المنفى ظاهرة تخترق التاريخ ولكنّها منغرسة في التاريخ. لا تتشابه المنافي عبرَ الحقَب ولا عبرَ الأماكن، ولئن كانت المعاناة الناجمة عن النفي متماثلة أغلب الأحيان، فهي تتراوح في كثافتها وديمومتها وآثارها تبعاً لثقافة المنفيّ الأصليّة وثقافة البلد الملجأ. إنّنا لم نعد في زمن الكاتب اللاتينيّ سينيكا ولا في حقبة هوغو ولا في عهد شوقي والبارودي. كان الشاعر أو الفيلسوف المتمرّد على سلطة العائلة المالكة أو على الاستعمار يلفي نفسه وحيداً في بلاد غريبة لسنوات معدودة، حاملاً في داخله، في حالة النفي الاستعماريّ خصوصاً، يقيناً أو أملاً بإمكان زوالٍ سريعٍ لقامعيه. اليوم، صار النفي ظاهرة معمّمة، طويلة الأمد أغلب الأحيان، وله صوَر عديدة، وهو يقترن بحملات الإبادة المبرمة والتهجير الشامل والطرد النهائيّ. عندما وصلتُ إلى باريس في ,1976 كان الكثير من الإسبان قد بدأوا بالعودة إلى بلادهم إثر موت فرانكو قبلَذاكَ بعام واحد، ومَن قرّر منهم البقاء في فرنسا فعلَ ذلك عن اختيار. كان مجتمع المنفيّين يشمل في مكوّناته الكبرى منفيّي أميركا اللاتينيّة، من الأرجنتين وشيلي خصوصاً، ومنفيّي بعض بلدان أفريقيا السّوداء والمنفيّين العرب. بين جميع حالات النفي، تظلّ ظاهرة المنفيّين العرب هي الأكثر تعقّداً وتشابكاً واختلاطاً. فبدءاً من ذلك العام، أو قبله بقليل، صار اللّبنانيون يتوافدون بالآلاف هاربين من حرب أهليّة جعلت العمل والدراسة بل البقاء المحض في لبنان متعذّرة أو محاطة بصعوبة بالغة. ومعهم صار العراقيّون يأتون بالآلاف هم أيضاً، بعدما أمرَ صدّام، بكلبيّته المعروفة، بتسهيل معاملات سفر كلّ من يريد الهجرة، واعداً نفسه بإخلاء العراق من جميع كارهي نظامه، وهذا ما حصل بالفعل. من تأخّروا في الهجرة وجدوا أنفسهم يساقون إلى منصّات الإعدام في حالة اتّهامهم بممارسة نشاط مناوئ له، أو إلى ساحات حروبه الكثيرة، وهو المصير المظلم الذي كان ينتظر الكثيرين، من أبناء الأجيال التالية لجيلي بخاصّة. قبلَ هؤلاء وأولئك أو في الأوان نفسه، راحت تنخرط في مجتمع المنفى مجموعات آتية من أقطار عربيّة أخرى، من مغرب البلاد ومشرقها، وإنْ بأعداد أقلّ. مع أنّ التفريق الذي يدعو إليه المفكّر الفقيد إدوارد سعيد في كتابه تأمّلات حول المنفى (ترجمة ثائر ديب، منشورات دار الآداب)، بين كلٍّ من المنفيّ واللاّجئ والمهاجر والمغترب، يبدو لي منطقيّاً وصائباً، فهو لا يعود في اعتقادي ساري المفعول عندما نفكّر بالأثر النهائيّ للاقتلاع، أيّاً كان شكله، على دواخل المقتلَع ومسيرته. صحيح أنّ المنفيّ يتميّز بكونه محروماً من إمكان العودة إلى بلاده ما دام يتحكّم بمصائر أبنائها رجال يعارضهم هو، مع كلّ ما يرافق هذا الحرمان من رضّات نفسيّة ومن يأس عميق قد يطبع أدنى مبادراته، بِعلمٍ منه أو بغير علم. وصحيح أنّ وجود اللاّجئ، خصوصاً في حالات التهجير الجماعيّ التي لحقت بالفلسطينيّين والأرمن والأكراد وجماعات أخرى، يظلّ مرهوناً بإعاناتِ هيآت دوليّة، وهو بحدّ ذاته شرط جارح يبقى الفرد مشدوداً فيه إلى مستقبل غير مضمون قد يستعيد فيه أرضه وكرامته. هذا في حين يبدو المهاجر، الذي يغادر بلده لدوافع اقتصاديّة غالباً، والمغترب الذي يقرّر بإرادته العيش بين الأجانب والانفتاح على ثقافة ونمط عيشٍ مغايرين، أقول يبدوان كما لو كانا ناجيَين من لعنة الحظر المذكور وقادرَين على استئناف الوصال مع الأرض الأصليّة أنّى شاءا. ومع ذلك، فمجرّد الابتعاد عن بلاد أولى والانغماس في رحلة متهمّسة ومضنية ومحفوفة في أحيان كثيرة بالفشل لتحقيق انسجام ممكن وطبائعَ البلاد المستقبِلة وشروط عيشها ونظام تصوّرات أبنائها، مجرّد هذا يجعل تجارب ضحايا الاقتلاع متقاربة، إن لم يكن في النتائج المتحقّقة بعد إقامة طويلة في المنفى فعلى الأقلّ في حدّة المعاناة المرافقة لها. هكذا راح آلاف المهاجرين والمغتربين واللاجئين والمنفيّين العرب يؤسّسون مجتمعاً منفيّاً له سماته المميّزة ومواطن ظلامه الكثيرة، ومصادر ألقه المعدودة، وأنينه الخاصّ الذي يكفي أن ترهف الأذن حتى تستمع إليه وهو يتسلّل إلى نبرة الأعياد ويشكّل (طباقها( الدّائم وما يشبه قرارها، بمعنى قرار اللحن . واليوم يلتفت المرء إلى حجم الكارثة في مثل هذه التجارب: فمثلاً، عندما دفع صدّام حسين كلّ هذه الموجات البشريّة إلى الرّحيل فلا مراء عندي في كونه مارس عملية إبادة نفسيّة وروحيّة وثقافيّة لا تقلّ خطورة عن مجازره الممارَسة على الأجساد. فأيَّ مصير مختلف وأيّة حياة أكثر توازناً واستقراراً كان سيعرف في وطنهم هؤلاء الآلاف من المنفيّين الذين وجدوا أنفسهم مغمورين بين عشيّة وضحاها في ثقافات لم يدرسوها مسبقاً وهجرات لم يكن ماضيهم ولا تراثهم الوطنيّ ليهيّئهم إليها؟ وعليه، فإنّ فئة المنفيّين تشمل في اعتقادي حتى المهاجرين والهاربين من الحروب وإنْ لم يكن يتهدّد الواحدَ منهم خطرٌ بالقتل يستهدفه هو نفسه. فلا أقرب في اعتقادي من معيش المنفى من حالة المثقفين اللّبنانيين، بالرّغم ممّا هو معروف عنهم من دراية بشؤون العالَم ومعرفة بلغاته. ولا شكّ أنّ تصريح الروائيّ أمين معلوف في أنّه لم يشعر بالغربة في فرنسا يوماً واحداً في حياته لا يمكن أن ينسحب على جميع أبناء بلاده. كما أنّ أبناء المهاجرين من أقطار المغرب، ضحايا الاستعمار القديم، والذين هم في الغالب الأعمّ مهاجرون اقتصاديّون ، يعربون في الكثير من سلوكاتهم وأنماط معاناتهم عن رضوضِ منفى ثقافيّ وعن عجز عن استحداث التركيبة المطلوبة بين ثقافة بلد الإقامة والموروث المتلقّى عن الآباء. ولقد بادر المفكّر والمحلّل النفسيّ التونسيّ فتحي بن سلامة وزملاء له قبل سنوات إلى إنشاء حركة ثقافيّة أسموها عيادة المنفى لم تواصل للأسف العمل، ولكنّ عنوانها يلخّص المشكليّة التي نحن بإزائها: المنفى رضّة قاهرة، ووحدهما فهمها وإشباعها تحليلاً يساعدان على تجاوزها. أثر المنفى في كتابه المذكور يشير إدوارد سعيد إلى أثر المنفى الشالّ وينعته بأنّه كالموت من غير نعمة الموت . قد يرى البعض مغالاة في ذلك، ولكنّ العديد من حالات النفي تهبه صدقيّة كافية. ذلك أنّ للمنفى أثراً شالاًّ يمارسه حتّى على مَن يعربون في الظاهر عن تصالح كامل وأجواءَ المنفى وعن قدرة عالية على التلاؤم وشروطَه. إنّ غياباً للإنتاج المبدع الذي كانوا يصبون إليه ورجوعات متكرّرة لكآبة المنفيّين الشهيرة وأنماط سلوك غير طبيعيّة وحدَه الاعتياد عليها يجعلها تبدو سائغة، هذا كلّه يثبت أنّ لسعة المنفى سائرة في نفوس هؤلاء هم أيضاً، بل ربّما أكثر ممّا في أنفُس سواهم. يشعر الواحد منهم بأنّه ليس في مكانه الطبيعيّ، وكما كتبت الفيلسوفة أوليفيا بيانكا في مقالة عنوانها التّفكير بالمنفى ، فالمنفى زعزعة للكيان وحرمان من شاكلة وجودٍ معيّنة قبل أن يكون أو أكثر من أن يكون حرماناً بسيطاً من الأرض. وعلى العيش في المنفى ينطبق في اعتقادها ما كتبه القدّيس أغسطين في اعترافات عن انحباسه في سجن العادة: أكون حيث لا أريد أن أكون، ولا أكون حيث أهفو لأن أكون: بؤس شامل . اللّغة العربيّة نفسها، في الزّخم الدّلاليّ لمفرداتها الدّالة على النفي، تهبنا أفضل ترجمة لهذا الاعتقاد الأغسطينيّ. كانت العرب تتكلّم عن الهجرة وعن الغربة والتغرّب (وأحياناً عن النّزوح)، و المنفى مفردة حديثة العهد أعتقد أنّها ارتبطت في البدء بعلميّات الطرد والإبعاد في العهد الاستعماريّ. الغربة تشير إلى الغرب وإلى غروب الشمس ، فكأنّ كلّ هجرة بعيدة هي انغماس في الغرب و المغيب والعالم الغسقيّ البالغ الشبه بعالَم الظلمات (هكذا كان القدماء يسمّون الجحيم). ولقد جمع عنوان أقصوصة رؤيويّة معروفة للسهروديّ المقتول جمعاً رائعاً بين المعنييْن: قصّة الغربة الغربيّة . أمّا كلمة المنفى فلسعها أشدّ، وذلك لتكافل المعنييْن في النفي : الإبعاد وفي الأوان ذاته إنكار الشيء أو الشخص، فكأنّ النّافي، أي الطارد، بممارسته الطرد إنّما يهدف إلى حجب كائنيّة الكائن نفسه. وبالفعل، فلا يعدم المنفيّون الحقيقيّون، هؤلاء الذين يعيشون كآبة المنفى حتى الثمالة ولا يطوّعونها إلاّ بإبداع قويّ وإرادة لاهبة، أقول لا يعدمون أن يشعروا أحياناً بكون وجودهم إنْ هو إلاّ شبْه وجود، وبأنّ بقاءهم ما هو إلاّ تعيّش. أمّا مفردة الحنين فمعروف لعشّاق اللّغة أنّها مشتقّة من حنين النّاقة ، وهو أنينها شوقاً لصغيرها المستلَب منها. هكذا ترتبط مشاعر الحنين بأنين صامت أو مسموع وتنخرط في تجربة بكاء. جاء المنفيّون العرب إلى هذه التجربة على غير سابقِ علمٍ بأحوال المنفى، ولم تكن لديهم ثقافة منفيّين. إنّ كتابات مدرسة المهجر في الأميركتين وقصائد شوقي والباروديّ والجواهريّ وسواهم في المنافي هي، على قيمتها الفنيّة والإنسانيّة، أبعد من أن تمدّنا بمعرفة بالمنفى فعليّة، لا لسبب إلاّ لارتباطها بأفق رومنطيقيّ يقول الصّدمة ولا يؤوّلها بالضرورة. ذلك أنّ المنفى مكابدة يوميّة ممضّة وإعادة هيكلة للنفس، وليس غناءَ حنينٍ وفعلَ إدانة فحسب. لقد اكتشف المنفيّون آثار المنفى بأن عاشوها، أي تكبّدوها، وقد يكون الوقت حان لتسطير الأبعاد المعرفيّة والآثار النفسيّة الاجتماعيّة لهذا المعيش الاستثنائيّ. قبل أن أتوقّف عند أهمّ آثار المنفى هذه، أعود إلى حالة المنفيّين العرب التي لا تشبه في اعتقادي سواها. لقد ركبتْ موجة المنفى، التي جرفت الشبيبة العربيّة المثقّفة والمناضلة بخاصّة، فئتان. الفئة الأولى تتألّف من شعراء وكتّاب كانوا من قبلُ قد أنجزوا أعمالاً فكريّة أو أدبيّة تتراوح في الأهميّة وحقّقوا في جميع الأحوال نضجاً شخصيّاً يجعل الواحد منهم عارفاً بما يريد. ولقد أعرب البعض منهم، ولا أقول الجميع، عن قدرة ميكافيليّة هائلة جعلته يكرّس كلّ ما في وسعه تكريسه ليحصد ثمار هذا المنفى الذي بدا لهذه الفئة أشبه ما يكون بفرصة لاستحلاب الغرب واختطاف عطاياه (أحدهم، وهو أشهرهم، ادّعى متبجّحاً ومتشاوفاً أنّه جاء غازياً الغرب ). لم يرَ هؤلاء في الأجيال الجديدة، وبعض أفرادها كانوا تلامذتهم في الجامعات العربيّة ويُبدون أمامهم حشمة طبيعيّة وورعاً مفهوماً، لم يروا فيها إلاّ مطايا لشهرتهم ولهوس الواحديّة الذي كان يغريهم بتحقيق الوصول (إلى أين؟) بأسرع ما يمكن. لزمتْ أعوام عديدة، وكان ينبغي انتظار ظهور أصوات عربيّة جديدة تفرض نفسها على ذائقة الغرب حتى يُرَدّ هؤلاء إلى منزلتهم الفعليّة في دنيا الأدب. الفئة الثانية أدهى وأخطر. ففي الوقت نفسه الذي أغرق فيه بعض الحكّام العرب المنافي بآلاف المبعَدين، عمل هؤلاء الحكّام أنفسهم على إغراق عواصم الغرب بمخبريهم وصحافيّيهم. أنشأوا جرائد ومجلاّت تتبارى في شراء أصوات المثقفين، اضطرّ بعض الشرفاء إلى العمل فيها حاصرين نشاطهم بالتعريف بمستجدّات الساحة الأدبيّة العالميّة، في حين اندفع البعض الآخر إلى تمجيد هذا النظام أو ذاك لا عن إيمان بل بحثاً عن وسائل إثراء سريع. نشأ عن هذا اختلاط مريع، فصرتَ ترى إلى ثوريّ مغربيّ هارب من حكم الإعدام في عهد الحسن الثاني، أو تونسيّ أفلت بأعجوبة من قبضة أزلام بورقيبة، أو لبنانيّ يؤمن بالعمل الشيوعيّ وينظّر له وهم يدبّجون صفحات وصفحات عن أحقيّة العراق في حربه ضدّ إيران بدلَ أن يدعوا إلى إيقاف حرب مدمّرة للشّعبَين ولم يكن لها من مبرّر، وعن النهضة المعماريّة في عراق صدّام حسين، أو عن الأبعاد الفلسفيّة (كذا) في الكتاب الأخضر للعقيد القذّافيّ، وما إليه من موضوعات. وبما أنّك لا تقدر أن تلزم سكّان هذا المجال الواسع بالتزام خطوط حمراء في اللّقاءات الثقافية والاجتماعيّة فغالباً ما كنتَ تلفي نفسك مضطراً إلى مغادرة طاولة تطفّل عليها كاتب تقارير معروف تسلّل إلى اللّقاء بفعل تساهل صديق عربيّ معه أو بفعل مصلحة مشتركة تجمعهما. لم يتنفّس المنفى العربيّ في فرنسا الصّعداء إلاّ عندما اضطرّت الظروف الحكّام المعنيّين إلى إغلاق صحفهم في المنافي. كتب نيتشه أنّ الأسوأ هو أن تجد نفسك مضطرّاً إلى مجاورة الرّديء . هذه التسوية القسريّة للجميع وتقليم الفوارق يمارسها المنفى على الأفراد أصلاً. إلاّ أنّها بلغتْ في حالة المنفى العربيّ درجات لا تطاق جعلت العزلة تبدو حلاًّ مثاليّاً لمن لم يكونوا متدرّبين عليها ولا مهيّئين لها قطّ. النفي المضاعَف من بين الأمراض السّارية في المنفى على الأفراد مرض التأجيل أو التّسويف الأبديّ، يرجئ فيه المرء إلى مستقبل غير ممكن التعيين تنفيذ ما كان اعتزمَ أن يؤسّس عليه حياته من مشاريع إبداعيّة وسواها. فكأنّه ينتظر عودة محتملة إلى الأرض الأمّ، أو معجزة ما تخرجه من شلله وتنفح فيه قوّة لا يقدر هو نفسه أن يستنهضها في ذاته. عندما يكتشف بعد عقود عديدة أنّ التسويف كان فخّاً أفرغه من كلّ باعث لوجوده، يعمل على تجاوزه بحسب قدراته وقوّته الذهنيّة ودرجه إخلاصه لنفسه. بعضهم يحشّد قواه الروحيّة الباقية ويندفع في مشروع طويل الأمد لا يهمّه أن يفلح فيه أو لا يفلح. البعض الآخر يسقط في سوء الطويّة (بالمعنى السارتريّ للعبارة، أي الكذب على النفس): يضع بسرعة كتاباً بسيطاً يوهم نفسه ويسعى جادّاً إلى إيهام الآخرين بأنّه يغْني عن مؤلّفات جمّة، أو يصاب بمرض أسطرة الذات فيروح ينسب لنفسه أعمالاً غير موجودة. عندما يلتفت أفراد هذه الفئة الأخيرة إلى أنّ كذبتهم لم تنطلِ على أحد يصابون برجّة عميقة لا يصْحون منها إلاّ للعمل على تهيئة كذبة أكبر. لا حدود لمأساة نرجس الصّغير المحزون. ومن بين إفرازات المنفى في سلوك الجماعات هذه النزعة الانضماميّة أو التضاميّة التي أشار إليها إدوارد سعيد في تأمّلات حول المنفى ، والتي تجعل الفلسطينيّ يثق بالفلسطينيّ أكثر ممّا بغيره، واللبنانيّ باللبنانيّ والعراقيّ بالعراقيّ، إلخ. لكنّ ما لا يشير إليه سعيد هو أنّ ظاهرة التضامّ هذه تستند إلى إمكان انفصام: فبالقدر ذاته يمكن القول إنّه لا أكثر حسداً للفلسطينيّ ومناوأة له من الفلسطينيّ، وللّبنانيّ من اللبنانيّ وللعراقيّ من العراقيّ، إلخ. إنّ ما يشبه حلقة مفرغة ينتهي إلى الانطباق على المنفيّين من أبناء البلد الواحد. يهرع الواحد منهم إلى أشباهه مدفوعاً، بصورة غير واعية أغلب الأحيان، بالرّغبة التي تحدوهم هم أيضاً في إعادة بناء الوطن الأصليّ في منفاهم. إعادة بناء تشدّهم إليها لهجة مشتركة (ما يسمّيه رولان بارت، في سياق آخر، وشوشة اللّغة ) وذاكرة واحدة وأذواق متماثلة. هنا يتحوّل الفضاء الواسع، فضاء البلاد التي هم فيها منفيّون، إلى تجريد محض ولا يعود يعنيهم منه إلاّ أماكن اللقاء المعدودة التي صنعوا فيها فردوسهم الصغيرة المهدَّدة. هذه المحاولة محكومة بالفشل بدءاً، لأنّ المنفى لا يمكن أن يشكّل وطناً آخر. مثلما يحدث لبعض السّجناء، يبحث المنفيّ عن المنفيّ الآخر وفي الأوان نفسه ينفر منه، لأنّه يرى فيه نفسه، ولأنّ وجوده إلى جانبه يمدّ له مرآة حارقة يرى فيها جميع التشويهات التي ألقاها المنفى في عمق كيانه. قلّة فرَص النجاح، ومرض التأجيل الذي يستفحل بالعديد من المنفيّين، وما تفرزه الحلقة المفرغة نفسها من أنماط سلوك عدوانيّة، هذا كلّه ينتهي بعد سنوات إلى إقناع المنفيّ بأنّه إنّما اندفع بلا بصيرة في غمار تجربة تشكّل له نفياً في النفي. هذا المنفى المضاعف يقيم وراء تظاهرات الضغينة التي تتحكّم بسلوك البعض وتشلّهم عن كلّ ابتكار، بما فيه ابتكار الحياة الخاصّة، والتي ينتصر عليها البعض الآخر بفضل نزاهة متأصّلة فيهم أو بثمن مشروع يهبونه كلّ ما بقي لديهم من قوى خياليّة وإدراكيّة. لا رغبة لديّ في الإسهاب في عرض أنماط سلوكٍ أخرى معروفة لدى بعض سكّان المنافي، من تخوين متبادَل (حتّى النقد يعدّونه خيانة، وهو حقّ طبيعيّ)، وتبدّل للأحلاف وتكالب على الضحيّة ومحبّة للإشاعة واجتراح للأسرار الكاذبة يلصقها البعض بالبعض، ومن تشفٍّ علنيّ بمآسي الآخرين. الكلّ من أبناء هذا الصّنف يريد تسويد وجه جاره، زميله في المنفى حسب تعبير إدوارد سعيد الرّائع (زمالة لا صداقة)، وجرّه إلى القاع الرّاكد الذي لا يقوى هو على النهوض منه ولا يريد لسواه أن يبرحه. والحصيف هو من يكتشف، والأكثر حصافة هو من يعرف بادئ ذي بدء أنّ المنفى لا يسمح بصداقات كثيرة، وأنّ ثلاث صداقات أو أربع لهي أكثر من كافية، وأنّ وسطاً لا تحظى فيه بعلاقات تهذيب واحترام دائمة ينبغي هجرانه مهما كانت النتائج. اختراق المنفى تعدّدتْ منظورات المنفى منذ الأزمنة القديمة. كان الفيلسوف اللاتينيّ سينيكا، الذي عاش هو نفسه النفي في عهد كاليغولا، يرى أنّ من المتعذّر أن يشعر إنسان بالنفي أنّى وجد نفسه، ما دامت المسافة التي تفصل البشر عن السّماء أو عن اللّه هي نفسها في جميع أرجاء المعمورة. هذا منظور إيمانيّ لا يختلف عنه اعتقاد البعض بإمكان المواطنيّة الكونيّة وبأنّ الأرض معطاة للجميع، وهو اعتقاد تأتي تجارب المغتربين والمنفيّين اليوميّة لتكذّبه. فأنتَ حتى عندما تجهد في نسيان أصولك وتحاول الاندماج في الثقافة المستقبِلة لا تعدم أن تقابل بين الفينة والفينة مَن يذكّرك بأصولك. وفي رسالة منسوبة إلى الجاحظ تحمل عنوان رسالة في الحنين إلى الأوطان تجد مديحَين متكافئين لكلّ من التشبّث بالأوطان والهجرة سعياً في الأرض الكبيرة. لا بلا سببٍ، يعجز المؤلّف عن المفاضلة بين التجربتين. ولكنْ عندما يكون الاغتراب قسريّاً ويهدّد بالتحوّل إلى منفى طويل، لا أكثر نجوعاً في اعتقادي من العمل بمقولة فيكتور هوغو، التي يستعيدها إيريك أويرباخ، صاحب كتاب المحاكاة الشهير، وعنه يستعيدها إدوارد سعيد، والتي تنصح بأن يعتبر المرء العالمَ أجمع أرضاً غريبة . يكفي أن يحسب المرء أنّه مقتلَع حتّى في وطنه ليُضفي على الاقتلاع درجة من النسبيّة ويطوّع أثره الشالّ ويعيد فهم الوطن نفسه ويحوّل الحنين إلى قوّة دافعة. هنا يصبح المنفيّ عبّاراً للحدود، يفيد من تعدّد اللّغات ويعلي من شأن الخصوصيّة أمام وهمِ تماثل العوالم، ويحقّق فتوحاً فكريّة وأدبيّة أكثر مضاءً وأقلّ استعراضيّة ممّا يفعل الغازي المدفوع باعتقاده الباطل والقاتل في أنّ مجرّد اسمه يتيح له أن يُخصب الكون. (كاتب عراقي في باريس)