لم أكن أعتقد أنني قد قرأت الخبر بشكلٍ سليم. تحويلات مالية من المصريين في إسرائيل؟ لا بد أن في الأمر خطأ ما. وثبت خطأ اعتقادي حين دققت في القراءة. بالفعل، تحويلات مالية من مصريين في إسرائيل. عرفت أن الخبر صحيح، لكنني لم أفهمه، وقلت ربما إن التقرير الذي نشرته إحدى المواقع العربية يحوي خطأ ما، لكن جريدة الأهرام المصرية الرسمية أكّدت المعلومة وأرفقتها بتحقيق صحافي موسّع. مصريون يعملون فى إسرائيل. هل هو القرن الجديد يبدأ بأعجوبة؟! مصري يعمل في إسرائيل... كيف يكون شكله؟ ألم يشاهد مسلسل رأفت الهجان ؟ أو ربما شاهده، وتخيّل أنه البطل... يعمل لخدمة الوطن من دون أن يدري. مصري يعمل في إسرائيل. كررتها كثيراً وبت أخاف أن أصدقها. ماذا فعلوا بنا؟ ماذا فعلوا حتى صار مصريون يعملون في خدمة دولة إسرائيل؟ كيف أقنعوهم بأن العدو هو الملجأ؟ كيف تصنع الجواسيس؟ لو قامت الحرب، إن قامت الحرب، سيحارب هؤلاء؟ في أي صف؟ كنت قد سمعتها سابقاً، لكني لم أصدقها. تخيلتها نوعاً من المزاح، أو هكذا أردت أن أصدّق، إذ قال لي زميل في الجامعة، بعدما أعياه البحث عن عمل: سأسافر إلى إسرائيل، هناك كيبوتسات كاملة تحتاج إلى عمالة، وسيتوفر لي مكان للسكن. لماذا لا تأتين معي؟ تخيلتها مزاحاً ثقيلاً يومها. لم يذهب خيالي إلى أبعد. فأمس، في الجامعة، كنا نهتف لسقوط إسرائيل، وكان هو فى مقدمتنا، لكنه اختفى من حينها ولم يعد، فهل سافر إلى هناك؟ حتى من قابلتهم فى سيناء... آهٍ يا سيناء. قابلتهم وقالوا إنهم يريدون الذهاب إلى تل أبيب ليعرفوا ماذا يدور فيها. سمعت العبارات وتخيلتها أحلام شباب ساذج، لا يعرف عن إسرائيل سوى السائحات الجميلات. حتى عندما ذهبت إلى دهب، ورأيت بعيني شباباً إسرائيليين يصادقون شباباً مصريين، رفضت أن أصدق. وكل ما فعلته حينها هو صدّ كل من حاول التعرف إلي، على الرغم من أن كل شيء كان واضحاً: صداقات ممتدة، وعلاقات إنسانية دافئة، وزبائن معتادون لمحلات المدينة، وهدايا متبادلة. وحين كنت أطلب من شاب ألا يتحدث إليهم، كان الشباب ينهروني قائلين: وماذا فعلوا لنا؟ إنهم شباب لطفاء! كنت أخرج من المناقشة مهزومة بقوة صدمتي. ولا أرى سوى نظرات الشماتة في عيون الإسرائيليين. شباب مصريون يعملون في إسرائيل. عفواً، أريد أن أصحح المعلومة: إسرائيل ضمن 10 أهم مصادر لتحويلات العاملين المصريين ! صارت إسرائيل مصدراً للدخل القومي المصري! 48 مليون دولار دخلت مصر من الدماء التى تمصّها إسرائيل. شباب مصريون يعملون في إسرائيل. ألم يمت لأي منهم قريب فى أي حرب ولا أي عدوان؟! هل حقاً لا يكرهون إسرائيل؟ لا يكرهونها! هل هم حقاً 10 آلاف أو 12 ألفاً، بحسب الإحصائيات الرسمية المصرية؟ وإذا رنّ الهتاف في مظاهرة: تسقط... تسقط إسرائيل ، هل سيرددونه؟ ماذا فعلوا في شباب مصر... لكي يخدموا إسرائيل؟ وغداً، سيكون أطفال لأب مصري وأم إسرائيلية؟ سيكبرون وسيدخلون الجيش؟ أي جيش؟ ومن يحاربون؟ (القاهرة)