As Safir Logo
المصدر:

التوطين: الخلط والخطل

المؤلف: عيتاني حسام التاريخ: 2008-01-08 رقم العدد:10892

أعادت المعارضة رفع لواء التخويف من توطين اللاجئين الفلسطينيين في لبنان. وعلى الرغم من كل الأيمان الغليظة التي تقطعها الأكثرية وتراث بعض الأحزاب المنخرطة في قوى الرابع عشر من آذار في الحرب على الفلسطينيين، إلا أن المعارضة لا تتوقف عن اتهام الحكومة والتيارات السياسية المنضوية فيها، بالعمل على التوطين. دخل حظر توطين الفلسطينيين في وثيقة الوفاق الوطني وفي مقدمة الدستور اللبناني (الفقرة ط ) الى جانب كل المواقف الفلسطينية الرافضة للانزلاق في هذه المغامرة، غير أن هذا لم يعدم المحذرين من خطر التوطين وسيلة لاستغلاله في إدخال الذعر الى قلوب مواطنين يقظين حيال التبدلات الدقيقة في الموازين الديموغرافية. الخطر في ما تُقدم المعارضة عليه في الأيام هذه، يكمن في تغيير الجمهور المستهدف بالتخويف. فإذا كان التوطين يمثل فزاعة رفعتها قوى متعددة طوال الحرب الأهلية والحقبة السورية التي أعقبتها، في وجه المسيحيين، فإن ما تبادر المعارضة اليه هو نصب التوطين تهلكة للطائفة الشيعية التي يراد لها أن تقتنع بحيوية تصدرها العددي للطوائف وتناسي كل طروحات الديموقراطية التوافقية وما يدخل في بابها من شروحات تحيل السياسة في لبنان الى آلية لا مجال فيها لتناسي وجود أي طائفة طالما انها من المكونات المعترف بها في الكيان اللبناني. أما أسباب رغبة الأكثرية في المضي في المشروع ذاته فترجع، على ما يقال، الى وعود بإعفاء لبنان من ديونه التي تزيد عن الأربعين مليار دولار، مقابل انضمامه الى مؤامرة تهدف الى تصفية القضية الفلسطينية. هكذا يقول أهل المعارضة من جناح التصدي للهجمة الأميركية. الجناح الآخر في المعارضة يرى في نفسه الوريث الشرعي لمقولات الحرص على التوازن الديموغرافي للكيان اللبناني، من فؤاد افرام البستاني الى شارل مالك وصولا الى بشير الجميل. فتندغم، أمام المعطى هذا، ايديولوجيا القوميين الإسلاميين، بممارسات العنصريين الشوفينيين. وهو اندغام، والحق يقال، ليس بجديد في تراث المشرق العربي. وما يستدعي قلقا في الخطاب التحذيري هو أن التلويح بمخاطر التوطين على التوازن الديموغرافي صار في قبضة من كان يضع نفسه في موضع الرافض للتوطين بحجة الحفاظ على القضية الفلسطينية. فإذا بنا بإزاء مقولة تبدو كوجه آخر لاندغام الايديولوجيا الاسلاموية على الممارسة الشوفينية ونصابها (المقولة) تقاطع مقاومة اسرائيل مع تولي طائفة بعينها لأعمال المقاومة وشؤونها، ومن بينها منع توطين اللاجئين الفلسطينيين في لبنان. يمكن تسجيل ملاحظتين على مقولات الرافضين للتوطين وفق الصيغة المتداولة في منطوق المعارضة وخطابها. الملاحظة الاولى تشير الى أن الجزء الأكبر من الدين العام اللبناني هو دين داخلي تدين به الدولة الى مجموعة من المصارف والمستثمرين اللبنانيين الذين يجنون الأرباح الهائلة من الفوائد على الديون، وهذه حقيقة بح صوت الاقتصاديين وهم يكررونها، غير أن التكرار هذا لم ينفع، على ما يبدو ويظهر، في إقناع المعارضة بوجود اختلاف جذري بين الدين الداخلي والدين الخارجي. فالمهم، هو استخدام الذريعة هذه في التعمية على خطاب سياسي بعيد الاهتمامات عن مسائل الدين وخدمته والاقتصاد وفروعه. ولعل كثرة اللجوء الى استغلال فكرة مقايضة الديون بالتوطين تقتضي فتح الملفين معا على مصراعيهما لتبيان هزال الفكرة هذه وتهافتها مبنى ومعنى، اذا نظر اليها بعين المحلل الاقتصادي. الملاحظة الثانية تقوم على أن تصفية القضية الفلسطينية جارية الآن على قدم وساق وسط صمت عربي يتقاسمه الممانع و المعتدل سواء بسواء. والجهات الأوفر نشاطا في المهمة هذه هي جهات فلسطينية لا تطلب جميلا من أحد، باستثناء بعض المساعدة من إخوة عرب أو أبناء عم إسرائيليين، فيما تتولى هي بيديها القضاء على ما تبقى من معنى للمسألة الفلسطينية. والحالة المزرية السائدة على الساحة الفلسطينية تغري بالقول ان إنهاء القضية يفترض إقفال ملف اللاجئين بفرض توطينهم حيث هم. غير أن هذا يستدعي تأملا في وضع القوى المتهمة بالسير في ركاب مشروع التوطين. وهي قوى تعجز منذ تظاهرتها الشهيرة في الرابع عشر من آذار من العام 2005 عن الإتيان بأي عمل ذي شأن في إدارة أمور الدولة وتولي أمنها وفرض إرادتها حيث يستوجب ذلك. يضاف الى ذلك تضعضع التحالفات التي أقامتها عند كل منعطف كبير، من التحالف الرباعي وصولا الى الموافقة على تعديل الدستور لانتخاب رئيس جديد للبلاد. فإذا كانت قوى هذا وصفها قادرة على تمرير مشروع التوطين، مع كل ما يتعين على الراغب فيه من امتلاك لقدرات وإمكانات ومنها تعديل الدستور للسماح به، فإن المرء يتعجب عن السبب الذي حال دون أن تختار الأكثرية رئيسا لها عندما عز التوافق وانتفت إمكاناته.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة