الكتاب:رؤى في المسرح العالمي والعربي الكاتب: د. رياض عصمت الناشر: دار الفكر. دمشق. 2007 عندما يكتب الأديب والناقد السوري المعروف رياض عصمت عن الآداب أو الفنون فإنه يكتب من موقع المحب العاشق الخبير، فعدا عن اطلاعه الفكري والنقدي فإنه يرتبط بصلات واسعة مع أهم الكتاب والفنانين العرب، في هذا الكتاب الكبير مقالات تحليلية ونقدية ومراجعات عاشقة في المسرح العربي والعالمي. ينعى الكاتب المسرح العربي، فمسرحيات الكتاب العرب لا تقدم سوى مرة واحدة وتموت، بالرغم من النجاح الجماهيري لبعضها، أما في الغرب فيجري الحجز على المسرحيات قبل سنتين! كما أنها تستمر في الإثمار اقتباسا وتجديدا. يبدأ بالتعريف بالدراما وشجونها التي كثرت تعريفاتها، ويختار تعريفا لأريك بنتلي يجمل مفهوم الدراما وهو: أن الكاتب الدرامي مثل شرطي السير الذي يوجه السائقين للتصادم لا لتجنبه . وفي فصل المسرح والعولمة يفرق بين العالمية الإنسانية الخالدة والجوهرية والعولمة التسليعية التي يمكن مواجهتها بالتبصر لا بالمنع الصعب إن لم يكن المستحيل. كما يعرف القارئ بعمل الدراماتورج (المدير الأدبي والمولف) الذي يختلف عن المخرج والمؤلف والممثلين انه (مندوب الخطوط الدرامية كي لا تخرج عربات النص الدرامي عن السكة والمسار). يفرق الكاتب بين التجريب في المسرح العربي الذي قد يصيب أو يخيب والتخريب فيه، ويطرح مثالا على التخريب اقتباس المسرحي الحمصي فرحان بلبل مسرحيته القرى تصعد إلى السماء عن مسرحية برتولد بريشت دائرة الطباشير القوقازية بفجاجة تقول (إن الابن لمن يربيه لا لمن ينجبه والأرض لمن يزرعها) وهي مقولة ظالمة والتفسير السياسي يمكن أن يوحي من غير قصد بأن فلسطين لمن يحتلها لا لأهلها الأصليين؟ وهو تجريب يختلف عن تجريب بريشت الذي اقتبس مسرحيته من الأدب الصيني محورا مقولتها لإثبات براعته الأدبية. ويحذر من استعراض الممثل عضلاته الثقافية مما قد يصيب النص في مقتل وينبه من مغبة تحويل التجريب إلى نمط، المهم ألا يتعامل المخرج التجريبي مع النص باستهانة تفقده غائيته إلى درجة قتل المؤلف، ويشير إلى المسرح التشكيلي الذي شاع في بولندا كتيار تجريبي. ويؤكد أن التجريب جسد وروح ويشير إلى أهم المجربين المسرحيين مثل: الأميركي آدم داريوس، والسويدي يات ملمغرن والأميركي جوزف تشيكن .. ويناقش التجريب الأميركي الذي حول منهج ستانسلافسكي الروسي (احد أهم منظري التمثيل) في الواقعية النفسية (عمل الممثل على نفسه) إلى الأفعال الجسدية. أو العمل على الدور من الخارج إلى الداخل، أهم هؤلاء هم ستيلا آدلر ولي ستراسبورغ وايليا كازان والمهاجر الروسي مايكل تشيخوف.. فتحول المنهج إلى مناهج. يفرد الكاتب فصولا لأهم الممثلين مثل البريطاني السير لورنس أوليفييه ملك المسرح في القرن العشرين (توفي عام 1989 عن 82 عاما) وهو مسرحي يعود له فضل تطوير منهج ستانسلافسكي (خاصة في دور ريتشارد الثالث، وهاملت وهنري الخامس) لتصير تكاملا بين الروح والجسد والصوت وعرف منهجه بالابتعاد عن التأنق اللفظي والحركي لصالح الصدق والواقعية والبساطة النثرية البعيدة عن التكلف، وهو غاية ما سعى إليه ستانسلافسكي بتفسيراته المتباينة. والممثل جو تشيكن عاشق المسرح الجسدي و(المسرح الحي) و(المسرح المفتوح) (توفي عام 2003 عن 67 عاما) . يرتبط به المؤلف بعلاقات صداقة، لتشيكن فضل اكتشاف أهمية جمال التعبير بالوجه، وان الألم هو التعبير الإنساني الأهم. والمسرحي الايطالي يوجينو باربا صاحب مسرح اودين والامتداد الأبرز لتجربة غروتوفسكي، انضمت تجربته إلى كبار التجارب أمثال ميرهولد وبرشت وكازان وتشاينا وبورك وتشيكن وداريوس. يعتمد منهجه على الانثربولوجية أساسا في المسرح. الإيماء يعرّف الكاتب بالخطأ الشائع حول الإيماء، فالإيماء الجسدي دون كلام يختلف عن التسلية في الأعياد والأداء بالأقنعة، وهناك أنواع مثل الإيماء الإلهامي الفرنسي الذي يعتمد لغة الجسد، والإيماء بالأقنعة، الذي نجد جذوره في البانتومايم الروماني، والإيماء التعبيري الأميركي والإيماء الراقص الذي يمزجه بالباليه والإيحاءات البصرية ويعرف بأهم الإيمائيين مثل أبو الإيماء الفرنسي وإتيان ديكرو المؤسس الذي يعتمد التركيز والتدريب الجسماني العضلي والسيطرة على الرقص الكلاسيكي وتشارلي تشابلن في كوميديا الإيماء السينمائية الذي طور مهارات اكروباتية وبقية عباقرة الإيماء مثل الفرنسي مارسيل مارسو والفنان الشامل آدم داريوس.. لا يقلل الكاتب من عظمة شكسبير المتهم بالفكر العنصري والإقطاعي باعتباره ابن عصره وثقافته، واذا كان كذلك فلأنه كان يرضي جمهورين؛ شعبي وملكي، ثم انه كان ينطق شخصياته بما يعبر عنها، وليس عنه، كما ان ذلك لا يقلل من عظمة مسرحياته اقتباسه عن بلوتارك وهولنشيد، كما ينفي الكاتب عنه النزعة القومية لاتخاذه بلدانا كإيطاليا والدانمرك مسرحا لأحداث مسرحياته، والدليل على إنسانيته هو وقوعه في حب سمراء عربية من افريقيا كتب لها عدة سوناتات، وإدانته شخصيات انكليزية بيضاء بهجاء لاذع مثل فولستاف في هنري الرابع. كما يفند زعم وهمية شخصية شكسبير، أو كون مارلو أو لورد بيكون هما من كتب مسرحياته، لماذا يكتب الكاتب مارلو صاحب تيمورلنك العظيم و يهودي مالطة و الدكتور فاوست مسرحيات باسم كاتب آخر مثل شكسبير؟ ومن المستبعد أن يبقى بيكون لورد بيكون صامتا (هذا الزعم يستند إلى ترفع اللورد عن الاتصال بعالم الفن الوضيع) بعد ما صار شكسبير شهيرا وصديقا للملوك والأمراء. ويفند دعوى تولستوي حول طفولية مسرح شكسبير وغرقه في الحكاية، فهو لا يدرك جنس الدراما جيدا. ويحلل عدة مسرحيات مثل هاملت والملك لير وعطيل التي يعتبرها الأكثر نضجا رغم وجود أخطاء فادحة، فعبقرية شكسبير تكمن في تعطيله العقل عند المتفرج على النقيض من خلفه برتولد بريشت. والنرويجي هنريك ابسن الذي وضع أسس المسرح الواقعي الشاعري في القرن العشرين صاحب مسرحيات عدو الشعب و الأشباح والبطة البرية ومسرحيات شاعرية مثل امرأة البحر و البناء الأعظم .. و بيت الدمية وهي الأشهر والتي قيل في بطلتها الزوجة نورا عندما صفقت الباب تاركة بيت زوجها الممل بأن (صفقة نورا للباب هزت أوربا). ويفرد المؤلف فصولا ليوجين أونيل رائد المسرح الأميركي، والأميركي تنيسي وليامز صاحب عربة الرغبة ، والأميركي آرثر ميللر صاحب موت بائع جوال الخالدة ، ولرائد التعبيرية الألماني فرانك فيديكند والألماني برتولد بريشت شاعر السياسة، وينفي عنه تهمة سرقة نصوص عشيقاته (روث بيرلا وإليزابيث هاوبتمان) والدليل على ذلك هو إنتاجه الغزير وهو مسرحي هام بالرغم من انحسار الاهتمام عنه بعد انتهاء الحرب الباردة. سبب ذلك اتسام مسرحه بخطاب العقل والوعظية والجفاف والتعليم. وصموئيل بيكيت صاحب نوبل و مسرح اللامعقول الذي توفي عام ,1989 تاركا مسرحه اللامعقول معقولا في العصر الحالي! والبريطاني اليهودي هارولد بنتر الذي حاز نوبل 2005 وجوائز اخرى مثل الدب الذهبي وجائزة بافتا و جائزة هامبورغ والسعفة الذهبية. والمسرحي بيرانديللو( 18671939) احد أقطاب المسرح الحديث. المسرحيون العرب ويتعرض لأهم المسرحيين العرب مثل توفيق الحكيم الذي ارتبط اسمه بالمسرح الذهني الصالح للقراءة، والذي يعيد المؤلف سببه إلى حيرة الحكيم بين الأجناس الأدبية. تراوح مسرح الحكيم بين الأصالة والمثاقفة. وهو قريب لبرناردشو، المغرم مثله بالمقدمات النظرية، أما اقتصاره على اقتباس الموضوعات الإغريقية فيعود الى دراسته الباريسية، واعتبره المؤلف أبو العبث الشرقي، الذي وازن بين الفرجة والفكر، في مسرحيات عدة، كما أن فنه سبق فكره تطورا. ووليد إخلاصي الذي تنوع مسرحه بين الأشكال والأساليب الواقعية والتعبيرية والشعبية والذهنية وسعد الله ونوس الذي يلقبه المؤلف (بأزرق اليمامة) و الذي عانى مسرحه من إشكاليات فكرية وأخلاقية و دينية (موقفه الناقد تجاه الدين الإسلامي معتبرا إياه افيون الشعوب العربية والذي ترسخ بعد حرق مسرح ابي خليل القباني) يعتبر المؤلف من البارعين في الاقتباس وأفضل مسرحياته هي ملحمة السراب وهي أصيلة التأليف. والفريد فرج آخر كبار المسرح العربي الذي يعتبره المؤلف كاتبا عربيا وليس مصريا وحسب، وممدوح عدوان الذي ترك وراءه 26 مسرحية، تأليفا أو اقتباسا. تعرّض المسرح للرثاء حين اخترعت السينما، وأعرض الناس عنه عندما دخل التلفزيون في منافسة الاثنين، وقلّ الطلب على الدراما الإنسانية، لكن الكاتب يستبشر خيرا فالتأثير العاطفي لعمل درامي حول مأساة طفل أكثر تأثيرا من كارثة تودي بحياة مليون إنسان في خبر عاجل، كما قال سارتر مرة، لذلك فإن المسرح سيعيش.