As Safir Logo
المصدر:

الأزياء جزء هام من الخيال المسرحي .. ماذا يفعل مصممو الأزياء في لبنان؟ نحدّث الزي التاريخي ونضع الزي الراهن في إطار جديد

من مسرحية أليسار لكركلا
من آخر أيام سقراط للرحابنة
المؤلف: جابر عناية التاريخ: 2008-01-28 رقم العدد:10908

ثمة حاجة غلابة للعين، لإدراك المبهر، وغير المألوف، والمدهش، الجمال يكسر التوقعات، ويبعث الإثارة الدائمة، والانفعالات التي تستيقظ لدى تأملنا لوحة بصرية مبهرة. لقد اعترف المسرح بوجود ما يمكن تسميته بفتنة الأزياء أو الملابس التي تزيد من جاذبية العروض النص، الإخراج، التمثيل وتعمل على إثارة خيال المشاهد ليس بعيداً عن العناصر الأخرى التي ذكرنا بل لمصلحتها وفي شروطها الى النجاح. ثمة إذاً، ما يدعى شهوة العين وهي المتعة البصرية المتعلقة بالبحث عن الجمال والانجذاب نحو الألوان، زهوها وتوهجها وانسجامها، وهي تقف حالياً جنباً الى جنب مع ما يسمى حب الاستطلاع العقلي، المتعلقة بفكرة العرض وبعمليات تجسيم الصوت الحديثة، وبالموسيقى وبصورة العمل المعروض وعمقها وغير ذلك من المؤثرات. الأعمال الراقصة أكثر من سواها، المسرحية والسينمائية بشكل أقل تحتمل أو يقع عليها مثل عبء هذه العمليات البصرية الفاتنة والمشاهد الهائلة المبهرة. في المسرح الغنائي من أزمنة بعيدة، غير أنها ما لبثت أن انتكست بانتكاس الظروف اللبنانية. ولو أن انتكاستها طورتها بمعنى من المعاني على الصعيد التقني. هكذا غابت أعمال طبعت باسم وليد غلمية في الستينيات، وهكذا راوحت أعمال أخرى في مساحات المهرجانات، في حين استمرت تجارب قليلة. وباستمرارها راحت تستدعي كل عناصر المعاضدة والحماية الفنية والجمالية، وخصوصاً الملابس التي لم تعد كاموفلاج حين أضحت واحدة من عناوين الجودة الفنية بالمعنى الوظيفي للكلمة. من لا يتذكر المطربة صباح في إحدى مسرحياتها الغنائية، وهي ترتدي فستاناً حزيناً بأشرطة ولمبات كهربائية ضجت بأنوارها كما ضجت الناس بالكلام عنها في تلك المرحلة. لم تحز الثياب في الأعمال المسرحية الدرامية والراقصة هوية محددة في الماضي. كانت لزوم ما يلزم، وكان لزوم ما لا يلزم. سيان. لم تمحض الثياب أصولاً معرفية، بقيت بحوثاً غائرة في المشهد الكبير، وتفصيلاً هامشياً فيه. الآن، أنجزت الثياب حضوراتها كمشاريع واعية فوق منصات نهضوية. أضحت الثياب صاحبة مقولة مؤثرة ومحاكية للمراحل التاريخية والظروف الراهنة في هذه الأعمال وتلك. ولعل الأبرز في هذا المجال تجربة الرحابنة وتجربة كركلا وتجربة روميو لحود، وتجربة توفيق الباشا مع السيدة كوك في استعراض السيرة النبوية، الى تجارب لاحقة خرّجت الثياب الى مشروعها الانفتاحي بعيدا من استبداد العناصر الأخرى، مع نمو الوعي بأساسها وبقدرتها على محض الشيء هويته. ليست للإبهار فيروز تعطي الثياب حقها، هكذا يقول عارفوها ويؤكدون. تتابع أدق التفاصيل في ملبسها لمسرحيتها. ليست هذه فرضية بل واقعة بات الكثيرون العاملون في هذا المجال يعتدون بها. استقرت الدراسات الخاصة بالملابس المسرحية خارج الأدراج في صالح الفارق، واللحظات الفارقة، جسّدها لامعون في المجال الثقافي والفني، أبرزهم غابي أبي راشد المصمم العامل في تجربة فيروز، وفي تجربة الرحابنة، وفي تجربة منصور الرحباني في أعمالها الأولى والأخيرة، حيث أقام أبي راشد مضاربه في مضارب الآخرين، في ظاهرة أضحت طاغية وغالبة شيئا فشيئا. حتى انها ساهمت في تصحيح اللحظات الحاضرة والتاريخية في أكثر من مجال. إنهم عناصر متفردة المشتغلون في الثياب في دولة الوحدة المسرحية. ثياب مسرحية زنوبيا على سبيل المثال لمنصور ومروان الرحباني أنجزت ما اعتبره الكثيرون عناوين حية في عمل حي. أجابت بقيمها عن أسئلة ما لبثت تتردد في أكثر من موقعة ومجال. يقول غابي أبي راشد إنه منذ لحظة تسلمه النص، يصنع امتداداته الثقافية ورصيده المعرفي في تصحيح النظر أولاً وفي رفع منسوب الصدق على الصعيد اللحظوي التاريخي، وغير اللحظوي من أجل رؤية عادلة إذا ما جاز التعبير: أستلم النص يقول أبي راشد، ويضيف: أكب على دراسته في حوار مفتوح بيني وبينه. عملت مع الكثيرين وخصوصا مع فيروز والرحابنة. لم يبخس هؤلاء ثمن الملابس ولا حقّها في الأعمال المسرحية. وأنا أخذتها بطرقها الشرعية. حرّمت الظلم أن يقع عليها بعد وقوع ظلامات عليها، ذلك أنها لم تعد مستتبعا لصالح مشاريع فنية أو ثقافية، أو أهداف واضحة وخافية للآخرين. في زنوبيا كمثال عاد غابي أبي راشد الى زمن الرومان وزنوبيا. قرأ في المرحلة الرومانية وفي حضارة تدمر. عاد الى تلك الأزمنة البعيدة ممحصاً وهو يدور بعقل عربي منفتح على كبريات التجارب في العالم. ما يؤكده إيفان كركلا الذي يعتبر الثياب في تجربة مسرح كركلا عنصراً غير إبهاري، أي عنصراً غير خارجي في العمل المسرحي، أو يريد أن يخبئ عناصر الضعف أو الخلل في أي عمل مسرحي. على العكس من ذلك تماماً يقول إيفان ان الملبس ليس نقشاً فقط، بل بصمة وتاريخاً ومسلمة ثقافية في أزمنة لا يجوز تجاوزها بحجة سيادة مسلمات ثقافية أخرى، جعلت العقل المسرحي يتبرد في ثلاجات الأعمال البعيدة . القماش مهم، التصميم أهم. والهارموني بين القماش والتصميم في أهمية الاثنين. ثم ان الهارموني الأكبر هو هارموني السينوغرافيا المسرحية. هناك ملبس عام تندرج فيها الملابس الأخرى. ملبس ليس نسخة مصورة عن العمل بل عمل بحد ذاته. لا ينفي غابي أبي راشد أن الملبس جزء أساسي في البنيان والعمران المسرحي. كما لا ينفي أن الملبس خرج من حال الرعية الى حال متقدمة كثيراً. لم يعد الملبس منكراً أو عنصراً سائباً أو مارقاً أو دراسة مؤجلة. هذا لا يعني بحسب الكثيرين أن الملبس ترجمة حرفية للشخصية أو الحقبة أو الزمن. بل إضافة أكيدة، حيث تلعب المخيلة دوراً في تحديث الزي التاريخي وفي تثبيت الزي الراهن في هامش جديد مقترح، قد يغير في أحوال العمل ولكنه لن يغير في حساب الزمن حيث يدور العمل الفني. آخر الداخلين في هذا المجال بول عسل الراقص السابق في فرقة كركلا الذي يقدم راهنا المسرحية المسماة كواليس على خشبة مسرح جورج الخامس. الملبس لدى عسل حاجة وظرف وزمن. الملبس لا يروج للزمن بل يتدخل فيه، يتدخل في عصره ويأخذ منه الأبرز فيه قبل أن يرفعه فوق النظرة الفنية المختلفة. إنه مهجوس بالملبس لذا يشتري أقمشة لا يحتاجها في أحيان. يصمّدها بالمعنى الحسابي للكلمة قبل أن يستعملها كما حدث في مسرحيته الأخيرة. لأن الثياب عنده تجسد رسالة أو تذكر بأحوال ناس ورعية ومجتمع وأمة بعيداً عن الخوف من العري أو ما يشبهه. أقمشة يقول بول عسل: لقد استفدت كثيراً من تجربة كركلا على هذا الصعيد، كما استفدت من كل التجارب في العالم وخصوصاً ال ليدو في المولان روج. لطالما اشتريت في سفراتي الكثيرة أقمشة لا أحتاجها من الهند وقطر وحلب، ثم لا ألبث أن أعمل عليها حين الحاجة في كواليس. أعانتني الألبسة لكي أرسم مناخ الجنة، ولكي أحول الممثلين والراقصين إلى عصافير. اشتريت يقول عسل قماشاً على مدى سنوات طويلة خزنته عندي، ثم ما لبث أن تفجر بين يدي. أضحى العمل على القماش ضرورة على ضوء الحاجات البصرية للعمل. بلا ثياب مصنعة بطريقة ممتازة تفقد المشهدية عنصرا ممتازا. وعند غابي أبي راشد: الأساس في تصاميمي هو الجو العام والحرية. صحيح أن فستان ماري أنطوانيت سيبقى فستان ماري أنطوانيت على سبيل المثال، لكنه سيكون أقل من ذلك من دون لمستي عليه. أناقش يضيف أبي راشد مع أصحاب العمل الملابس تفصيلاً تفصيلاً، حتى انني أقنعهم بتغيير جزء من نظرتهم، أو نظرتهم الكاملة في أحيان، لأنني صاحب رؤية، ولأنهم أصحاب رؤية أيضاً فقد يقنعونني بتغيير تفاصيل. علاقتي بصناعة الثوب علاقة حب وشغف. عند غابي أبي راشد، المسرح غير السينما. وعند إيفان كركلا كذلك، فالأخير ساهم في تحويل تجربة كركلا الى مؤسسة تقوم على الإبداع والمهنة في آن. محترف صناعة الملابس لدى كركلا له حيزه الكبير والخاص، لأنه مختبر تظهير الشخصيات، ملك وأمير وحرس وجند وعامة. المرجع ضروري لدى كل العاملين في صناعة الملابس المسرحية. وهي لا تقتصر على الكتب التاريخية وخصوصا إذا ما نحا العمل منحى فانتازياً واضحاً. عندما تقوم ألوان الزي بإشباع التوقعات التي تحتاجها دواخلنا المتطلبة، تتحقق المتعة الجمالية. كركلا في عروضه يوصلنا الى أقصى الإشباع، تلك المتعة الكبيرة العميقة التي نخرج معها راضين، الرضى الناتج عن عملية الانزياح عن العادي أو الجيد أو الممتاز حتى. كركلا بتصميماته وألوان ملابس راقصيه وراقصاته، يشبه التآلفات النغمية، ما يولد المتعة الفنية والحسية في آن. كركلا يمنحك المتع كافة نتكلم هنا عن التصميمات وألوان الملابس ويكفل للمشاهد الانبساطي إذا صح التعبير، اللون القوي والعالي الحيوية وذا الطبيعة الانفعالية والحسية. كما يكفل للمشاهد الانطوائي، اللون الأكثر انضباطاً من الناحية العقلية الأسود وتفرعاته ذا الطبيعة الغامضة والعميقة والتأملية. يرفع كركلا الاستثارة البصرية الى أقصاها. هذا ما يتطلبه مسرحه القائم على الاستعراض والرقص. من ناحية أخرى، نجد في عروضات أزياء الرحابنة ما هو أكثر هدوءاً، وباعثاً على التأمل، الألوان أكثر ميلاً الى البرودة، وتكتسي أكثر بالظلال، وأيضاً ذات طبيعة رومانسية، بريئة الى حد.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة