As Safir Logo
المصدر:

ساحة الشهداء تمتلئ على مهل: حضور شمالي طاغ... والمطر يفرّق ويجمع!

ساحة الشهداء تحت المظلات
سفير إيران في الرابية... وشكراً سورياً
المؤلف: الاطرش رشا التاريخ: 2008-02-15 رقم العدد:10924

تأخروا. مرّت ساعتان على موعد بدء التجمع في ساحة الشهداء لإحياء الذكرى الثالثة لاغتيال الرئيس رفيق الحريري، وأزف انتصاف النهار. ما زالت الساحة ساحتنا، والشهداء شهداؤنا ، لكن المداخل مفتوحة على تدفق بشري بطيء إلى الفضاء من حول التمثال، والساحات الأصغر في محيطه، إن لجهة بيت الكتائب والبحر المرمّد بالغيوم أمس، أو صعوداً حتى جدار الفصل عن اعتصام المعارضة، أو من صوب بنك البحر المتوسط ومركز بيال . قافلة القوات اللبنانية تنزل سيلاً من الأشرفية، وصوت رئيسها المسموع عبر الميكروفون يوجه تحركها: على الشمال يا شباب! من هون المفرق! . حوالى النصف ساعة يستغرقها التفاف هؤلاء وحدهم، على زاروبين، قبل الوصول إلى المدخل البحري. كتير غلط التدابير الأمنية السنة ، يبادر أحد المراقبين من علٍ. هيك بدو الجنرال (عون) يجيبه قريب ضاحكاً. مين؟ ليش هذا بعده طيب حتى نحكي فيه؟ . ليس أسهل من رصد شارة الصحافة : أنت صحافية؟ ما تقولي ما في ناس. كلهم علقانين على الطريق من المطر والعجقة . الجميع يحكي عن رداءة الطقس، وكيف أن طريق ضهر البيدر كانت مقفلة بالثلج في الصباح الباكر، فيما بعض المواكب السيارة عالقة في زحمة السير. الإجراءات صعبة، المداخل محدودة. جديد هذا العام من لبناننا لن ينالوا... الرئاسة الآن . لا لسوريا لا لأميركا، نعم للبنان لبنان . لافتات، صور الشهداء، والأعلام اللبنانية، برفقة رايات الاشتراكي و المستقبل و القوات و الكتائب المعهودة، تماشي تحليق بالونات حمراء وبيضاء وخضراء. المشهد السنوي ذاته، تقريباً. لكن العين لا تيأس من التقاط جديد: صورة للبطريرك صفير تقول إن ضمير لبنان لن يهزه طويل اللسان . وهناك أعلام بكر ، تلوح بال التكتل الطرابلسي على خلفية زرقاء غامقة، وب أفواج الشمال مع تأكيد أنهم ملتزمون بخطين زرقاوين وأرزة وغصن زيتون. انضباط مكتوبة على لفافة زرقاء حول زنود العناصر بالزي الكحلي الموحد. بادجات لوجهه مفرّغاً، بالفضة أو الذهب، كلمعة مضافة هذا العام. أما الذروة فيافطة طولية تتلو هذه الصلاة : أبانا الذي في طهران، فليتمجّد اسمك، ليتأله نصرك، لتكن مشيئتك، كما في إيران كذلك في لبنان، أموالك النظيفة أعطنا اليوم، واغفر لنا ذنوبنا، كما غفرتها لمن هجم علينا، ولا تدخلنا إلا إلى بعبدا، لكن نجنا، آمين . على الوجه الآخر لليافطة صور فواكه وسعر الكيلو. لا يقفزن أحد إلى استنتاج الأزمة المعيشية، فهنا قفشة يشرحها الشاب حاملها: تفاحة خضراء هذه للمردة عرفت علي؟ : 1200 ل.ل. موزة لحزب الله : 1000 ل.ل. ليمون للتيار الوطني الحر : 30 ليرة فضة (!). بطيخ لحركة أمل: 600 ل.ل. يبقى التمايز بالفضة لغزاً لا يقدم له الشاب جواباً. المطر بلا صوت. يقع على أجساد متدثرة ب معاطف نايلون . احتكاكها يصدر خرمشة. والشاب فوق مرتفع خشبي ما زال يرمي على الناس الأكياس البلاستيكية الموضبة في مربعات بحجم الكف. يحرقص الناس الملوحين بالأيدي في الأسفل. يتأهب ليرمي ولا يرمي. يضحك ويضحكون، إذ ما زال للهواء وبعض المرح مجال بين الأجساد. امتداد الأرض من حول تمثال الشهداء يتمهل ليمتلئ، وهذا ما سيتم قرابة الساعة الواحدة. سيتطلب المرور من هناك ما لا يقل عن عشرة اعتذارات ومئة لكزة من كوع يحاول أن يبقى ودوداً. لكن إمكانية التنفس، بقُطر يناهز الأمتار العشرة للفرد، تبقى ممكنة في دائرة على بعد خمسمئة متر تقريباً من نُصب الشهداء حيث ترفرف أعلام السعودية وفرنسا، ومعهما العلم الوطني و المستقبل و الاشتراكي وراية بشعار الجيش. شجّع لبنان عندما يصل الحشد إلى ذروته، إلى المئة أو المئتي ألف شخص، يخيل إلى المرء أن نصفه زحف من شمال البلاد، فيما النصف الآخر مزيج من الاشتراكيين والقواتيين. لعل نصف الجمهور المؤطر بفواصل حديدية تجعل المساحة المخصصة للاحتفال تبدو أصغر من العام الماضي يحكي لهجة شمال لبناني طيب ويرتدي تعبه الاقتصادي. الشاب خالد حسن ماضي، من المنية، جاء في موكب من 16 سيارة، دون مقابل، ومنا للحريري . عمره 23 عاماً، ترك المدرسة منذ صف السيكوند . ماذا يفعل في الحياة؟ اشتغلت بورش عمار. وهلق؟ بعمل إني بفتش على شغل، من الإثنين إلى السبت، والأحد برتاح! . أما ليلى الخضر، من عكار، فتصور بكاميرا فيديو صغيرة أخوتها الصغار وأولاد الأخوة، على خلفية التجمع. زوجها عسكري لا يستطيع المجيء. تصور له، ولأمها وأبيها المسنّين. مراهقة محجّبة، مع ليلى، رسمت على وجهها ألوان العلم اللبناني وشعار المستقبل : أنا الماما ما قدرت تجي لأنو ما فيها تترك أخي الصغير، بتعرفي شو اسمو؟ سعد الدين! . ادخرت الاسم لنهاية الجملة، كالمفاجأة السعيدة. ضحكت من قلبها، قبل أن تطلق هيصة على قول عريف الحفل في مكبّر الصوت: ليبقى الوطن بجيشه البطل... لن نسمح أن يكون جيشنا وقوانا الأمنية في مرمى الاستهداف والتحرش.. . رجلان. وهيب محمود وجهاد نويهض، من راشيا الوادي وعاليه. وهيب رجع من لندن قبل عامين حيث كان يملك صالون حلاقة: رجعنا تنحب لبنان، لاقيناهم عم يخبطوا بعض. ندمان؟ يمكن اقتصادياً، منيح ما صفيت كل أشغالي بلندن، لكن جبت ابني وابنتي على المدرسة والجامعة حتى يتعودوا على تقاليدنا ويتزوجوا من لبنان . يريد وهيب أن يكون مستقلاً . يرفض الحرب مع أنه، أو لأنه، شارك فيها ضمن الحركة الوطنية، وإذا بدك فيكي تقولي بال(الحزب) التقدمي . والخلاصة عنده سؤال: كيف اتفق مع حزب الله أو (الحزب) القومي إذا كان مشروعه عكس الاستقلال؟ بدنا نظل نقول نحنا خاصرة سوريا؟ . يقر جهاد بأن الخطاب السياسي هذا العام كان عالياً، لكن المهم أن المحتل (السوري) خرج، وهلق صار وقت الضغط ليجيبوا رئيس . روني (12 عاماً)، ابن جهاد. يلتف بغطاء الاشتراكي ويتحلى بروح الفريق: أنا جايي شجع لبنان . عندما يكبر يريد أن يصبح أي شي ما عاد نائب.. لأنو في كتير اغتيالات وتدخل بالسياسة . إنها ممارسة النشاط السياسي مع مقت السياسة في الوقت نفسه. لعله على حق، وتوصيفه أدق. تمشي قليلاً. لا يتخلى البعض عن طموح تسلق أعمدة الإنارة. عريف الحفل يناجي الآن الرئيس الشهيد: أردت لبنان مستشفى الشرق فأرادوه عصفوريته...! . عصفوريته؟! حسناً.. ربما. هذا ضياء قرقوط (15 عاماً). أتى مع موكب رأس المتن قرنايل، حمانا. رغم العطلة، تعلو ظهره شنطة المدرسة، منتفخة بأغراض غير معروفة. لكن الخبر خارجها، بخط مصحح الحبر الأبيض. يشرح ضياء أنه قول لكمال جنبلاط: إن الحياة انتصار للأقوياء في نفوسهم لا للضعفاء . ثم... بوتيمور لا تعتل هم، عندك رجال بتشرب دم . جاء ضياء اليوم لأنو بدنا سلام، مش كل شوي انفجار وقتل. بدنا المحكمة الدولية ، وكمن تذكر: ايه، وسلاح حزب الله مع الدولة . أما نجار الموبيليا، أحمد محمد الشيخ من عكار. فقد جاء ليقول للشيخ سعد شكراً لأن تيار المستقبل أدخل ابنه إلى المستشفى على نفقته، وهم جايين محبين للحريري لأنه يمثلهم، وبيقولوا من دونه شو منعمل؟ . هكذا، يسمح لنفسه بإيصال عتب : يجب أن يعينوا مسؤولين أقرب من الناس في المناطق. ليس اليوم فقط يوم العطلة بالنسبة إلى أحمد. لقد جرح إبهامه جرحاً بليغاً، أثناء العمل. الخيوط الطبية السوداء بادية، ترتق اللحم المتورم، 12 يوم معطّل، وبالمصاري كأني معطّل أربعين يوماً . القمصان الحمر في الساحة الأقرب إلى بيت الكتائب ثلاثة رجال، لا تموههم الحشود الطاغية. علاماتهم الفارقة لن تراها مكررة في زاوية أخرى من زوايا إحياء الذكرى هذا العام. في المحيط القريب، فتاتان تتمشيان بعلم لبنان مزيناً بالمنجل والمطرقة، وعلم كلّه وجه تشي غيفارا. القمصان حمر بلا شك. الحزب الشيوعي اللبناني ، وهم من البقاع. الحزب الشيوعي؟ أكيد، بس حركة الإنقاذ ، ويستدرك بسرعة يعني أكيد مش هيدوليك . يؤكد أنهم ليسوا الوحيدين، وأن الرفاق على الطريق من الجنوب والجبل والشمال. لكن أحداً لم يكن قد ظهر حتى بعد ساعتين، عندما مررنا بهم في طريق الخروج. المقاومة طريق الاستقلال وهذا مكان الاستقلال ، يقول ناجي مسعود، ويهز الشاب الضخم إلى جانبه رأسه موافقاً. نظارة شمسية، وعضل الزندين ضخّ فيه قوة لا بخل فيها. تحت شادر أبيض صغير تجمعت جمهرة صغيرة اتقاء للمطر الذي هطل أغزر قبيل الساعة الواحدة. خالد حسين من بلدة الدلهمية البقاعية، أتي وصديقه... والنارجيلة! يستمتع بتدخينها، رغم ازدحام يزيد. شاب عكاري يتعرف على الحاجة في الخلف. هي من قب الياس. يدعوها، بكثير من الصدق، أن اطلعوا معنا على الضيعة، على قب الياس ما بتوصلوا بساعات. بتناموا عنا وبتسربوا بكرا. نحن عكارية وبيوتنا واسعة يا حاجة . ضيافة المناطق في وسط بيروت، حبور متبادل. يكمل الحديث خفيفاً. ليك هالشتي ، تقول الحاجة. تردّها قريبتها هذا الأستاذ حسن داعي علينا حتى ما ننزل! . صبية تتدخل: لكن هم أيضاً عندهم اليوم تشييع لواحد مات ... بس على حظم بتصحى بعد الظهر . هو التضامن معكوساً. تجمعهم مصيبة الطقس، ثم حتى هذه تفرقهم. العريف: إنه أول من قال ارحلوا.. . يهتف أحدهم تحت الشادر: اسمعوا، اسمعوا وليد بيك! أهضم شي وليد بيك . على بعد أمتار قواتي يلوح بعلمه الكبير: الله يحميك، الله! . لا تتحرك الأعلام والحناجر لأحد كما تتحرك لجنبلاط. ما زال نجم التظاهرات بلا منازع. في طريق الخروج، الحاجات يتبادلن الحديث باللهجة الشمالية ويعبرن شارع الجميزة المقفر. مرورهن من أمام الحانات الخاوية يحصل ككسوف الكواكب، مرة كل جيل. خلفهن مجموعة قواتية، وإلى الوراء شابان وفتاة كلامهم بالإنكليزية. الكل على الأقدام للبحث عن سرفيس أو السؤال عن مواقف الباصات، وين صار سبينيس؟ يسأل غريب عن المنطقة. العريف: صرتم مليون. وهناك ونصف مليون على الطريق! تصفيق وتهليل. الرقم تفصيل. الروحية عنوان.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة