كان يلزمه ثلاث سنوات أخرى كي يتخطى عمره قرنا من الزمن. إلا أن لا فرار من الموت في نهاية الأمر، ليرحل عن عمر يناهز 97 عاما، شهد خلالها جميع الحركات والتيّارات الأدبية التي اجتازت عصره مثلما شهد جميع الحروب التي لا تدل إلا على حماقة الإنسان . إنه جوليان غراك، آخر الكتاب الفرنسيين الكبار الذي غيبه الموت نهار السبت الماضي، بسرّية تشبه سرية حياته التي عاش قسما كبيرا منها بعيدا عن المجتمع، منعزلا في قريته بالقرب من مدينة أنجيه ، لدرجة أن الجميع اعتبروه من أولئك الكتاب السرييّن البعيدين عن الأضواء. لم يخطئوا في ذلك كثيرا، على الرغم من الشهرة العارمة التي حظي بها، وبخاصة بعد رفضه لجائزة غونكور عن روايته على ضفاف خليج السيرت في العام 1951 (صدرت بترجمة عربية عن دار شرقيات في مصر ونقلتها إلى العربية كيتي سالم، في العام 2003). كذلك كان أحد القلّة القليلة الذين دخلت أعمالهم سلسلة لابلياد وهو بعد على قيد الحياة، وهذا أمر نادرا ما يحدث في الثقافة الفرنسية. وهو إن دل على شيء، فإنما يدل على المكانة الكبيرة التي كان يحظى بها، لا في زمنه وحسب، بل أيضا عند أجيال من الكتاب الذين جاءوا بعده. نادرا ما تجد كاتبا، وبالرغم من اختلاف مفهومه للكتابة عن مفهوم غراك، لا يشير إليه على أنه أحد الذين وسموا الكتابة الفرنسية المعاصرة. هذه الكتابة التي توزعت في مختلف الاتجاهات والأنواع، من الرواية إلى النقد، ومن المسرح إلى الشعر، ومن أدب الرحلة إلى رسائل هجاء ... فعلى الرغم من ابتعاده عن حفلات المجتمع الصاخبة، إلا أنه كان يقع في قلب عصره، في قلب حركيته وهمومه وانشغالاته. هذه الانشغالات التي عبر عنها، في صفحات، أقل ما يقال فيها إنها من عيون الأدب الفرنسي في القرن العشرين. بورتريه بعد فترة دراسية امتازت بالجد والنجاح، جعلت منه طالبا متفوقا، دخل غراك إلى الإيكول نورمال العليا، التي كانت تستقبل نخبة الطلاب، ليحوز لوي بوارييه وهذا هو اسمه الحقيقي شهادة الأغريغاسيون في التاريخ. بدأ كمدرس لمادة التاريخ في إحدى الثانويات العام 1935 في مدينة نانت. كان قبل ذلك بفترة قصيرة اكتشف السوريالية عبر أعمال أندريه بروتون الذي أثر عليه كثيرا، لدرجة أن مناخات روايته الأولى في قصر الأرغول تنتمي بالتأكيد إلى مناخات بابا السوريالية. هل لذلك رفضتها دار غاليمار يومها، لينشرها على نفقته الخاصة عند مكتبة ودار جوزي كورتي ؟ لا أحد يعرف، إنما ما نعرفه، أنه رفض فيما بعد كل عروض الدور الكبرى ليبقى مخلصا إلى الدار الأولى، حتى كتابه الأخير الذي صدر العام ,2002 وهو مجموعة حوارات أجريت معه في غير مناسبة. كذلك رفض وبشكل قاطع أن تتحول أعماله إلى كتب جيب . هل كان يرفض حداثة ما في ذلك؟ ربما، إذ أنه بقي مخلصا أيضا إلى الورقة والقلم، فلم يستعمل لا الكومبيوتر ولا حتى الآلة الكاتبة، لدرجة أنه كان يرفض أيضا أن يتم تحرير الكتاب في المطبعة، عبر عملية قطع طرفه العلوي، لتبقى الصفحات بذلك منغلقة، حتى يقوم القارئ بفتحها عبر آلة أو سكين أو ما شابه. ربما في انحيازه إلى هذا الشكل التقليدي، أفقده الكثير من القراء الذين لا يشترون إلا كتب الجيب. في أي حال، ليست الأهمية هنا. بل كانت في اكتشافه العام 1943 كتاب الكاتب الألماني إرنست يونغر على جرف الرخام وهي رواية إشكالية، لا في تاريخ الأدب الألماني، بل في تاريخ الأدب الأوروبي التي اعتبرها بمثابة وحي علوي. هذه القراءة دفعته إلى لقاء الكاتب، وما إن تم حتى نشأت صداقة متينة بينهما، لدرجة أن يونغر قال عنه في العام ,1980 بأنه وبعد رحيل صديقي العزيز مارسيل جوهاندو، يكتب غراك أفضل نثر فرنسي . بعد أن نشر غراك في العام 1950 نصه الموسوم الأدب في المعدة وهو نقد لاذع للأدب الفرنسي كما للجوائز الأدبية، بقي غراك متناغما مع نفسه ومبادئه، إذ رفض في العام التالي جائزة غونكور (أرفع جائزة أدبية فرنسية)، التي كافأت روايته على ضفاف خليج السيرت ، ما أثار عاصفة إعلامية، لم تنته ذيولها حتى الآن إذا جاز التعبير. ففي كل مرة تعلن غونكور في خريف كل عام، يتذكر النقاد والكتاب نص غراك، كما رفضه الجائزة. لكن شهرته، لا تتوقف هنا بطبيعة الحال، إذ نشر في العام 1958 رواية شرفة في الغابة ، وهي رواية تغرف كثيرا من تجربته كجندي في بداية الحرب العالمية الثانية، على جبهة الآردين ، التي أرسل إليها. هذه الرواية، التي تحاول أن تسرد قصة حب عاصف على خلفية حرب جنونية، اقتبست للسينما حيث قدمها المخرج ميشال ميتراني العام .1970 مع بداية الستينيات، نشر غراك العديد من النصوص النقدية، التي كان يتحدث فيها عما يفضله من كتب عبر تاريخ الأدب الفرنسي. بيد أن هذا التأريخ لم يسلم من مبضع الناقد الجريء الذي كان يحمله. ربما ما سمح له بهذه القسوة إذا جاز التعبير بقاءه بعيدا عن المجتمع الأدبي الباريسي وعن وسائل الإعلام كما عن الدور الكبيرة، مفضلا دار جوزي كورتي ، التي قدمت في الحقيقة العديد من الكتاب المهمين في تاريخ الأدب الفرنسي. ومع هذه الكتب، استمر في نشر دفاتره المتضمنة أراءه في ما يقرأه من أدب، كذلك نشر العديد من كتب الرحلات التي امتاز بها، هذه الرحلات ومثلما يصفه باتريك موديانو التي تعير انتباها كبيرا إلى المشاهد الطبيعية وإلى الطوبوغرافية. كان يكتب ما يمكن أن نسميه روح الأمكنة . ربما هذه النقطة العزيزة على قلب موديانو، وهو روائي فرنسي كبير بدوره، تعود إلى رغبته هو، إذ كما نعرف، لم يتوقف موديانو، من رواية إلى أخرى، عن البحث عن روح هذا المكان. صحيح أنه يبحث عن شوارع باريس، إلا أنه يحاول أن يعيد إحياء ذاكرتها القديمة، وبخاصة ذاكرة طفولته وشبابه. النقطة الوحيدة التي تميز بين الكاتبين، أن غراك كان يرسم المكان آنيا، أي خلال رحلته، بينما وديانو، يرسم المكان عبر هذه الذاكرة التي لا يتوقف من العودة إليها. بدون أقنعة صحيح أن غراك بقي طيلة حياته بعيدا عن الوسط الأدبي وعن تقاليده، لكنه لا يمكن أن ننسى بأن هذا الرجل الطاهر كان يتقدم بدون أقنعة في كتبه وسردياته. ربما يعود ذلك إلى الدرس الذي حفظه من السوريالية، أي أن يبقى في حالة تأهب وثورة باردة، حالة من القلق والاندهاش في الوقت عينه، ليكون مستعدا لكل المغامرات الحقيقية. هذه المغامرات التي كان يجدها في الدروب الخاصة التي سلكها. صحيح أنها دروب مغايرة، لكنها في العمق ترغب في ان تجد صلة ما مع وحدة العالم الذي كان يعيش فيه، مع وحدة هذه الأشياء المحيطة به. من هنا ثمة درس كبير لا بد أن نتعلمه من سيرة هذا الكاتب: كل الأشياء والتشريفات الآنية، لا بد أن تذهب أدراج الرياح. المهم أن يكون الكاتب صادقا مع نفسه حين يكتب، أي أن يدخل عميقا إلى قلب ما يريده، من أقنعة، ومن دون مساومات. هذا الدرس اعتبره البعض بمثابة فولكلور ، تخطاه الزمن. لكن ما لن يستطع الزمن تخطيه، هذه الكتب التي تركها وراءه، لأنها آتية فعلا من كاتب حقيقي، جعل الأدب في الدرجة الأولى، وما عدا ذلك، لا قيمة له. برحيله، يفقد الأدب الفرنسي، آخر كباره، بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى. فجوليان غراك ليس كاتبا عاديا. ولم يكن صاحب مواقف إعلامية. كان كاتبا وكاتبا فقط. ربما لذلك ستبقى مكانته كبيرة عند الذين قرأوه.