لغياب الروائي فؤاد التكرلي، في ظل ماتعيشه الثقافة العراقية من عسر حال وتدهور مريع، حزن مضاعف، فاطلالته عبر مقال أو ندوة أومهرجان يسد عازة، ويروي من ظمأ، بل ويذكر بماضٍ كان يتصاعد بلا هبوط إلى الأعلى، في الخمسينيات والستينيات من تاريخ العراق المعاصر، وأن الجذور مازالت طرية، وستورق من جديد، بعد كشف غمامة العنف والفساد، وأن يُبعد عن إدارة الثقافة شرطي أو خطيب مسجد أو مداح فقهاء. سمعت التكرلي يتحدث يوماً عن تجربته، في ندوة عُقدت لأجله، يوم حمل صفحات أول رواية يفتش عن ناشر ينشرها، فالقاضي لم يُعرف كاتباً أو روائياً بعد، وكانت مجلة الثقافة الجديدة ببغداد، وعندها قال له موظف الإدارة، الذي يجهله، لاتنشر المجلة لمَنْ هب ودب ! ولابد أن تُعرض روايتك على المسؤول! ولما سأله عن الاسم قال له: علي الشوك! ومن حينها ولدت صداقة، تُعد من فرائد الصداقات، بين الكاتبين، استمرت عبر السنين وعبر تباعد المسافات، وحتى وفاة الروائي والقاضي. لم يرتبط فؤاد التكرلي بحزب أو أي جامعة سياسية، إلا أنه يعترف بميول تقدمية ويسارية بمعناها الثقافي والفني. هذا ما سمعته منه في واحدة من الجلسات الحميمة والغنية. وبهذا، وكونه قاضياً أو حاكماً، حسب تسمية أهل العراق للقضاة، لابد أن ينعكس ذلك على الآراء حوله، من حاسد أو متضرر من القضاء لأمر جنائي أو سياسي. إلا صديقه علي الشوك يعترف له بأنه حاول العون، في زمن تعد فيه ابتسامة القاضي أو عدالة حكمه جريمة ضده، إنها دولة البعث؟! وحسبك من شدة وقسوة. ولا أخفي، أنني أعد فؤاد التكرلي من الرموز العراقية، التي يكفي حضورها إضفاء الزهو على المكان والزمان، لذا حاولت بكل تعدٍ وتجاوزٍ أن أمنع مناقشة على هامش ندوته لما سمعت أن أحدهم يريد التعرض له، وجرحه، وكأني عطفت على الروائي لاتزانه وهدوئه وتهذيبه! ونسيت أن صاحبنا كان قاضياً، لابد أن غضب وتصرم ضد مجرم أو بريء، ولابد أنه لبس سلوكاً آخر، وهو يجلس إلى منصة محكمة التحقيق، ويسمع صرامة الصوت والنداء على المتهم! وسمع بكاء أم ونحيب أخت وزوجة، وتعامله مع الشراسة بشراسة القانون وجبروته! لا أدري، إلى أي مدى أفاد القضاء فؤاد التكرلي الروائي، لكثرة ما مر عليه من قصص المجتمع، من خفايا الأحياء الشعبية، وما تعلق في ذهنه من دراما تلك الحكايات. قرأت له، كغيري من آلاف القراء المعجبين: الرجع البعيد ، و المسرات والأوجاع . وكم كان في الأولى شجاعاً في زمن القسوة، وهو يعيش فيه، ويمارس القضاء وكتابة الرواية. ولا أدري أيضاً، بما أفسر روايته القصيرة بصقة في وجه الحياة ، ذات القوام الأقل حبكاً، والزفرة الأشد، وما يظهره عنوانها من حدة مخفية لدى الروائي الذائب في سكونه واعتداله! إلى الحد الذي تعد به كلامه همساً. ظل فؤاد التكرلي منحازاً في تعامله إلى إرث ارستقراطي، في منطقه وسلوكه، صداقاته وخصوماته، لكن ليس تلك الارستقراطية المنتفخة بعزلتها وتعاليها، والارستقراطية، كما هو حال عراق الخمسينيات، كانت لباس القائمقامين والقضاة، وكان صاحبنا قاضياً، بل ومن عائلة ذوات، وكبار موظفين. إلا أنه ظل محافظاً على التوازن، في نظر القراء والأصدقاء، بين فؤاد القاضي وفؤاد الروائي، الذي ضمن رواياته هموم طبقات أخرى. وعود على بدء، فقدنا التكرلي في زمن بحاجة إلى حضور أمثاله، وبحجمه، وترى الثقافة العراقية تحترق في سوق المتنبي، ويقف المثقف أعزل وسط الجيوش المدججة بأسلحة النار والفتاوى. هذه كلمة قصيرة وسريعة قد لاتفي أو تصلح رثاء لفؤاد التكرلي!