياء تلك كانت ترحل مع الموسيقى والأغنيات، مرة إلى باريس، وثانية إلى لاس فيغاس، وثالثة إلى ريو دي جينيرو، ورابعة إلى الأمازون... والجنون يستمر في طول المسافة وعرضها. إلا أن الرقص كان يخطئ الموسيقى أحياناً، خصوصاً عندما جرّب الراقصون الدخول بأجسادهم من بوابة الشرق، ولم يستطيعوا أبداً التقاط روح الرقص الشرقي، ولا التماهي مع إيقاعات الطبيعة الشرقية. هنا كانت ضحكتنا واسعة واستفقنا على خطأ مغامرة الكوريغراف، واعتبرنا ذلك مزحة عابرة. إذاً، تكرّ مشاهد الكاباريه أمامنا، وتتشابه الأجساد، لكن المرأة نفسها تستطيع أن تستدرج دهشتنا كل مرة، والهزّة التي يحدثها جسدها يمكن أن تستمر تردداتها أكثر من 15 يوماً. وإذا كان تحدي هذه الفرقة بمقدار جرأة التعرّي، فإن فن التعري كان أكثر أثراً في المُشاهد، من صدور الراقصات التي تحدّت الضوء، وقلما بقيت في عتمة السوتيانات. وبما أن اللعبة تقتضي كشف المستور من الصدور، فحبذا لو تم اختيار أجملها لحفلات السهر هذه.